|
وبعد محاولات مريرة لخطب الود أوشكت العلاقات المصرية الإيرانية على دخول مرحلة الزواج الرسمي المعلن، لكن هذه المرة من باب الاقتصاد وليس من باب السياسة فقط، ولعل المراقب لتطور العلاقات بين البلدين يلحظ أن العلاقات بينهما قد تحسنت بدرجة ملموسة منذ انتخاب الرئيس الإيراني محمد خاتمي في عام 1997م، وإذا كانت العلاقات بين الطرفين لم تحصل على دفعة كبيرة لتصل إلى حد التطبيع الكامل فإن ذلك يعود إلى بعض المشاكل القائمة بين البلدين، والتي يغلب عليها الطابع السياسي إلى جانب بعض المشاكل التي تعوق تنشيط العلاقات الاقتصادية بين الطرفين. وبعد الموافقة الجماعية من دول مجموعة الـ 15 في القاهرة في يونيو 2000م على انضمام إيران للمجموعة اتصل الرئيس مبارك بالرئيس خاتمي؛ ليقدم له التهنئة بهذه المناسبة على حد قول الأوساط الرسمية المصرية، إلا أن المراقبين يرون أن هذا الاتصال لم يكن لمجرد التهنئة، وأن العلاقات الإيرانية المصرية سوف تشهد تطورًا كبيراً خلال الأيام القليلة القادمة، ومن هنا تأتي أهمية التعرف على حجم العلاقات الاقتصادية بين الطرفين والمعوقات التي تَحُول دون تطويرها، وما الأسباب التي تقف وراء هذا التطور في هذا التوقيت بالذات؟
من القطيعة إلى دبلوماسية المعارض وكرة القدم
من الجدير بالذكر أن إيران كانت قد قطعت علاقاتها الدبلوماسية مع مصر في عام 1979م في أعقاب توقيع مصر معاهدة السلام مع إسرائيل، وقد تأثرت العلاقات بين البلدين بدرجة كبيرة بعد لجوء شاه إيران إلى مصر في أعقاب الثورة الإسلامية في نفس العام، ومنذ ذلك الوقت تراجعت العلاقات الاقتصادية بين الطرفين، وأخذ كل طرف في وضع العراقيل أمام تجارة واستثمارات الطرف الآخر، إلا أن المصالح المشتركة للطرفين أبقت على حد أدنى من التبادل التجاري والاستثمار بين البلدين. ومنذ وصول الإصلاحيين إلى الحكم في إيران تراجعت التخوفات المصرية بشأن دعم إيران لبعض الجماعات الإسلامية ومحاولات تصدير الثورة الإسلامية، وبدأت محاولات تنشيط العلاقات الاقتصادية بين الطرفين من خلال مدخل التجارة؛ حيث تم توقيع عدد من الاتفاقيات التجارية بين البلدين، وتم توقيع مذكرة تفاهم بين الهيئة المصرية العامة للمعارض والأسواق الدولية وهيئة معارض إيران، تم من خلالها طوال السنوات الثلاث الماضية تبادل الزيارات والخبرات والمعلومات عن المعارض، كما نشط التعاون بين الغرف التجارية في كلا البلدين وزادت حركة البعثات الترويحية المصرية الإيرانية المتبادلة، وكذلك زاد تبادل الزيارات بين رجال الأعمال المصريين والإيرانيين، وبسبب عدم اتفاق البلدين على إزالة معوقات التبادل التجاري بينهما وخاصة مشاكل سعر الصرف، فقد تمَّ عقد عدد من الصفقات المتكافئة للتغلب على هذه المشكلة للعمل على ضبط الميزان التجاري بين البلدين الذي كان يميل لصالح إيران بسبب إحجام رجال الأعمال المصريين عن التصدير إلى إيران، واكتفاؤهم بالاستيراد فقط، وبذلك فقد تمَّ هدم حائط القطيعة بين مصر وإيران من خلال دبلوماسية المعارض التي حققت نجاحاً كبيراً ومهدت الطريق لخطوات أخرى أكبر لعودة العلاقات الاقتصادية بينهما إلى طبيعتها، والجدير بالذكر أيضاً أن مشاركة المنتخب المصري الأول لكرة القدم في دورة طهران الدولية الودية في عام 2000م ساهمت إلى حد كبير في تحسين العلاقات بين مصر وإيران وذلك على المستوى الدبلوماسى والشعبي، وبعدها كانت اللقاءات بين وزيري خارجية البلدين خاصة اللقاء الذي تمَّ بينهما على هامش المؤتمر الإسلامي في كوالالمبور في شهر يوينو 2000م الذي تم فيه الاتفاق على إعطاء دفعة أكبر للعلاقات بين البلدين على كافة المستويات السياسية والاقتصادية.
ميزان تجاري في صالح إيران
تشير البيانات إلى أن حجم التبادل التجاري بين مصر وإيران أخذ في التطور التدريجي منذ عام 1992م، حيث كان التبادل التجاري حوالي 2.6 مليون دولار، أخذ في الارتفاع حتى وصل إلى10.1 ملايين دولار عام 1997م، ثم تراجع ليصل إلى حوالي 5.5 ملايين دولار عام 1998م، ويرتفع مرة أخرى ليصل إلى 6.5 ملايين دولار عام 1999م، ولكن الملاحظ أن الميزان التجاري كان دائمًا لصالح إيران بسبب تركيز رجال الأعمال المصريين على الاستيراد من إيران وعدم التصدير إليها، وهو ما أدى إلى وجود عجز تجاري لصالح مصر، وصل إلى أعلى معدلاته في عام 1996م ليصل إلى حوالي 9 ملايين دولار. وتتمثل الصادرات الإيرانية إلى مصر في الكبريت الخام والتفاح الطازج والعنب والفستق وألياف البوليستر والبذور، أما الصادرات المصرية إلى إيران فتتمثل في الحديد والصلب والعدد والآلات وشفرات الحلاقة والأدوية ومستلزمات البناء والتجهيزات العسكرية والكتب والمطبوعات.
تطور العلاقات التجارية بين مصر وإيران (مليون دولار)
| الميزان التجاري |
إجمالي الصادرات الإيرانية لمصر |
إجمالي الصادرات المصرية لإيران |
السنوات |
| 2.0 لصالح مصر |
0.3 |
2.3 |
1992 |
| 0.2 لصالح مصر |
1.9 |
2.1 |
1993 |
| 3.6 لصالح إيران |
3.7 |
0.1 |
1994 |
| 7.0 لصالح إيران |
7.2 |
0.02 |
1995 |
| 8.9 لصالح إيران |
8.9 |
0.04 |
1996 |
| 0.1 لصالح إيران |
5.1 |
5.0 |
1997 |
| 4.65 لصالح إيران |
4.84 |
0.190 |
1998 |
| 6.06 لصالح إيران |
6.28 |
0.22 |
1999 |
المصدر: شبكة نقطة التجارة الدولية.
استثمارات مشتركة دون المستوى
إلى جانب التبادل التجاري بين البلدين، فإن إيران لها استثمارات في مصر منذ زمن طويل، وهذه الاستثمارات غير معروف قيمتها على وجه التحديد، كما أنها دون المستوى الذي يليق بإمكانات كل منها، وهي متمثلة في مشروعات مشتركة تخضع لقانون الاستثمار المصري، وأهم المشروعات الإيرانية في مصر "شركة مصر إيران للغزل والنسيج" الموجودة في السويس، والتي تصدر معظم إنتاجها إلى خارج مصر وخاصة إلى اليابان، وكذلك هناك بنك مشترك "بنك مصر إيران للتنمية"، كما أن هناك محاولات منذ عامين من جانب شركتين إيرانيتين لإنتاج السيارات لإقامة مصانع لهما في المدن الجديدة في مصر، والجدير بالذكر أن إيران تنتج حالياً سيارات نقل وبلدوزرات وجرارات بالاشتراك مع كبرى الشركات العالمية، وتقل منتجات إيران من هذه النوعيات بحوالي 30% عن مثيلاتها الأوروبية الصنع، وتسعى إيران إلى إقامة منطقة صناعية في خليج السويس لخدمة الاقتصاد المصري والإيراني، وكذلك تطالب إيران مصر بأن يشارك الجانب الإيراني في تشغيل شركة النقل البحري والبري لتنشيط التجارة بين البلدين.
وفي مقابل ذلك يوجد لمصر فرص كبيرة لإقامة استثمارات مشتركة في إيران وخاصة في مجال صناعة الأدوية التي تتمتع مصر فيها بمزايا كبيرة، وكانت إيران قد طلبت مساعدة مصر في مجال صناعة الأدوية، وكذلك طلبت المساعدة الفنية من شركة السكر المصرية للنهوض بصناعة السكر في إيران.
التأشيرات والنقل وسعر الصرف أهم المعوقات
رغم التوجه القوى من جانب البلدين لإعادة العلاقات إلى طبيعتها وتنشيط العلاقات الاقتصادية، فإن هناك عددًا من المعوقات والمشاكل التي تعوق حركة التجارة والاستثمارات بين البلدين، وأهمها:
- صعوبة الحصول على تأشيرة الدخول للإيرانيين إلى مصر، وهو يمثل المعوق الأساسي لحركة التبادل التجاري بين البلدين؛ حيث إن الحصول على تأشيرة دخول إلى مصر من جانب الإيرانيين يستغرق فترة تتراوح بين 3 – 4 أشهر، في حين يستغرق حصول أي مصري لتأشيرة دخول إلى إيران أسبوعين، وهذا يمثل صعوبة أمام تحرك رجال الأعمال في كلتا الدولتين.
- عدم وجود خطوط ملاحية جوية أو بحرية تساعد على تنشيط التجارة والسياحة بين البلدين.
- وجود مشاكل في سعر الصرف بين البلدين؛ حيث يوجد أكثر من سعر لصرف الدولار مقابل الريال الإيراني؛ حيث يعادل الدولار حوالي 3000 ريال إيراني في السوق الرسمية، في حين يصل إلى حوالى 8000 ريال في السوق الموازية، وهو ما يؤثر على حركة التجارة والاستثمار بين البلدين، ويزيد التخوفات لدى رجال الأعمال من إتمام الصفقات مع الجانب الآخر.
- وجود قيود على حركة رأس المال بين البلدين، وخاصة ما يتعلق بالمبالغ الموجودة بصحبة القادمين إلى إيران؛ حيث يشترط أن يقوم القادم إلى إيران بإثبات ما لديه من عملة حرة بالمطار إذا ما زادت على ألف دولار.
هذه المعوقات لا شك تحتاج إلى تدخل من جانب السلطات العليا في كلا البلدين للتغلب عليها؛ لأن العلاقات التجارية والاقتصادية بين الطرفين لن تنهض دون إزالة هذه المعوقات.
باحث اقتصادي
|