|
التصنيع أو الموت).. تلك هي النتيجة التي خرجت بها دول الخليج، ومعها كافة البلدان التي تعتمد على عائدات البترول في تمويل التنمية بصفة أساسية، وذلك عقب التراجع المستمر في أسعار النفط لمدة سنوات طويلة حتى بداية عام 2000م، مما ترتب عليه آثار سلبية بالغة على مستوى الاقتصاد القومي ورفاهية المواطن في تلك الدول، وقد ساعد على تأصيل هذه النتيجة التطورات العالمية المتلاحقة في مجال التجارة العالمية. ولقد كانت تلك الأحداث بمثابة جرس إنذار دَفَع الدول الخليجية إلى الاتجاه إلى التصنيع باعتباره وسيلة النجاة، ومنذ بدأت تلك الدول في وضع الإستراتيجيات اللازمة للنهوض بالصناعة، إلا أنه ما زالت هناك حلقة مفقودة في التصنيع الخليجي، ومن هنا جاءت الحاجة إلى أن نبحث معاً الحلقة المفقودة في التصنيع الخليجي، وما سببهـا، وما علاقة ذلك بمشكلة تطوير التقنية الخليجية، ثم نحدد مكان الحلقة المفقودة في هذا التصنيع، ونبين آثار إيجادها على إمكانية التطوير التقني، وعلى استكمال التصنيع الخليجي لأهم فعالياته التطويرية التي تصل به في النهاية إلى القدرة علـى التطويـر الذاتي (Internalisation) في التصنيع.
اقرأ في الموضوع:
1- غياب الاتجاه الصناعي نقطة الضعف في الخليج
2- أين الحلقة المفقودة في التصنيع الخليجي؟
3- المصانع المتكاملة سبيل الخروج من الخواء التكنولوجي
4- صناعة النقل البحري الحلقة المفقودة
1- غياب الاتجاه الصناعي نقطة الضعف في الخليج
دول الخليج حديثة عهد بالتصنيع طبعاً، ولقد قطعت تلك الدول شوطًا كبيرًا في إنجاز العديد من مشاريع البنية الأساسية في اتجاهين صناعيين تنمويين من ثلاثة اتجاهات صناعية وتنموية تتحدد فيما يلي:
أولاً: اتجاه يتعلق بإقامة المشاريع التي ترتكز على استغلال ما تمتلكه من ثروات طبيعية، وقد قطعت دول الخليج في هذا الاتجاه شوطًا كبيرًا، يتمثل في بعض المشاريع البترولية والمعدنية.. كما أنه اتجاه يجري العمل على تطـويـره باستمـرار. ومع أنه اتجاه ضروري.. بل لا بد منه لدول كدول مجلس التعاون الخليجي، لكنه لا يؤدي إلى امتلاك الخليجيين لتقنية صنع المعدات بشكل سريع وحاسم.. كما يثبته الواقع المشاهد.
ثانيًا: اتجاه ثانٍ يتعلق بإقامة المشاريع التي لها ضرورة قومية واقتصادية أو أمنية، والتي لا يستطيع البلد أن يستغني عن منتجاتها في حالة الأزمات العالمية، وقد قطعت دول الخليج فيه شوطًا كبيرًا أيضًا يتمثل في المشاريع الزراعية والغذائية وبعض الأدوية وما في حكم ذلك، وهو أيضًا اتجاه ضروري، ولكنه لا يؤدي إلى امتلاك الخليجيين لتقنية صنع المعدات بشكل سريع وحاسم.. كما يثبته الواقع المشاهد أيضًا.
ثالثًا: اتجاه ثالث، وهو الاتجاه الصناعي (محل التركيز هنا)، وهذا الاتجاه لا يقـام لضرورتـه فحسب، وإنما ليكون - في نفس الوقت - رأس الحربة التي تستخدم في عملية اختراق الحاجز التكنولوجي الذي يفصل تلك الدول عن غيرها من الأمم الصناعية، بسبب إمكانية قيامه بـخلق المهندسين والخـبـراء الخليجيين التقنيين، الذين بإيجادهم يمكن إنتاج ما يلزم من المنجزات والمعدات الصناعية اللازمة للتطور.
وفي هذا الاتجاه.. توصلت - بناء على مبررات علمية وواقعية كثيرة - إلى اختيار صناعة النقل البحري الشاملة كصناعة رائدة يمكن تبنيها في دول الخليج؛ لتحقيق هذا الغرض؛ ولتكون رأس الحربة في إقامة التصنيع الخليجي الفعال، الذي سيصبح بواسطتها تصنيعاً ذاتيًّا في تطوره المستمر ونموه المتلاحق خلال عشرين عامًا من البدء في تنفيذ المشروع المتكامل الجيد الحبك والتنظيم والتنفيذ.
2- أين الحلقة المفقودة في التصنيع الخليجي؟
أولاً: التصنيع المتطوِّر هـو في الأساس، نظرية عِلمية، وتَطبيق عِـلمي عَمَلي للنظرية. والنظرية مكانها - في العادة - الجامعات ومراكز البحث العلمي، والتطبيق مكانه - في العادة - المصانع المختلفة الكاملة النمو التقني.. التي يستطيع أن يقوم المواطنون - بشكل عام - بكامل أنشطتها من إدارة وتشغيل وصيانة وصنع قطع الغيار وصنع المعدات والاختراع فيها والابتكار.
والقدرة على تطبيق النظرية وتحويلها من إنجاز علمي نظري الى إنجاز مصنوع.. هو ما يمكن لنا أن نسميـه بالقدرة التكنولوجية.
فالقدرة التكنولوجية إذًا هي القدرة على تحويل النظرية المجردة من خرائط على الورق ورسومات إلى منتج ملموس أو مدرك مُعَدٍّ للاستخدام أو الاستثمار.
وعلى هذا الأساس.. فقيام التصنيع الذاتي الفعال المتطور في بلد ما يقتضي بالضرورة قيام قاعدتين أساسيتين متضافرتين متفاعلتين.. همــا:
القاعدة الأولى.. الجامعات ومراكز البحث العلمي وما إلى ذلك مما يمكن أن نسميه بوسائل نقل المعرفة التقليدية، وقد سميت بالتقليدية؛ لأن جميع دول العالم - بما فيها الدول النامية - درجت على الاعتماد عليها في المجال التقني، دون أن تأخذ في الاعتبار المساهمات التي تختلف في إعطائها لكل نوع من الدول في هذا المجال.
والقاعدة الثانية.. المصانع متكاملة النمو التقني التي يمكن أن تطبق فيها المنجزات النظرية لوسائل العلم التقليدية وتستثمر.. والتي يقوم المواطنون بكل أنشطتها من إدارة وتشغيل وصيانة وصنع قطع الغيار وصنع كامل المعدات والمحركات والأجهزة والاختراع فيها والابتكار والتطوير.
وناتج عملية هذا التضافر والتفاعل بين هاتين القاعدتين هو التصنيع الوطني الفعال الذاتي التطور بكل إنجازاته الصناعية التي نشاهدها في الدول الصناعية صغيرها وكبيرها.
ثانيًا: إن مشكلتنا في البلدان العربية عمومًا، هي أنه بينما يتوفر لدى أكثـرها جانب مهم من مكونات القاعدة الأولى، كصروح العلم وبعض مراكز البحث العلمي.. إلا أن جميعها يفتقر بشدة إلى أهم الأجزاء التي تتكون منها القاعدة الثانية ذات الأثر الفعال القادرة على تحويل الإنجاز العلمي النظري للقاعدة الأولى إلى تقنية وإلى إنجاز صناعي، وذلك على الرغم من وجود الكثير من المشاريع الصناعية، سواء في دول الخليج العربي أو في الكثير من البلدان العربية وخاصة الغنية منها.
والسبب في هذا التباين هـو اختلاف خصائص المشاريع عن بعضها.. فخصائص المشاريع العربية تختلف عن المشاريع في الدول الصناعية المتقدمة.
والتأكد من ذلك جد بسيط.. فما علينا إلا أن ندقق النظر في خصائص المشاريع الصناعية في أي بلد من البلدان الصناعية المتقدمة، وأن نقارنها بخصائص المشاريع الصناعية سواء في دول مجلس التعاون الخليجي أو في أي بلد من البلدان العربية الأخرى.
فبينما نجد أن خصائص المشاريع الصناعية في دولة صناعية متقدمة تشتمل - بشكل عام - على أنشطة الإدارة والتشغيل، والصيانة وإجراء العمرات، وصنع قطع الغيار، والصنع الكامل للمعدات، والاختراع فيها والتطوير والابتكار، (وهذه هي المراحل الخمس التي تتكامل بعد توفرها القدرة التقنية لأي شعب من الشعوب.. وتوفرها هكذا يعني أن البلد الصناعي يستخدم ويستثمر ويستهلك معدات اخترعت وصنعت وطورت في ذات البلد، وأنه يملك القدرة على استثمار أي اختراع أو اكتشاف علمي، سواء تم في ذلك البلد نفسه أو أنه مما يمكن الحصول عليه من بلد غير صناعي نامٍ أو أي بلد آخر)، بينما نجد هذا في الدول المتقدمة، فإن خصائص المشاريع الصناعية في البلدان العربية تقتصر - في الغالب - على إدارة وتشغيل المعدات المستوردة من الخارج.
ثالثاً: وبما أن خصائص المشاريع الخليجية لا تختلف عن خصائص المشاريع الصناعية في بقية الدول العربية، فإن افتقارها للخصائص الهامة التي تتميز بها المشاريع الصناعية في البلدان الصناعية سيؤدي - كما أدى في البلدان العربية الأخرى - إلى قيام حـاجـزٍ مُعِـْيـقٍ يقـف في وجه تطوير وتنمية قدرات العلماء النظريين الخليجيين الذين تفـرزهم القاعدة الأولى المتوفرة لديهم والتي بلغت مدىً كبيرًا من التقدم.
والسبب هو أن هؤلاء العلماء النظريين لا يمكنهم أن يصلوا في استثمار طاقاتهم النظرية وتطويرها إلى نفس مدى التطور التقني الذي تصل إليه طاقات العلماء في الدول الصناعية؛ وذلك لعجز القاعدة الثانية لدينا عن إيجاد المجال الفعَّال الكافي والمناخ التقني الملائم لاستغلال واستثمار هذه الطاقات والقدرات لتطويرها إلى طاقات وقدرات تقنية قادرة على الصنع والإنتاج والابتكار في المعدات والمنجزات الصناعية والأنشطة المختلفة.
وفيما سبق ذكره.. تكمن الحلقة المفقودة في التصنيع الخليجي..
ولعله من المفيد أن ندرك أن مشكلة كهذه كانت من أهم الأسباب التي أعاقت بلداً عربيًّا أو أكثر من أن تكون له قاعدة صناعية كاملة النمو التقني، وذلك على الرغم من أنه توفرت لديها الصروح العلمية الحديثة المكوِّنة للقاعدة الأولى منذ أوائل القرن العشرين.
وهنا تأتي نقطة أخرى، مهمة أيضاً، فالواقع الملموس يثبت أنه حيثما تتوفر وتزدهر القاعدة الأولى دون أن تتوفر المكوِّناتُ المهمة في القاعدة الثانية، في أي بلد نامٍ سواء أكان عربيًّا أم غير عربي.. فإن ذلك البلد، بعد أن يكفي حاجته من الخريجين والعلماء الذين تهيئهم القاعدة الأولى.. يبدأ البلد في المعاناة من هجرة أبرز الأدمغة العلمية الوطنية من أبنائه إلى الدول الصناعية المتقدمة؛ حيث تجـد في انتظارهـا المناخ التقني الملائم.. وقد تكون مضطرة إلى ذلك؛ لأنها لو بقيت في أوطانها لتجمدت في مستوى نظري أو شبه نظري ولا تستطيع أن تتجاوزه.. وهي أمور لا تتناسب - في العادة - مع طموح العلماء، وخاصة الأفذاذ منهم.. على الرغم مما يَصِمُهم به البعض أحيانًا بعدم الشعور بالمسؤولية وضعف الانتماء الوطني وما إلى ذلك.
إن هذه حقائق من واقع حال دول أخرى ويجب ألاّ تفسر بأن العلماء الخليجين سيهاجرون في المستقبل إذا اصطدموا بالحاجز المعيق لتطوير واستثمار قدراتهم.. ولكن ما هو مصير الزخم الهائل من الجامعيين الذين ستفرزهم، في المستقبل، الجامعات وما في حكم الجامعات؟! إن هذا سؤال مهم ويجب أن يدرس بعناية.
3- المصانع المتكاملة سبيل الخروج من الخواء التكنولوجي
أولاً: الاقتصار على الأساليب التقليدية في تطوير التصنيع الخليجي لا يمكن له وحده أن يوصل التصنيع والقدرة التقنية الخليجية إلى المستوى الذي تتوفر فيه خصائص التصنيع الفعال المتكامل الذاتي التطور. كما أن من الثابت أيضًا أنه إذا كانت القدرة على تطوير القدرة التقنية تسير بمعدّل معين في الدول الصناعية المتقدمة.. فليس من الممكن عِلميًّـا أن تسير القدرة على تطوير التصنيع والقدرة التقنية في الدول الخليجية بمعدل أسرع أو حتى بمعدل مماثل.. مـا لم نعمل على خلق وتوفير الحلقة المفقودة بإيجاد وتكوين وترسيخ القاعدة الثانية، وبـالشكل الصحيح.. بحيث يمكنها أن توفر المناخ الملائم الذي يُمَكِّن من استثمار وتطوير قدرات العلماء الخليجيين، فإننا لن نتمكن من إقامة القاعدة الثانية بالخصائص التي تجعل من الممكن لها أن تتماشى مع معيار التصنيع الفعال المتكامل..
كما أنه بغير ذلك.. فسيظل التصنيع الخليجي يدور في حلقة من الخواء التكنولوجي.. وسيظل يطور في قدراته التقنية، ولكن لا ليكتسب أيّة نِدِّيَّة يقف بها أمام الدول الصناعية.. بــل ليكون مستعملاً ومستثمراً من الدرجة الأولى لما تنتجه الدول الصناعية المتقدمة (اللوحة المرفقة رقم (1) ترينا ذلك).
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1178193260791 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
شرح منحنيات اللوحة رقم (1)
(1) المعدل التقريبي للنمو التقني لدولة متطورة ومتقدمة صناعيا وتتوفر لديها القاعدتان.
(2) أقصى معدل لنمو التقني يمكن أن تصل إليه دولة نامية لا تستخدم إلا الوسائل التقليدية لنقل المعرفة فقط. (وهذا المعدل غير حقيقي بسبب نقص القاعدة الثانية).
(3) المعدل التقريبي (المتوقع أو الحقيقي) للنمو التقني لدولة نامة تستخدم الوسائل التقليدية لنقل المعرفة فقط.
فالمنحنى رقم (1) من اللوحة رقم (1) يمثِّل معدلاً مفترضًا للتطور التقني في ال
دول الصناعية من سنة (صفر) إلى سنة (48). ويلاحظ أن هذا المعدّل يرتكز في مساره الصاعد على القاعدتين المتضافرتين اللتين مررنا بذكرهما والمتوفرتين في الدول الصناعية.
والمنحنى رقم (3) يمثل المعدل الأقرب إلى الصحة للتطور التقني في الدول الخليجية.. وهو تطور تقني صاعد أيضًا.. ولكنه أبطأ من معدل التطور التقني في الدول الصناعية المتقدمة.. وهو بالضرورة كذلك؛ لأنه – في تطوره – يرتكز على قاعدة واحدة فقط.. وهي القاعدة النظرية المتوفرة، ولكن بمعزل عن القاعدة الثانية التي لا تتوفر إلاّ في البلدان الصناعية.
وعلى ذلك، فـإن التطور التقني في الدول الخليجية لو استمر بهذا المعدل فإنه لن يتمكن من اللحاق بالتطور التقني في الدول الصناعية مهما طال الزمن.. بل سنجد أن الفجوة التقنية التي كانت موجودة في بداية المدة بيننا وبين تلك البلدان الصناعية تزداد اتساعًا بعد أي سـنة من السـنين كما هو ظاهر من المنحنيـين رقم (1) ورقم (3).
كما أننا إذا أردنا أن نأخذ جانب التفاؤل – غير العلمي - وقلنا بأن نُمُوَّنا التقني يسير بنفس المعدّل الذي يسير به في الدول الصناعية - وهو لا يمكن أن يكون أكثر من ذلك - وهو ما يمثله المنحنى رقم (2) فإن هذا المنحنى يسير بشكل متوازٍ مع المنحنى رقم (1). وبما أنه يسير بشكل
متوازٍ معه فإنهما لن يلتقيا، فعلى أحسن الفروض ستبقى الفجوة التقنية بيننا وبين الدول الصناعية كما هي طال الزمن أم قصر.
ثانياً: الخروج من الحلقة المفرغة وتطوير التصنيع الخليجي يتطلب أن نتبنى أسلوبًا غير تقليدي.. هذا الأسلوب يشمل المراحل الخمس للتطور التقني، التي سبقت الإشارة إليها، ويحققها مبدئيًّا في مجال مركَّـزٍ خلال فترة زمنية محددة.. هي عشرون عـامًا..
وهو الأسلوب الذي – إذا قام على خلق مناخ تقني ملائم مركز - سيحتضن العلماء النظريين، ويمكنهم من تطوير قدراتهم النظرية إلى قدرات تقنية متطورة توازي مثيلاتها التي يمتلكها العلماء والمهندسون والخبراء التقنيون في الدول الصناعية المتقدمة.
ثالثًا: لتحقيق ما ذكر لا بد من خطوتين أو قفزتين في عملية التطوير:
الخطوة الأولى.. يتم فيها تضييق الهوة أو الفجوة التقنية. وهـذه خطوة تستغرق مدة عشرين عامًا على أكثر تقدير.. ويتم فيها بناء قاعدة صناعية وطنية كاملة النمو التقني مـركّـزة في صناعة رائدة واحدة شاملة ومتكاملة في جميع أنشطتها..
الخطوة الثانية.. وفيها تتضافر الصناعات الناضجة مع وسائل نقل المعرفة التقليدية، المتوفرة أصلاً بشكل متفوق في الدول الخليجية؛ لإنشاء العديد من القواعد الصناعية المتشعبة والكاملة النمو التقني، بما يجعل من الممكن أن نسير بمعدّلٍ أكثر رسوخاً وأسرع نموًّا نحو غـلق الهوة التقنية غـلقاً تـامًّا في كثير من الصناعات الهامة وخلال مدة لا تزيد عن عشرة أعوام أخرى.
4- صناعة النقل البحري الحلقة المفقودة
أولاً: الأسلوب غير التقليدي (الاتجاه الصناعي الثالث) الذي أشرنا إليه سابقاً، يتطلب منا إقامة صناعة رائدة تسمح لنا بأن نجمع فيها الوسيلتين اللازمتين لامتلاك التقنية.. وسيلة نقل العلم النظري ووسيلة تطبيقه. وأن يكون ذلك بشكل يحقق بينهما التفاعل والتضافر المستمرين بحيث نخلق مناخًا تقنيًّا مماثلاً لما هو موجود في الدول الصناعية.. إلاّ أنه سيكون في بدايته مناخًا تقنيًّا محدداً ومركّـزاً.. ولكنه يُمَكِّننا ليس من تخريج العالم الخليجي الـنـظـري بل العالم الخليجي التقني الذي لا يعلم فقط مِـمّ تصنع المعدات ولماذا تصنع.. وإنما يعلم أيضًا كـيـف تُصَنَّع، ويستطيع الإشراف على صنعها وتطويرها والاختراع فيها والابتكار.. وهـذا العلم بـالكيفيـة تتمثل فيه الخصائص اللازم توفرها في التقنيين العلماء والمهندسين والفنيين القادرين على إقامة التصنيع الذاتي الفعال وتطويره، وهي الخصائص التي نفتقدها - بشكل ذريع - في العلماء والمهندسين والفنيين في أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي.
ومن يقول بخلاف ذلك فعليه أن يُرِيَنا إنتاج الصناعة المتكاملة للتقنيين العرب، في أي بلد عربي، بشكل نقول بعده: إنهم استطاعوا أن يضعـوا بصمتهم العربية الخالصة على منتجات ذات أهمية حقيقية من قاعدة تقنية صناعية عربية ذاتية التكامل والتطور، وبالشكل الذي أشرنا إليه سابقًا.
وأكثر الصناعات ملاءمة لتحقيق الإتجاه الصناعي الثالث هـي صناعة النقـل البحري الشاملة. ويجب أن يكتمل شمولُ ونموُّ وتطوير تلك الصناعـة البحريـة الرائدة على مراحل خمس.. خلال عشرين عامًا..
وتبدأ هذه المراحل بنواة تتكون من أسطول من الناقلات تتزايد أعدادها على مدى عشر سنين .. وأكاديمية بحرية لها أغراض تزيد على أغراض الأكاديميات البحرية التقليدية، ثم تتطور هذه النواة إلى ورش وأحواض للصيانة وإجراء العمرات الأساسية وإنتاج المعدات والمحركات والأجهزة وتنتهي - وليس لتبدأ - بمرحلة بناء السفن بهياكلها ومعداتها وأجهزتها.
ثانياً: هذه الصناعة الشاملة - إذا خطط لها تخطيطًا دقيقًا ونفذت تنفيذًا محكمًا - فـإنـه يمكنها أن توفر الحلقة المفقودة في التصنيع الخليجي.
وإنه يمكن إكمـال إنشائهـا في بعض الدول الخليجيـة خلال فترة تتراوح بين خمس عشرة سنة وعشرين سنة من البدء بها. وباكتمالها ستساعدنا على التفرع والتشعب في بناءمختلف القواعد الصناعية خلاف تلك التي اشتملت عليها هذه الصناعة الرائدة بما يجعل أمـر غلق الفجوة التقنية التي تفصلنا عن الدول الصناعية في كثير من أهم الصناعات.. أمراً ممكنًا، خلال عشر سنوات أخرى.
وإن إقامة صناعة وطنية أُمٍّ كهذه ستتيح للمتخرجين في الجامعات والباحثين في مراكز البحث العلمي أن يجدوا المناخ التقني الملائم لاستغلال كامل طاقاتهم وقدراتهم، كما يمكّن من تضافر وسيلة نقل العلم التقليدية مع الوسيلة غير التقليدية على التسريع في إنشاء القواعد الصناعية الأخرى فيتسارع النمو التقني لدى المواطنين بمعدّل عظيم السرعة، يجعل من الممكن غلق الفجوة التقنية الموجودة بين كثير من الدول الخليجية والدول المتقدمة صناعيًّا غلقًا تامًّا في كثير من الصناعات المهمة كما ذكرنا.
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1178193260822 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
شرح منحنيات اللوحة رقم (2)
(1) المعدل التقريبي للنمو التقني لدولة متطورة ومتقدمة صناعيًا وتتوفر لديها القاعدتان.
(2) أقصى معدل للنمو التقني يمكن أن تصل إليه دولة نامية لا تستخدم إلا الوسائل التقليدية لنقل المعرفة فقط. (وهذا المعدل غير حقيقي بسبب نقص القاعدة الثانية).
(3) المعدل التقريبي (المتوقع أو الحقيقي) للنمو التقني لدولة نامية تستخدم الوسائل التقليدية لنقل المعرفة فقط.
(4) معدل النمو التقني لدولة نامية لكنها تستخدم الوسائل غير التقليدية لنقل المعرفة.
(5) الاتجاه المتوقع لمنحنى معدل النمو التقني لدولة نامية تستخدم الوسائل غير التقليدية لنقل المعرفة.
(6) الأثر الذي تحدثه الوسائل غير التقليدية على معدل ومستوى مساهمات الوسائل التقليدية نتيجة لتوفير عامل الارتباط المتزامن والمناخ التقني الملائم عند استخدام وسيلة نقل المعرفة غير التقليدية.
(7) الاتجاه المتوقع لمعدل النمو التقني بعد تحقق الأثر في رقم (6) نتيجة لتفاعل الوسيلتين منذ السنة العشرين.
(8) اتجاه نمو القدرة التقنية للمرحلة الأولى.
(9) نمو تقني مزدوج يتعلق بتقنية المرحلة الثانية ويتحقق ابتداءً من السنة الثامنة نتيجة لعمل المتخرجين في هذا المجال بعد تخرجهم سواء في الأكاديمية أو في أنشطة المرحلة الثانية.
واللوحة رقم ( 2 ) ترينا معدّلات جديدة وسريعة للنمو التقني الخليجي من الممكن الوصول إليها حال توفير أول مرحلة من مراحل الحلقة المفقودة في التصنيع الخليجي.. النقاط (4) و (5) و (7) و (8). وترينا تأثير إيجاد هذه الحلقة المفقودة على مساهمات صروح العلم التي تشتمل عليها القاعدة الأولى في التطوير التقني والصناعي.. المنحنى رقم (6.)
|