English

 

الاثنين. فبراير. 18, 2002

نماء » قضايا اقتصادية » مصر والسودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين

المواطن مصري.. والهم زاد

مغاوري شلبي

Image

"للفرد وبالفرد" شعار التنمية الاقتصادية في أي دولة في العالم، حيث الفرد هو "الهدف" و"الوسيلة"، وإذا لم تنعكس سياسة الحكومة الاقتصادية وبرامج الإصلاح الاقتصادي بالإيجاب على مستوى معيشته ونوعية حياته تكون هذه السياسة وهذه البرامج سياسات وبرامج عقيمة.

في مصر، ورغم مرور أكثر من حوالي 10 سنوات على اتباعها لبرامج الإصلاح الاقتصادي لم يتعافَ الاقتصاد بعد من جميع علله، بل بدأت أعراض الانتكاسة تظهر عليه في ظل المشاكل التي تستحكم حلقاتها يومًا بعد يوم، من مشكلة سعر الصرف وتراجع الجنيه المصري أمام الدولار ليفقد حوالي 40% من قيمته، إلى الارتفاع المستمر في أسعار معظم السلع وخاصة السلع الأساسية، مثل المواد الغذائية والتموينية، وصولاً لتفاقم الدين العام الداخلي، بل والعودة للاقتراض من الخارج تحت مظلة الصندوق والبنك الدوليين، رغم إعلان مصر في عام 1996م أنه لا رجعة للاقتراض من الخارج، ولا عودة للصندوق أو البنك الدوليين.

السؤال الآن هو: أين المواطن المصري من كل هذه الأوجاع والمشاكل التي يعاني منها اقتصاد بلده؟

كُل تضخما.. واشرب موازنة!

في الغالب لا يفهم المواطن العادي معظم المصطلحات التي تستخدمها الحكومة في الحديث عن الأحوال الاقتصادية، ولا مدلول المؤشرات التي تستخدمها في تقييم هذه الأحوال، ما يهم المواطن العادي ويفهمه جيدًا هو الواقع الذي يعيشه ويلمسه بنفسه، ويعتبره المؤشر الأساسي للحكم على أداء الحكومة وسياستها الاقتصادية، حيث إن المواطن في الشارع المصري يفهم أن المرادف لكلمة الإصلاح الاقتصادي هو أحوال معيشية أحسن على أرض الواقع، كأن تتحسن وسائل المواصلات، وأن يجد كوب ماء نظيف، ومكانًا لابنه في مدرسة تقدم خدمة تعليمية جيدة بتكلفة مناسبة، وأن يجد له فرصة عمل عند تخرجه من الجامعة.

إذا لم يجد المواطن المصري هذا فإن لسان حاله يقول: "ليذهب معدل التضخم، وعجز الموازنة، واحتياطي البنك المركزي إلى الجحيم!"؛ لأنه لا يأكل ولا يشرب من معدل التضخم أو عجز الموازنة، ولا ينفق على الدروس الخصوصية من احتياطي البنك المركزي، وإنما الذي يهمه هو دخله الحقيقي الذي يتراجع باستمرار والذي لا يتناسب مع مستويات الأسعار المرتفعة، وإنفاقه آخر جنيه لديه؛ لكي يتعلم أو يُعلِّم أولاده، دون أن يجد فرصة عمل في النهاية.

فأين الإصلاح الاقتصادي؟ وأين ثماره بعد أكثر من 10 سنوات من التقشف الاقتصادي في مصر في ظل برامج الإصلاح؟ وفقًا لتقرير التنمية البشرية المصري 2001م (الصادر عن معهد التخطيط القومي) ما زال هناك حوالي 13 مليون مصري يشكِّلون مجموعة أسر تحصل كل أسرة منهم على 594 جنيهًا سنويًّا (127 دولارًا) ممثلين خط الفقر الأول في مصر، وهناك 16 مليون مصري يشكّلون أسر تحصل كل أسرة منهم على 1098 جنيهًا سنويًّا (236 دولارًا)، وما زالت نسبة الفقراء في مصر أكثر من 45% تمثل 1% من إجمالي فقراء العالم، فكيف يعيش هؤلاء؟!!

توزّع الأسرة الفقيرة في مصر دخلها المحدود على المستلزمات الأساسية لأفرادها بطريقة عجيبة، فهي تنفق 425 جنيهًا (91 دولارًا) على الغذاء طوال العام، وحوالي 25 جنيهًا (4, 5 دولارًا) على الصحة، وحوالي 30 جنيهًا (49, 6 دولارًا) على التعليم، و8 جنيهات (73, 1 دولارًا) على المواصلات سنويًّا.

سقطوا.. سهوًا

الكل في مصر يتحدث حاليًّا عن التراجع في الأحوال الاقتصادية، يستوي في ذلك الأفراد من كافة القطاعات والفئات؛ فالمواطن العادي يشعر أنه لم يجنِ أي ثمار لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي كان يعتقد أنه سينقل مستوى معيشته نقلة نوعية، وعمَّق من هذا الإحساس رؤيته لبعض الفئات، وقد أصبحت أكثر ثراءً وترفًا، وكل أمورها تسير على ما يرام ولا تتأثر بالظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.

بل إنه على سبيل المثال: ترى البنوك التي لا تصرف القروض إلا بضمانات تعطي البعض بالمليارات بلا ضمان، ولا مانع من الهروب بها إلى الخارج، أما المزارع المصري البسيط الذي حصل على مبلغ لا يتجاوز بضعة آلاف من الجنيهات، وتعثر في السداد لظروف غير مواتية لمحصوله أو لإصابة ماشيته بحمى الثلاثة أيام، فمن الوارد أن يتم حبسه أو تقديمه للقضاء، هذا الشعور أصبح سائدًا على المستوى الطبقي.

أما على المستوى الجغرافي، فالغالبية العظمى من المصريين يشعرون أن الحكومة في مصر هي حكومة القاهرة، والحكومة في المحافظات هي حكومة عواصم المحافظات، تولَّد هذا الإحساس من تركز اهتمام الحكومة بالقاهرة والمدن الكبرى، ومن الواضح أن عمليات إعادة تطوير تتم في مناطق أكثر تحضرًا، في حين أن هناك مناطق قريبة منها لم تمتد يد التطوير إليها على الإطلاق.

وهكذا، فإن هناك شعورًا عاما بعدم عدالة توزيع أعباء المشاكل الاقتصادية في مصر، وكذلك في توزيع عوائد التنمية بين الأفراد والفئات والأقاليم، وهو ما يعني أن هناك عددًا كبيرًا من المواطنين والمناطق قد سقطوا من حسابات الحكومة.

أين.. ما.. لو.. لم؟!

من المعروف في الاقتصاد أن هناك ثلاثة أساليب للحكم على فعالية جهود الحكومة والسياسات الاقتصادية التي تتبناها، وذلك بعد مرور عدد من السنوات على بداية أخذ الدولة بهذه السياسات. هذه الأساليب الثلاثة هي:

- الأسلوب الأول: "أين كنا؟ وكيف أصبحنا؟"، وذلك بمعنى المقارنة بين الوضع الذي كانت عليه الأحوال الاقتصادية قبل الأخذ بهذه السياسات، والوضع الذي أصبحت عليه بعد الأخذ بها.

مزاياه:

- يبرز حجم التحسن أو التدهور في الأحوال الاقتصادية للفرد والدولة بصورة بسيطة ومباشرة.

عيوبه:

- يهمل التحسن أو التدهور في الأوضاع الاقتصادية الذي كان من الممكن أن يحدث لو لم تطبق الدولة هذه السياسات بالتحديد أو إذا كانت طبقت سياسات اقتصادية أخرى.

- يقيّم أثر السياسات الاقتصادية في الدولة بمعزل عن بقية دول العالم، وهو أمر غير منطقي؛ فعلى سبيل المثال قد تكون الأحوال الاقتصادية للفرد في مصر قد تحسنت بنسبة 5% عما كانت عليه وهذا أمر طيب، ولكن قد يقابله تحسن بنسبة 50% في دول أخرى، وهو ما يقلل من أهمية التحسن الذي طرأ على المواطن المصري.

- الأسلوب الثاني: "ما تم تحقيقه مقارنة بما كان مخططًا له"، وهذا الأسلوب يعتمد على مقارنة ما تحقق من إنجازات منذ أخذت الحكومة بسياسات اقتصادية معينة، مقارنة بما كان مخططًا له عند بداية الأخذ بهذه السياسات الاقتصادية.

مزاياه:

- قدرته على قياس أداء الحكومة وقياس فاعلية هذه السياسات في تحقيق الأهداف، بحيث تكون السياسات فعَّالة وأداء الحكومة جيدًا، كلما اقترب ما تحقق من أهداف مما كان مخططًا له، والعكس صحيح.

عيوبه:

- نفس عيوب الأسلوب السابق، بالإضافة إلى أنه يغفل احتمالات أن تكون الأهداف التي تم وضعها من البداية كانت متواضعة.

- الأسلوب الثالث: "ماذا لو لم...؟" بمعنى ماذا كان سيحدث من تدهور أو تحسن في الأحوال الاقتصادية للدولة والفرد لو لم تأخذ الحكومة بهذه السياسات الاقتصادية.

مزاياه:

- يقوم على تقييم عائد الفرصة البديلة للسياسات الاقتصادية.

عيوبه:

- يعتمد على تقديرات لأمور لم تحدث ونادرًا ما يستخدم.

سكِّن تسلم

تتبع حكومة مصر الأسلوب الأول، وتلجأ إليه لتحسن صورتها أمام المواطنين، حيث تأخذ بالجانب المالي والنقدي لمؤشرات الاقتصاد للحكم على جهودها وسياساتها الاقتصادية وأثرهما على تحسن الأحوال المعيشية للمواطن، وتغفل المؤشرات الحقيقية للاقتصاد والتي تكون أكثر تعبيرًا عن مستوى معيشة المواطن والتحسن فيها؛ فعلى سبيل المثال تركز الحكومة في خطابها العام على تراجع معدلات التضخم (من أكثر من 20% عام 1990م إلى حوالي 2.7% خلال عام 2001م)، وتراجع عجز الموازنة العامة للدولة من حوالي 25% إلى حوالي 1%، إلا أنها تغفل الكيفية التي تم بها هذا التحسن في المؤشرات النقدية والمالية التي غالبًا ما تمت على حساب رفاهية الأفراد، حيث تم تخفيض معدلات التضخم عن طريق السياسة الانكماشية، وكبح الطلب، وتم تقليل عجز الموازنة عن طريق ضغط الإنفاق العام.

إلى جانب ذلك نادرًا ما تجد الحكومة تتداول في خطابها العام مؤشرات الجانب الحقيقي للاقتصاد المصري، مثل إنتاجية الفرد مقارنة بغيره في دول العالم، وتغير الدخل الحقيقي للفرد، ومعدلات النمو الحقيقي، وغيرها من المؤشرات التي تمس جوانب الحياة اليومية للمواطن مثل البطالة، وعدد الأطباء والأسرة في المستشفيات لكل ألف مواطن، والكراسي في وسائل المواصلات العامة لكل ألف فرد، وعدد الأفراد الذين يشربون مياه نقية، وغير ذلك من المؤشرات التي تعكس جودة الحياة اليومية للفرد.

من الواضح أن الحكومة تتبع مبدأ "سكّن تسلم"؛ لأن الحديث عن هذه المؤشرات ليس في صالحها. وإن كان من الطبيعي أن تركز الدولة في خطابها العام إلى المواطنين على الإيجابيات، إلا أن الغريب أن تمعن الحكومة في الاستذكاء عليهم في هذا الخصوص وتبرر المشاكل الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد المصري تبريرات غير منطقية ومتناقضة في بعض الأحيان، كأن تبرّر انتشار البطالة بوجود هذه البطالة في جميع دول العالم المتقدمة، وتغفل أن طبيعة مشكلة البطالة في الدول المتقدمة تختلف عما هي عليه في مصر، كما أن العاطل في مصر لا يحصل على مخصص بطالة كما في هذه الدول، وهكذا في بقية المشاكل.

إصلاح "برنامج الإصلاح"

إذا أخذ الفرد في مصر بأسلوب الحكومة في تقييم الأحوال الاقتصادية خلال الفترة الأخيرة فإنه يجد مؤشرات الاقتصاد المصري تعكس وضعًا متجمدًا أو متراجعًا، حيث إن الإنجازات التي تحققت في السنوات الماضية بدأ بعضها يتآكل والبعض الآخر عرضة لذلك، والأمثلة كثيرة فمعدلات البطالة التي تقول الحكومة إنها انخفضت إلى حوالي 8.5% يشكك فيها البعض، ويرى أنها تتجاوز نسبة 15% ويرجعون انخفاض الرقم الحكومي للبطالة إلى يأس الأفراد من سوق العمل، وخاصة لدى الشباب الذي بحث كثيرًا عن فرصة عمل ولم يجدها، وبالتالي توقف عن البحث ولم يَعُد يسجل في تعداد البطالة.

أما بالنسبة للمؤشرات التي كانت تتغنى بها الحكومة حتى الأمس القريب أصبحت عرضة للتآكل، خاصة معدلات التضخم وعجز الموازنة العامة للدولة، حيث إن حالة الركود ونقص السيولة التي يعاني منها الاقتصاد المصري لن يتم الخروج منها إلا بزيادة الإنفاق الحكومي وضخ أموال جديدة للقطاع العائلي الذي أغفلته الحكومة تمامًا، وهو ما يجعل المواطن العادي يشعر أن الإصلاح الاقتصادي كان وهمًا، فبعد 10 سنوات يحتاج ما أفسده برنامج "الإصلاح الاقتصادي" إلى إصلاح.

الغرض من هذه السطور ليس إحباط النفوس أو الإساءة إلى إنجازات الحكومات، فلا شك أن المواطن المصري في نهاية القرن العشرين أصبح أفضل حالاً مما كان عليه في بدايته، وإنما الهدف الأساسي منها هو التأكيد على أن القضية ليست "ماذا تحقق؟"، وإنما هي "ماذا تحقق مقارنة بما حققه الآخرون؟"، فليس من المنطقي أن تسعى البرامج الحكومية إلى جعل الأسعار، والضرائب، والقوانين، والإدارة، ومعايير التوظيف، والبطالة، وتكاليف الخدمات على المستوى العالمي، وتسقط من حساباتها أن تجعل مستوى معيشة الفرد على المستوى العالمي أيضًا..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم