English

 

السبت. سبتمبر. 23, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 

الأردن والعراق: علاقة إستراتيجية.. ومصالح متناقضة!!

عزام جرار

عمان- في ظل الحصار على العراق منذ 1991م، ومع تأزم الأوضاع الاقتصادية في الأردن منذ مطلع التسعينيات، أصبح هناك مسلَّمات واضحة، وعلى درجة كبيرة من الأهمية بالنسبة للبلدين: الأردن والعراق، فبالقدر الذي يمثله الأردن كرئة ومتنفس للعراق، فإن بغداد تمثل العمق الإستراتيجي للأردن اقتصاديًّا، وبات من المسلَّمات أن الانفتاح على العراق أصبح المنفذ الأوفر حظًّا في إعادة بعث الحياة في شرايين الاقتصاد الأردني التي قاربت على الجفاف خلال عقد من التراجع والركود، ولعل هذا ما يفسر التحركات الأردنية الأخيرة تجاه العراق.

وستبقى بغداد أحد أهم الملاجئ لاقتصاد أردني يلهث وراء فرص الخلاص، لا سيما وأنه يعاني من مشاكل وأزمات اقتصادية متلاحقة لم تمكن القائمين على إدارته من التفرغ لحل أزمة ما دون أن تظهر أخرى أكثر ضراوة وأكثر إلحاحاً في التصدي لها.

وبالنسبة للعراق فإن حاجته للأردن أيضاً إستراتيجية، فعمَّان كانت - وما زالت - منذ عشر سنوات المحطة الأولى والوحيدة للمسئولين العراقيين في الاتصال بالعالم، فما من مسئول عراقي خرج أو عاد إلى بغداد إلا ومرَّ من عمان... وهذا الحال ينطبق على أبناء الشعب العراقي أيضاً، حيث إن السفارات الأجنبية في عمان تستقبل من العراقيين الراغبين في السفر أو الهجرة أكثر ما تشهده أية دولة مجاورة للعراق... كما أن أكثر من 350 ألف عراقي يقيمون في الأردن بصفة دائمة، ويزاولون أنشطة اقتصادية تبدأ من البيع على الأرصفة إلى إبرام الصفقات التجارية الكبرى... لدرجة أن اللهجة الشعبية العراقية أصبحت إحدى اللهجات المسموعة باستمرار في الشارع الأردني.

تغير الساسة وراء تذبذب الصادرات

ولم تأتِ هذه العلاقة الاقتصادية من فراغ، فمنذ الحرب العراقية الإيرانية قبل عقدين من الزمان كان ميناء العقبة واحدًا من أهم الموانئ التي اعتمد عليها العراق في التزود باحتياجاته، واستمر في دوره هذا حتى بعد توقف الصراع العسكري بين بغداد وطهران، وواصل ميناء العقبة هذا الدور بعد حرب الخليج الثانية في الوقت الذي أُغْلقت فيه منافذ الخليج العربي والمنافذ التركية أمام العراق.

ونتيجة لذلك حفظ العراقيون هذا الموقف لصالح الأردن، لدرجة أن الأزمات السياسية التي افتعلها المسئولون الأردنيون خلال العقد الماضي لم تترك آثاراً بالغة الضرر على العلاقة بين البلدين، وغفر العراق العديد من هذه المواقف، إلا أن الأمر لم يخلُ من العتب بين الفينة والأخرى، وخصوصاً عندما يزور مسئول كبير من كلا البلدين البلد الآخر.

ففي ظل الحصار ما زال العراق بحاجة إلى الأردن، وما زال الأردن بحاجة إلى العراق... لكن المتتبع للعلاقات التجارية ببين البلدين منذ 1995م وحتى مطلع العام الجاري يلاحظ أن الصادرات الأردنية للعراق قد تذبذبت صعوداً وهبوطاً تبعاً للأجواء السياسية التي كانت تسود بين البلدين، ففي عام 1995م صدَّر الأردن إلى العراق بما قيمته 191 مليون دينار(الدينار يعادل 1.4 دولار تقريبا)، وتراجعت الصادرات إلى 96 مليوناً في عام 1996م، لكنها عادت إلى الارتفاع لتبلغ 142 مليوناً عام 1997م، وعادت إلى الانحدار لتبلغ 106 ملايين عام 1998م، و75 مليوناً عام 1999م. وقد جاء هذا التذبذب في الصادرات الأردنية للعراق نتيجة عدة عوامل أهمها تعاقب رؤساء الوزراء الأردنيين على تسلم دفة الحكم الذين لم يكونوا على درجة واحدة من الإيمان بضرورة توطيد العلاقات مع العراق، وآخر هؤلاء عبد الرؤوف الروابدة الذي لم يكن من المؤيدين لتمويل البروتوكول التجاري بين عمان وبغداد، حيث تراجعت الصادرات بشكل كبير في عام 1999م، وبدأت أزمة تسعير النفط الذي يتزود به الأردن من العراق.

المنافسة التجارية تهدد صادرات الأردن

ولعبت المنافسة التجارية أيضاً دوراً ملموساً في تراجع صادرات الأردن للعراق، حيث بدأت الدول المحيطة ببغداد مثل إيران وتركيا وسوريا بفتح الحدود، وكانت منتجات هذه الدول تنافس السلع الأردنية التي انفردت لسنوات خلت بالسوق العراقي، وأخذت أخرى مثل مصر وماليزيا ودول آسيوية أخرى بالسعي لدخول السوق العراقي بموجب مذكرة النفط مقابل الغذاء والدواء... وجاءت هذه الدول بسلع أكثر جودة وأقل سعراً من مثيلاتها الأردنية، وكادت السلع الأردنية أن تخرج من السوق العراقية لولا المحاباة والمراعاة التي أبداها العراق تجاه الأردن وبضائعه... فالزيوت النباتية التي جاءت بها ماليزيا كانت أقل سعراً مما كانت عليه الزيوت الأردنية، ورغم ذلك حفظ العراقيون حصة جيدة من مستوردات الزيوت للأردن.

97 % من الصادرات العراقية للأردن نفط

واردات الأردن من العراق يشكل النفط ومشتقاته 97% منها، وهذه المستوردات تذبذبت منذ 1995م وحتى 1999م بنسب متفاوتة، حيث إن قيمة الفاتورة النفطية الأردنية بلغت 316 مليون دينار عام 1995م، مقابل 310 مليونات عام 1999م، أي أن التذبذب لم يكن شديداً؛ وذلك لأن العراق هو المصدر الوحيد للنفط بالنسبة للأردن، ولأن الأردن كان يحصل على حاجته النفطية بأسعار ثابتة متفق عليها، تعتبر رخيصة مقارنة مع أسعار النفط العالمية… هذا بغض النظر عن المنحة النفطية العراقية السنوية للأردن التي كانت –  وما زالت – تشكل نصف قيمة الفاتورة النفطية الأردنية. وبذلك فإن الأردن لن يكون بمقدوره الحصول على النفط بالأسعار التي يحصل عليها من العراق، فسعر برميل النفط للأردن حسب اتفاق الدولتين يبلغ 19 دولاراً، ويحصل الأردن على منحة بقيمة 300 مليون دولار من العراق؛ ليصبح سعر البرميل 9.5 دولارات... وهذا السعر يشكل ثلث سعر برميل النفط حسب الأسعار الراهنة.

الخليج ترمومتر العلاقة بين البلدين

العلاقة بين البلدين قائمة على مصالح متبادلة، وهذه المصالح ذات أهمية بالغة بالنسبة للبلدين، لكن هذه العلاقة من الجانب الأردني محكومة بعدد من الاعتبارات، أهمها رغبة الأردن في الحفاظ على خط متوازن في علاقاته العربية، وخصوصاً مع دول الخليج العربيٍ، فلا أحد يمكنه الحفاظ على علاقات السمن والعسل مع العراق ودول الخليج في وقت واحد؛ ولذلك تلعب عوامل الجذب والضغط والشد والترغيب تارة والترهيب تارة أخرى في  ترمومتر العلاقة بين عمان وبغداد من جهة، وبين الأردن والخليج من جهة أخرى.

فالأردن يريد لأبنائه أن يعودوا للعمل في الخليج، ويريد أيضاً نفطاً عراقيًّا بثلث الأسعار العالمية لا يحصل عليه إلا من العراق، ويريد الأردن السياحة الخليجية ويريد - في نفس الوقت - أن تصل منتجاته إلى العراق، حيث لا تستطيع هذه المنتجات الرواج في أسواق الخليج المفتوحة أمام أفضل المنتجات العالمية.

لذلك فإن مستقبل العلاقات بين البلدين حتى في ظل الحصار تحكمها عوامل داخلية مُلِحَّة وخارجية ملزمة سياسيًّا واقتصاديًّا وحتى أدبيًّا.

فالحصار الآن لم يَعُد بتلك الشدة التي كان عليها قبل سنوات، فقد انفتحت بغداد على دمشق وعلى أنقرة وحتى على طهران، إضافة لذلك فإن خصوم الأمس أصبحوا أقل تصلباً من ذي قبل.. فها هم تجار الخليج يعودون واحداً تلو الآخر إلى التعامل مع العراق، وها هم حكام الخليج يطالبون برفع الحصار عن العراق، رغم استمرارهم في رفض التعامل مع النظام العراقي مباشرة، لكن السنوات المقبلة تشير إلى أن العراق سيعود إلى الساحة العربية والدولية وسينفتح أكثر وأكثر على الجيران إلى أن يرفع الحصار نهائيًّا.. وهذا الوضع يتطلب من الحكومات الأردنية التأقلم مع الوضع الجديد والسعي لأخذ موقع على سُلَّم الاحتياجات الكبيرة للعراق المقبل.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم