|
كل من قال: إنّ زيارة الرئيس الإيراني محمد خاتمي لألمانيا بين 10 و12 تموز / يوليو 2000م حققت أغراضها؛ إنما يقصد بالدرجة الأولى الجانب الاقتصادي الذي يهمّ الطرفين، والذي يمكن القول: إنّه كان وراء التغلب على نقاط الخلاف الأخرى، وعلى وجه التخصيص التناقض المعروف بين التصورات والمناهج الأيدلوجية والسياسية.
عرفت العلاقات الألمانية-الإيرانية على الدوام صعودًا وهبوطًا في مختلف الميادين، رغم وصفها بالتاريخية والتقليدية وما إلى ذلك.. وتأتي زيارة خاتمي الآن بعد 33 سنة مضت على زيارة الشاه السابق محمد رضا بهلوي التي كانت عام 1967م وشهدت آنذاك مظاهرات احتجاجية شديدة ضدّه أسفرت عن مقتل طالب ألماني.. فاستحال تبادل الزيارات على هذا المستوى طيلة 13 عامًا تلت قبل أن تصل الثورة الإسلامية إلى السلطة في إيران، ولكن ذلك الوضع لم يمنع من استمرار الازدهار في العلاقات الاقتصادية، حتى بلغت أوجها في الاتفاق على بناء الشركات الألمانية مصنع "بوشير" كأكبر مصنع للطاقة النووية في المنطقة.. ويمكن القول: إنّه أول ميدان اقتصادي رئيسي تأثّر بتبدل اتجاه الحكم في إيران، فأوقف العمل به بعد مجيء الثورة الإسلامية، بينما لم تنقطع رعاية العلاقات التجارية والاستثمارية في السنوات التالية، وسجلت تدريجيًّا أرقامًا قياسيّة، منها حجم التبادل التجاري الذي بلغ ما يعادل ثمانية مليارات مارك عام 1992م، أي بعد الثورة الإيرانية بثلاثة عشر عامًا، ولا يستهان بذلك فالأعوام المذكورة لم تشهد الحرب العراقية-الإيرانية فقط، بل شهدت في الوقت نفسه وعلى المستوى الغربي أشدّ حملة أمريكية مضادّة لأحد بلدان المنطقة – إيران - في سياسات الحصار والمقاطعة ثم الاحتواء المزدوج، وممارسة الضغوط على الدول الحليفة لتنهج نهجًا مماثلاً.
وقد سعى الساسة الألمان على الدوام لفصل علاقاتهم السياسية بحلفائهم عن علاقاتهم الاقتصادية العالمية قدر الإمكان، فالتحالف هنا لا يمنع التنافس هناك، وعلى الصعيد الداخلي أيضًا استطاع الاقتصاد الألماني أن يثبّت أولوية المصالح الاقتصادية تجاه سـائر الاعتبارات الأخرى، فلم تكن تفيد حملات انتقاد أوضاع حقوق الإنسان في التأثير سلبيًّا على العلاقات التجارية والاقتصادية مع إيران، وإن أثرت على العلاقات السياسية، وهذا ما يسري على قضية " سلمان رشدي " مثلا.
ولكن لا يمكن الحفاظ على هذه الأولويات عندما تصل المشكلة إلى الأرض الألمانية مباشرة كما كان في قضية "ميكونوس" المطعم الذي اغتيل فيه عدد من زعماء الأكراد الإيرانيين، واتهمت المخابرات الإيرانية بارتكاب تلك العملية، أو عندما ترتبط الأحداث بمواطنين ألمان مباشرة كما كان في قضية هوفر التاجر الألماني الذي أقام علاقات مع امرأة إيرانية، وحكم عليه بالإعدام ثم بغرامة مالية. وفي هاتين القضيتين استطاعت المنظمات المعارضة لتحسين العلاقات الألمانية-الإيرانية، والمعتمدة على مراكز صناعة القرار الإعلامي -حيث يوجد نفوذ أمريكي ويهودي نسبي- أن تمارس حملاتها بصورة مكثفة، وأن تساهم في شمول تدهور العلاقات السياسية للعلاقات على الصعيد الاقتصادي أيضًا.
خلل في الميزان التجاري لصالح ألمانيا
وفي هاتين القضيتين كانت القوى المالية والاقتصادية في البلاد تقف وراء تخفيف حدّة الخلافات، والعودة إلى مواصلة الاتصالات، بما في ذلك ما كان يسمى "الحوار الناقد" في عهد حكومة المستشار السابق "هلموت كول"، وتجدّد ذلك في عهد حكومة "جيرهارد شرودر" في الشهور الماضية، رغم أن الديمقراطيين الاشتراكيين والخضر كانوا في مقدمة حملات المعارضة ضد تحسين العلاقات مع طهران.. ولكن قبل فوزهم في الانتخابات وتشكيلهم الائتلاف الحكومي.
وعلى أي حال لا يعني تدهور العلاقات الاقتصادية أنّها وصلت إلى الحضيض فعلا، فحجم التبادل التجاري بلغ ما قيمته 3.1 مليار مارك عام 1999م، ورغم انخفاض هذا الرقم بالمقارنة مع الرقم القياسي 8 مليارات عام 1992 م، إلاّ أن الجانب الألماني يعلم أن هذا الرقم القياسي كان استثنائيًّا، وكان في حينه نتيجة ارتفاع حاجة إيران إلى البضائع الاستهلاكية ارتفاعًا غير عاديٍّ فور انتهاء الحرب الإيرانية-العراقية، وعلى أية حال بقي الانخفاض معتدلا بالمقارنة مع متوسط التبادل التجاري السنوي الذي يبلغ 4.6 مليار مارك عبر عشرين عاما تشملها المقارنات باعتبارها تمثل عمر الثورة الإيرانية.
كذلك بقي تراجع وجود الشركات الألمانية في إيران في حدود معينة، حيث بقي عدد العامل منها في إيران حاليا في حدود 400 شركة.. وتحتل بذلك المرتبة الثامنة عالميًّا، بينما بقيت ألمانيا تحتل المرتبة الأولى في استيراد المنتجات غير النفطية من إيران، وعلى وجه التحديد السجاد والفستق، ولعبت الظروف العسكرية في كامل المنطقة خلال حربي الخليج الأولى والثانية، وبالتالي ارتفاع نفقات النقل والتأمين وسواها دورًا أكثر من العلاقات السياسية الثنائية، في تحوّل الاستيراد الألماني إلى مصادر نفطية أخرى، ولا يستبعد تنشيط التعاون الثنائي أيضًا الآن وربما يشمل الغاز الطبيعي الإيراني -وهذا ممّا يلحّ عليه الجانب الإيراني - للتعويض عن العجز الراهن حيث لا تزال نسبة الصادرات الألمانية لإيران تمثل ثلاثة أمثال نسبة الواردات منها، وهذا يضع ألمانيا في المرتبة 47 كدولة مستوردة بالنسبة إلى إيران، ولكنها تحتل المرتبة الأولى كدولة مصدرة للآلات والتجهيزات الإلكترونية والسيارات وبما يغطي 12 % من الواردات الإيرانية عمومًا.
بداية جديدة لعلاقات اقتصادية أقوى
وعلى ضوء هذه الأرقام للعلاقات الاقتصادية في الفترة العسيرة نسبيًّا، ينظر المسئولون الاقتصاديون والماليون عبر زيارة محمد خاتمي وما سجّلته من نجاح تحت عنوان بداية جديدة ـ نظرة شديدة التفاؤل إلى المرحلة المقبلة من التعاون مع إيران التي تبلغ مساحتها خمسة أضعاف مساحة ألمانيا، ويقطنها 65 مليون نسمة مقابل 80 مليونا في ألمانيا. وكانت الزيارة نفسها حافلة بالمؤشرات الكلامية والفعلية في هذا الاتجاه، فقد توافقت على هذا الصعيد سائر التصريحات التي صدرت عن المستشار الألماني "شرودر"، ووزير الاقتصاد "فيرنر مولّر"، وكذلك التصريحات التي صدرت عن المسؤولين في القطاع الاقتصادي، تأكيدًا على وجود فرصة كبيرة لرفع حجم الاستثمارات الألمانية في إيران إذا توفرت الشـروط الضريبيـة والتأمينات المناسبة، وعلى ميادين التعاون العديدة لا سيما في قطاع الطاقة، بينما يريد الجانب الإيراني أن يلعب دورًا إقليميًا على صعيد العلاقات الاقتصادية والمالية الألمانية في وسط آسيا وجنوبها.
ولم يقتصر الأمر على " الكلام ".. فإلى جانب هذه التصريحات أقدمت الحكومة الألمانية على رفع حجم ما يسمّى ضمانات هيرميس، للديون المترتبة على استيراد بضائع ألمانية، من مائتين وخمسين مليون مارك إلى مليار مارك، وهو ما يمثل تجاوبًا مع ارتفاع حجم الصادرات والواردات في الربع الأول من عام 2000م بنسبة بلغت 40 %، وهي نسبة قياسية عمومًا في تطور الميزان التجاري الخارجي بألمانيا، كما يمثل القرار في الوقت نفسه تأمين الأرضية التي تحتاج إليها مشاريع التعاون الثنائي مع القطاع الاقتصادي الألماني الخاص، وكان في صدارة محادثات خاتمي مع ممثلي القطاع الاقتصادي في اليوم الثاني للزيارة توقيع اتفاقية إطار لقروض بقيمة 1.1 مليار مارك بين مصرف " دويتشه بنك " ممثلا عن مجموعة مصارف دولية، وبين الشركة الوطنية الإيرانية للكيماويات النفطية، لتنفيذ مشروع ضخم يشمل إقامة أكبر منشأة لتصنيع " الإيثيلين " عالميًّا، وقد تم أيضا التوقيع على اتفاقية ثنائية لتنفيذ الجزء الأول بحجم 350 مليون مارك من المشروع.
ومن المؤكد أن تنشيط العلاقات التجارية والاستثمارية بين البلدين سيترك انعكاساته على العلاقات الإيرانية مع الدول الغربية عمومًا والدول الأوروبية على وجه التخصيص، فحيث لا توجد عراقيل-كما كانت توجد بين ألمانيا وإيران - يمكن أن يكون تنشيط هذه العلاقات أسرع وأبعد مدى، لا سيما وأنه منتظر من باب التنافس بين الدول الأوروبية، وقد لا يسري هذا على العلاقات الإيرانية-الأمريكية، فهي خاضعة لاعتبارات أخرى كما هو معروف.
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|