English

 

الخميس. أبريل. 22, 2004

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات آسيوية

 

أسرار الوصفة الماليزية للتنمية

إبراهيم البيومي غانم

عقد مركز الدراسات الآسيوية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية- جامعة القاهرة - المؤتمر السنوي الأول لبرنامج الدراسات الماليزية (14 و15-4-2004)، وحاول مقدمو البحوث في المؤتمر التعريف بالنموذج الماليزي للتنمية وكشف أسرار نجاحه وبيان كيفية الاستفادة منها.

وفي تصورنا أن الأهمية البالغة لهذا المؤتمر الأول من نوعه في مصر تنبع من موضوعه أساسا، وهو النموذج الماليزي باعتباره واحدا من النماذج الشرقية -غير الغربية- الرائدة التي نجحت في هزيمة الفقر في أقل من ثلاثة عقود، وأصبحت على مقربة من الدول الصناعية المتقدمة.

وألقت أغلبية البحوث الضوء على براعة الماليزيين في تخطي كثير من العقبات التي اعترضت مسيرتهم التنموية؛ سواء كان مصدر هذه العقبات هو الانقسام الرأسي (العرقي والديني)، أو الانقسام الأفقي (التمايز الاجتماعي والاقتصادي)، أو كان نابعا من التباس علاقة الدين بالدولة، أو من متغير "القيادة" في ظل ثقافة سائدة تعطي القيادة السياسية اهتماما كبيرا، وتعج بكثير من القيم والعادات والموجهات المعيارية -السلبية والإيجابية، أو الوظيفية وغير الوظيفية- ذات المصادر المختلفة (الهندية والصينية والإسلامية).

وبالرغم من أن هذا التنوع والتعدد قد انطوى في بعض جوانبه على عوامل التفتت والانقسام، فإن تجربة النجاح الماليزية أعطت درسًا لكثير من الشعوب التي تعاني من مثل تلك التعددية -وخاصة العرقية والدينية- أنه يمكن الاستفادة إلى أقصى حد من التنوع في إطار الوحدة، أو بالتعبير الماليزي[1] Bhinneka Tunggal IKA.

ولكننا لاحظنا غلبة الطابع الوصفي والإحصائي على تناول البحوث للنموذج الماليزي، دونما تقديم ما يوصي به للمجتمعات العربية والإسلامية؛ الأمر الذي دفعنا إلى طرح عدد ملاحظات رئيسية تساهم في إثارة الجدل حول هذا النموذج الماليزي.

تطور مفهوم التنمية

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1178193331597
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic

محاضير محمد

ولكن قبل أن نتناول هذه الملاحظات، ثمة مسألة تتعلق بالتطور الذي كان مفهوم التنمية قد وصل إليه عندما كانت ماليزيا تبدأ خطواتها الأولى الجادة في تجربتها.

لقد توافقت بداية الثمانينيات من القرن العشرين مع بداية انطلاقة النموذج الماليزي للتنمية، وبخاصة عندما وصل محاضير بن محمد إلى رئاسة الوزراء في سنة 1981 (أعلن تنحيه عن السلطة في أكتوبر 2003 وخلفه عبد الله بدوي)، وفي تلك الآونة كان مفهوم التنمية قد تخطى المعنى الاقتصادي الضيق الذي كان يجري قياسه -غالبا- بمقدار زيادة الدخل القومي، وارتفاع متوسط الدخل الحقيقي للفرد.

ظل مفهوم التنمية مرادفًا لمعنى النمو، وظل هذا المعنى محصورًا في البعد الاقتصادي طيلة الخمسينيات والستينيات، وشطرًا من السبعينيات. ولكن خبرة تلك المرحلة التي تصل إلى ربع قرن كشفت عن أن التخلف لا يرجع فقط إلى قلة الأموال المطلوبة للاستثمار، وإنما يرجع إلى عوامل أخرى مهمة تتلخص في جملة من العوائق الهيكلية والمؤسسية المحلية (على مستوى كل قطر أو بلد) وعوامل خارجية تتعلق بنمط العلاقات الدولية التي تربط البلدان النامية بالبلدان المتقدمة، والتي بدورها نتاج تاريخي طويل لنظام دولي اتسم بعدم التكافؤ والاستغلال لصالح المراكز الاستعمارية القديمة.

والأهم من ذلك هو أن خبرة تلك المرحلة، كشفت عن أن هناك جوانب غير اقتصادية مهمة جدا في عملية التنمية، وفي مقدمتها الجانب الاجتماعي المرتبط بعدالة التوزيع، والجانب السياسي المرتبط بالحريات وديمقراطية نظام الحكم، والجانب الثقافي ومنظومة القيم والمبادئ السائدة في المجتمع. (لمزيد من التفاصيل حول تطور مفهوم التنمية انظر: التنمية البشرية..من ثراء المفهوم إلى فقر الواقع، التنمية= الحياة الطيبة).

دخلت ماليزيا في عملية التنمية إذن مع صعود مفهوم التنمية تطرحه الأدبيات المتخصصة وتتبناه المؤسسات الدولية المعنية بهذا المجال، وهو مفهوم يؤكد على تعدد الأبعاد الاجتماعية والسياسية والإنسانية والثقافية للتنمية إلى جانب بعدها الاقتصادي. وفي الوقت الذي استمرت فيه ماليزيا تخطو بثبات على طريق التنمية، كان مفهوم التنمية ذاته -كما طرحته الأدبيات والهيئات الدولية- آخذا في التطور، حتى أصبح منذ مطلع التسعينيات مرادفا لمفهوم التحرر الإنساني الذي بات يعني بصفة أساسية: تحرير الفرد والمجتمع من الجهل ومن الخوف والمرض والفقر، ومن شتى صنوف التبعية، وإطلاق قدرات البشر، وتوسيع مجالات الاختيار أمامهم، والانتفاع بهذه القدرات لصالحهم، وتمكين المجتمع من السيطرة على شروط تجدده وتطوره[2].

هذا هو معنى التنمية الذي جاءت في سياقه التجربة الماليزية، ليس فقط، وإنما تعين عليها أن تعمل في ظروف أزمة طاحنة للتنمية على مستوى العالم في الثمانينيات، وخاصة في الدول الصناعية، وأضحى العالم المتقدم أقل رفقًا بالشعوب النامية وأكثر ظلمًا لها، ومن ثم كان على مخططي هذا النموذج الماليزي أن يسعوا إلى تحقيق إنجازات ملموسة على أكثر من جبهة حتى يمكن قهر الفقر وبناء الإنسان الجديد: جبهة زيادة الإنتاج من السلع والخدمات ذات القدرة على إشباع الحاجات الأساسية للمواطنين، والتوسع في الصادرات وإحلال الواردات، حتى يمكن فعلاً الإسهام في تحرير الإنسان والمجتمع من قيود التخلف، وجبهة تحسين نوعية الحياة الإنسانية في المجتمع؛ بتوفير فرص أفضل لتحقيق الذات وتمكين أكبر عدد ممكن من المواطنين من التعلم والعطاء والإبداع، وجبهة تحرير الإنسان من علاقات الاستغلال والمهانة؛ وذلك بتوسيع فرص ممارسة الحريات والمشاركة في اتخاذ القرارات، وفي الوقت نفسه العمل على تحرير المجتمع كله من علاقات الاستغلال والاستتباع للقوى الخارجية، وتدعيم الاعتماد على الذات. (انظر على سبيل المثال تجارب تفصيلية لماليزيا في التنمية: استثمار البشر في ماليزيا، ماليزيا.. الخروج من الأزمة بعيدًا عن الصندوق، تجارب تنموية: ماليزيا شركة واحدة).

ملاحظات رئيسية

والملاحظات التي أود طرحها على المؤتمر، وتكشف في الوقت نفسه بعضا من أسرار النموذج الماليزي للتنمية تدور حول الآتي:

1- حدود دلالة لغة الأرقام في التنمية

مع اتساع مفهوم التنمية وتعدد أبعاده على هذا النحو الذي أشرنا إليه، فإن تقييم إنجازات النموذج الماليزي في هذا السياق لا تكفي معه لغة الأرقام بالمعنى الإحصائي البحت الذي اهتم به أغلب مقدمي البحوث في هذا المؤتمر، ولا حتى بمفهوم الإحصاء الاجتماعي الأكثر حيوية. إن المطلوب لمواكبة المفهوم الواسع للتنمية هو استخدام مجموعة من المؤشرات المتنوعة التي تمكننا من متابعة وملاحظة مدى تحقق هذا المعنى الواسع للتنمية على أرض الواقع.

استدل الباحثون الذين شاركوا في المؤتمر مرات كثيرة على نجاح النموذج الماليزي بلغة الأرقام، ومن ذلك مثلا أن متوسط دخل الفرد ارتفع من 600 رنجت سنة 1980إلى 10.000 رنجت (الدولار= 3.8 رنجت) سنة 2001، وأن قيمة الصادرات ارتفعت من أقل من 5 مليارات من الدولارات في العام إلى 95.2 مليار دولار عام 2002... إلخ، ولكنهم لم يلتفتوا -في معظمهم- إلى بعض المؤشرات الاجتماعية والإنسانية التي باتت على درجة كبيرة من الأهمية في الحكم على مدى كفاءة الأداء التنموي. ومرة أخرى نؤكد أن اتساع مفهوم التنمية الذي عملت في ظله التجربة الماليزية يفرض الالتفات إلى تلك المؤشرات غير الاقتصادية، دون إغفال هذه الأخيرة طبعا. أما الاقتصار عليها وحدها فلا يكفي، وذلك لأسباب كثيرة منها:

أ ـ أن دلالة مثل هذه الأرقام الواردة بالبحث إذا استخدمت وحدها هكذا لا تخرج عن نطاق مفهوم التنمية الذي كان سائدا في الخمسينيات والستينيات، وهو مفهوم النمو الاقتصادي الذي تجاوزته أدبيات التنمية منذ سنوات عدة.

ب ـ أنه من الممكن أن يحدث نمو اقتصادي سريع تعبر عنه الأرقام والإحصاءات بدقة، ولكن لا تحدث تنمية بالمعنى الواسع لها؛ وذلك عندما ينشأ عدم توازن بين تطور الاقتصاد واحتياجات المجتمع، فقد يحدث مثلاً اختلال في التكوين القطاعي للناتج القومي الإجمالي، بأن يزيد كثيرًا نصيب الخدمات على نصيب القطاع الزراعي رغم أهميته، وهو أمر حادث في التجربة الماليزية؛ حيث يصل نصيب الخدمات إلى 42%، في حين قطاع الزراعة لا يتجاوز 12% من إجمالي الناتج القومي الإجمالي.

ج ـ يمكن كذلك أن يحدث نمو اقتصادي ويكون مصحوبا في الوقت نفسه بتراجع المشاركة الشعبية، وتزايد خروقات حقوق الإنسان، وذيوع الفساد الفردي والمؤسسي. ومثل هذه الجوانب في حاجة إلى مزيد من التدقيق ونحن بصدد الحديث عن النموذج الماليزي. إن رغد العيش -النسبي- يجب ألا يشغلنا عن ملاحظة الصعود الموازي للفساد، وما يصاحبه من سلوكيات سلبية مثل إساءة استخدام الوظيفة العامة، والانحراف أحيانًا في ممارسة السلطة.

بالطبع ثمة مؤشرات متوافرة أخرى -لا مجال للإسهاب فيها هنا- تكشف عن درجة معينة من كفاءة النموذج الماليزي في الاستجابة والتوافق مع المفهوم الواسع للتنمية، مثل انخفاض نسبة البطالة إلى 3.5% عام 2000، وانخفاض نسبة الواقعين تحت خط الفقر إلى 6.8%... إلخ. (انظر تفاصيل حول ذلك في: ماليزيا: الأولوية للأبعاد الاجتماعية، الجياد الماليزية.. من مضمار التنمية إلى النهوض من الكبوة).

2 ـ "المستبد العادل": كفاءة الأداء التنموي أم الديمقراطية؟

من النتائج المهمة التي ركز عليها أحد البحوث التي قدمت في المؤتمر أن "كفاءة الأداء التنموي لها أولوية على تحقيق الديمقراطية التي تصبح ممكنة في مرحلة تالية عندما تنجح الدولة في إحداث نقلة نوعية في الحياة الاقتصادية والاجتماعية"، وأشارت إلى هذا المعنى بحوث أخرى بصيغة أخرى في معرض تناولها لمتغير القيادة وموقفها من الديمقراطية والتعددية السياسية، مع التأكيد على أن مرونة محاضير محمد تجلت في "الانفتاح على ثقافة الآخر مع الاحتفاظ بالخصائص المميزة للثقافة الآسيوية التي تعطي اهتمامًا كبيرًا لدور القيادة السياسية"، وأن ما أثير من تناقضات حول وصف قيادة محاضير محمد يعيد إلى الذهن الجدل الفكري حول قضية المستبد العادل التي تناولها الإمام محمد عبده، حيث ميز بين الاستبداد المستهجن والاستبداد المستحسن".

وفي تصوري أننا لا بد أن نتجاوز مقولة "المستبد العادل" ليس فقط لأنها باطلة منطقيا، كما أكد على ذلك الكواكبي -معاصر الإمام محمد عبده- في طبائع الاستبداد؛ إذ ذهب إلى أنه "لا استبداد مع العدل ولا عدل مع الاستبداد"، وإنما لأنها باطلة تاريخيا أيضا، ويبدأ بطلانها من أبعد لحظة تاريخية سكت فيها عندما شاع في كتب الحكمة السياسية ولدى طائفة من الفقهاء أن "السلطان الغشوم خير من فتنة تدوم" وكان تبريرهم لغشمه هو أنه "عادل"، ويمتد هذا البطلان إلى العصر الحديث عندما ارتفعت شعارات تأجيل الديمقراطية لإنجاز التنمية، أو لتحرير الأرض المغتصبة، والذي حدث في جميع الحالات هو أن الفتنة والسلطان الغشوم استمرا معًا، وأن التخلف واغتصاب الأرض استمرا معًا أيضًا، وأن الخاسر الأكبر في جميع الحالات -والأزمان- هو الناس وجماهير المواطنين.

ويضاف إلى ما سبق أن كلمة "الاستبداد" لم يكن لها في المرجعية العربية القديمة ذلك المضمون السلبي الذي لها اليوم. لقد كان "الاستبداد" يعني الحزم وعدم التردد في اتخاذ القرار وتنفيذه. ومن هنا تلك العبارة الشهيرة: "إنما العاجز من لا يستبد" التي وردت في أبيات من شعر الغزل تقول:

ليت هندًا أنجزتنا ما تعد وأراحت أنفسنا مما تجد

واستبـدت مرة واحـدة إنما العاجز من لا يستبـد

هذا هو معنى الاستبداد في المرجعية اللغوية العربية خصوصا عندما يقرن بـ"العدل". فالعدل يفقد مضمونه مع العجز عن تطبيقه. أما الاستبداد بدون عدل فكان له اسم آخر في المرجعية العربية وهو "الطغيان".

ولست أظن أن ما أثير من آراء متناقضة حول محاضير محمد يمكن أن يعيد مثل هذه المقولة إلى حياة الجدل والخلاف الفكري، خاصة أن النموذج الماليزي لم يحقق خطوات لافتة على طريق التحول الديمقراطي، رغم أن هناك تعددا حزبيا، وانتخابات دورية (فاز فيها التحالف الوطني الحاكم فوزا ساحقا في 21-3-2004).

كذلك قد يفهم مما ورد في بعض بحوث المؤتمر أن ثمة شيئا في بنية الثقافة الآسيوية يزكي ما يسمى "الاستبداد العادل"، والصحيح -كما تؤكد دراسات كثيرة- أن الثقافة الآسيوية الأصيلة تدعو لمحاربته وعدم الاستسلام له، وكتب كبار مفكري آسيا أمثال طاغور وإقبال مفعمة بهذا التوجه، وتدعو إلى تنقية التقاليد الآسيوية من الطغيان والاضطهاد والظلم الاجتماعي.

3 ـ دور المجتمع المدني

في اتجاه تعميق قراءتنا للنموذج الماليزي أيضا علينا أن نتبين موقع المجتمع المدني ومؤسساته ومنظومته القيمية في الإسهام في نجاح النموذج الماليزي.

وتشير الكتابات المتوافرة بهذا الخصوص إلى أن "المجتمع المدني" ازدهر في ظل ازدهار عملية التنمية من جهة، وكان دافعا قويا -ولا يزال- باتجاه تعميق الأبعاد الإنسانية لهذه التجربة من جهة أخرى. ومن تلك الكتابات نعرف أيضا أن النواة الصلبة للمجتمع المدني الماليزي تتجلى في منظومة من المبادئ التي تعلي من شأن الكرامة الإنسانية، والإقرار بالتعددية (العرقية، والدينية، والسياسية)، وأن العدالة هي الضمان الأكبر لكرامة الإنسان، والعدالة كذلك هي القلب النابض للمجتمع المدني، والخطر المحدق بهذا القلب يتمثل في عدم القدرة على تطوير مؤسسة قضائية فعالة؛ بحيث تكون قادرة على فرض حكم القانون بطرقة عادلة، وكما يقول أنور إبراهيم (رئيس وزراء ماليزيا الأسبق) إنه "لا يكفي أن يكون القانون عادلاً في حد ذاته، بل لا بد أن يطبق بعدالة أيضا، وليس هناك أسوأ من تطبيق القوانين العادلة بطرقة ظالمة"[3].

أتصور أن إلقاء بعض الضوء على وضع المجتمع المدني في ماليزيا وخصائصه سوف يسهم في الكشف عن أحد أهم أسرار هذه التجربة؛ وثمة شواهد تؤكد أن مضمون هذا المصطلح لا يتطابق مع نظيره الغربي المشتق من فلسفة التنوير في أوربا؛ فبينما الدين والمجتمع المدني ضدان لا يجتمعان إلا ليفترقا في التصور الغربي، نجد أن الدين هو النواة الصلبة للمجتمع المدني الماليزي -والآسيوي بشكل عام- بكل تجلياته وفعالياته الاجتماعية والسياسية، ولعل أهم ما فيه هو أنه مؤسس على الأخلاق والقيم الرفيعة التي تحض على زيادة الوعي بالحقوق، والشجاعة في المطالبة بها والدفاع عنها، والإتقان في أداء الواجب والمثابرة على العمل الشاق.

وثمة علاقة جدلية كما أشرنا بين وجود اقتصاد مزدهر ومتطور، والوصول إلى مجتمع مدني قوي وفعال، وكلاهما يتطلب توافر درجة عالية من الاستقرار على المستويين الاجتماعي والسياسي، وهنا تقوم العدالة بمعناها الواسع (الاجتماعية والقانونية والإجرائية والسياسية) بدور محوري في توفير شروط هذا الاستقرار. فإلى أي مدى نجح النموذج الماليزي في إنجاز العدالة بهذا المعنى الذي يحيل إلى فعالية المجتمع المدني وقوته؟

4 ـ العامل الأخلاقي

ما أقوله هنا عبارة عن افتراض مؤداه أن إدماج العنصر الأخلاقي في مختلف جوانب النموذج الماليزي هو أحد عوامل نجاحه وكفاءته في التغلب على المشكلات التي واجهته، أولا تزال تواجهه. وأنه كلما قويت النزعة الأخلاقية -بالمعنى الواسع الذي سيأتي ذكره- تعززت قدرة هذا النموذج على التطور وتحقيق مزيد من النجاح. وأتصور أن هذا جانب آخر على درجة كبيرة من الأهمية يجب الالتفات إليه ضمن الخلفيات المتعددة للنموذج الماليزي.

ثمة معنى ضيق للعامل الأخلاقي يقصره -عادة- على كيفية تقويم السلوك الفردي حتى ينضبط وفقًا لمنظومات من القيم والمعايير المستمدة من ثوابت المجتمع ومرجعيته العليا التي يؤمن بها. وثمة معنى واسع -هو الذي نقصده هنا- لهذا العامل يمتد إلى البحث في كيفية إعادة التوازن والفاعلية إلى منظومات القيم والمعايير الفردية والجماعية السائدة في المجتمع. الأخلاق بهذا المعنى الواسع تعنى بتقييم وتقويم السلوك الإنساني من منظور صواب الأفعال أو خطئها، جوازها أو عدم جوازها، وهل هي خيرة طيبة أم شريرة وفاسدة، وتعتمد أول ما تعتمد على قوة الوازع الداخلي إلى جانب المناخ الملائم والقانون العادل... إلخ.

ونحن بحاجة إلى اكتشاف آليات هذا البعد الأخلاقي في التجربة الماليزية بشأن كيفية معالجة أسباب ومظاهر الخلل القيمي والمعياري على مستوى السلوكيات والآداب المدنية والأخلاقيات العملية والمهنية والطبائع الإنسانية. وثمة أسئلة مهمة يمكن أن تثار بصدد هذا الجانب من حيث ارتباطه بعملية التنمية في أبعادها المختلفة السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فمثلاً: من أين بدأت عملية الإصلاح الأخلاقي؟ ووفقًا لأي مرجعية معرفية؟ وهل الفساد الأخلاقي كان سببًا في "التحلل الاجتماعي" الذي ساد قبل مرحلة الإقلاع الماليزي على طريق التنمية؟ أم أن التحلل الاجتماعي هو السبب في البعد عن الأخلاقيات الصالحة، وفي هذه الحالة ماذا فعل مخططو النموذج الماليزي من أجل الارتقاء بمستويات الأداء والالتزام المهني والمدني؟

إن مثل هذه التساؤلات تحتاج إلى كثير من الحوار والمناقشة، وهو ما لا يتسع له المجال هنا. وما نود التأكيد عليه مجددا هو أن إدماج الإصلاح الأخلاقي في مختلف مداخل وخلفيات النموذج الماليزي يبدو أنه قد احتل موقعا بارزا في فكر التنمية الماليزية.

وأخيرًا يبدو أن ماليزيا قد نجحت بالفعل في تقديم نموذج شرقي الملامح في التنمية، وإن كان أحد أهم دروس هذا النموذج هو التواضع والانفتاح على تجارب الآخرين بوعي وبرؤية ثاقبة قد تكون جذورها مستمدة من قول طاغور "دع ضوء الصباح يعرفنا على بعضنا البعض"، والنور رمز للعلم، والتعارف دعوة إنسانية، ودعوة فطرية، وأمر قرآني.


  خبير بالمركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية - مصر

1ـ انظر في ذلك:

- Anwar Ibrahim : The Asian Renaissance (1996:Singapor. Kuala Lumpor) P-135

 والتعبير الماليزي المشار إليه هو بالإنجليزية Unity in Diversty

2ـ إبراهيم العيسوي: التنمية في عالم متغير : دراسة في مفهوم التنمية ومؤشراتها (القاهرة: دار الشروق، ط3) ص21

3ـ Anwar Ibrahim : The Asian Renaissance (1996:Singapor. Kuala Lumpor) P-

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم