English

 

الأحد. نوفمبر. 19, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » الخليج العربي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

الخليج: حصار شعبي للبضائع الأمريكية

عبد الرحمن إسماعيل

دبي-  واضحا منذ اندلاع انتفاضة الأقصى أن استخدام النفط كأحد أبرز وسائل المقاطعة العربية ـ للولايات المتحدة والدول التي تدعم إسرائيل في عدوانها على الشعب الفلسطيني ـ أمر صعب ، وهو ما حرص على التصريح به عدد من المسئولين في  دول الخليج رغم تهديدات ولي العهد السعودي الأمير "عبد الله بن عبد العزيز" باستعداد دول الخليج باتخاذ كل ما شأنه رد العدوان إلا أنه لم يشر صراحة إلى موضوع قطع النفط عن أمريكا والغرب.

من الناحية الرسمية يبدو من الصعب على دول الخليج اتخاذ قرارات بالمقاطعة التجارية للبضائع الأمريكية لاعتبارات إستراتيجية عديدة، أبرزها أن كافة الدول الخليجية خصوصًا السعودية والكويت مرتبطة باتفاقيات سياسية وعسكرية مع الجانب الأمريكي منذ حرب الخليج الثانية، الأمر الذي يجعلها مكبلة بقيود يتعذر معها اتخاذ مثل هذه الخطوة.  وحتى الدول الخليجية التي لا ترتبط باتفاقيات أمنية مع أمريكا، فإن النفوذ الأمريكي فيها متوغل للغاية في كافة المجالات خصوصًا الجانب الاقتصادي والتجاري؛ حيث تعتبر الولايات المتحدة ثاني أكبر شريك تجارى مع دول الخليج كافة بعد دول الاتحاد الأوربي،  وهناك حوار اقتصادي أمريكي _ خليجي يعقد دوريًّا بين الرياض وواشنطن، ومن المتوقع أن تعقد الجولة العاشرة من هذا الحوار في الشهر المقبل في واشنطن بمشاركة ممثلين رسميين خليجيين وأمريكيين ورجال أعمال من الجانبين.

بضائع بعشرة مليارات دولار

ومن الناحية التجارية تقول الأرقام والإحصائيات الصادرة عن اتحاد الغرف التجارية الخليجية: إن التبادل التجاري مع أمريكا يعد الأكبر من نوعه من حيث واردات الخليج من واشنطن؛ حيث تتجاوز الواردات الخليجية 10 مليارات دولار سنويًّا، معظمها في شكل سيارات ومواد غذائية وحيوانية ومعدات وآلات وملابس وأجهزة إلكترونية، كما أن إجمالي واردات دولة خليجية مثل الإمارات من أمريكا يتجاوز ثلاثة مليارات دولار، منها ما يقرب من مليار ونصف المليار دولار هي  إجمالي واردات إمارة دبي وحدها، حيث تعد أمريكا ثاني أكبر شريك تجارى لها بعد اليابان.

وتبدو البضائع الأمريكية في كافة دول الخليج أكثر تواجدًا وانتشارًا من تواجدها في أسواق عربية أخرى؛ حيث تجد الشركات الأمريكية في السوق الخليجية فرصة هائلة لتسويق بضائعها؛ بسبب ارتفاع دخل الفرد الخليجي وارتفاع معدلات استهلاكه من السلع مقارنة بنظيره في الدول العربية الأخرى، ناهيك عن حرص الشركات الأمريكية على اتخاذ بعض الدول الخليجية مقارًا إقليمية لعملياتها في المنطقة مثل دبي والبحرين للانطلاق إلى أسواق الدول المجاورة ..فعلى سبيل المثال 70 % من إجمالي مستوردات دبي من أمريكا يعاد تصديره من دبي إلى دول الخليج المجاورة وإيران التي تفرض أمريكا عليها حظرُا تجاريًّا وإلى الهند وباكستان وعدد من الدول العربية.

لهذا السبب أصيبت الشركات الأمريكية المتواجدة في الخليج بالذعر مع انتشار دعوات المقاطعة للبضائع الأمريكية في الخليج، خصوصًا بعدما امتنعت دول الخليج رسميًّا عن استخدام النفط في المقاطعة.

10% انخفاض في المبيعات

تتخذ مقاطعة البضائع الأمريكية في الخليج منحى تصاعديًّا منذ بدأت دعوة المقاطعة في مصر وتفاعل الخليجيون وكذلك الجاليات العربية والإسلامية المتواجدة في الخليج مع هذه  الدعوات؛ حيث وزعت بيانات تدعو لمقاطعة السلع الأمريكية بمختلف أنواعها، وبعد أكثر من شهر على انتفاضة الأقصى وسريان دعوات المقاطعة يمكن الوقوف على عدد من النتائج خصوصًا في دولة خليجية، مثل الإمارات:

- حسب كلام مسئولي مبيعات محلات الأغذية السريعة الأمريكية (كنتاكي، هارديز، ماكدونالدز،  بيتزا) فإن مبيعات هذه المحلات انخفضت بنسبة تتراوح بين 5-10% منذ سريان دعوات مقاطعة البضائع الأمريكية في الأسواق الإماراتية، خصوصًا المبيعات التي تذهب إلى المنازل والمعروفة باسم (ديلفري)؛ حيث أخذت العائلات الإماراتية في التوقف عن تناول هذه الوجبات بهدف وقف الدعم للشركات الأمريكية؛ عقابًا لأمريكا على دعمها لإسرائيل..وتتخوف محلات الأغذية السريعة الأمريكية في الإمارات من استمرار المقاطعة لها خصوصًا وأنها مع نهاية العام المالي، ويتعين عليها تعظيم أرباحها التي تتوزع بنسب متفاوتة بين الشركات الأمريكية صاحبة العلامة التجارية وبين الوكيل الإماراتي.

-  تقول محلات كبرى وسوبر ماركات تتعامل في السلع الأمريكية: إن مبيعاتها تشهد انخفاضا مستمرًا خصوصًا من لعب الأطفال والمأكولات؛ بسبب انتشار دعوات المقاطعة في كل مكان في الإمارات، بل إن عددًا من المدارس وزعت بيانات بأسماء السلع الأمريكية على تلاميذها لمقاطعتها، وبالفعل يحجم تلاميذ المدارس عن شراء سلع، مثل: البسكويت، واللبان، والألعاب، والهدايا، وتناول الوجبات من محلات الأغذية السريعة.

-  وحسب كلام أحد كبار المستوردين للسلع الأمريكية، فإنه من الممكن التوقف عن     الاستيراد من أمريكا والتوجه إلى أسواق أخرى بديلة تتوفر فيها سلع لا تقل جودة وبأسعار    تنافسية عن السلع الأمريكية، غير أنه قال: إن ذلك يتوقف على تحرك غرف التجارة في دول الخليج التي بوسعها القيام بحملة تدعو لمقاطعة الاستيراد من أمريكا، خصوصًا وأن مؤتمر غرف التجارة والصناعة والزراعة للدول العربية -والذي عقد في الشارقة الشهر الماضي- دعا غرف التجارة العربية إلى دراسة سبل مقاطعة السلع الأمريكية، الأمر الذي سيجبر الشركات الأمريكية على الضغط على حكومتها لتغيير موقفها المساند لإسرائيل.

-  وهناك تحرك فردي من جانب بعض التجار في الإمارات الذين يتفاعلون مع دعوات المقاطعة؛ حيث توقف عدد منهم عن الاتجار في بعض السلع الأمريكية بل إنهم علّقوا بيانًا بأسماء البضائع الأمريكية التي يجب مقاطعتها، ويقول هؤلاء: إن من المتوقع أن تتكبد الشركات الأمريكية خسائر باهظة إذا ما استمرت هذه المقاطعة فترات طويلة، خصوصًا وأن الإمارات تستورد بما قيمته ثلاثة مليارات دولار من أمريكا، وفي حالة انخفاض هذا الرقم بنسبة 25 %، فإن ذلك من شأنه أن يوقع الشركات الأمريكية في مأزق مما يجبرها على الضغط على الإدارة الأمريكية.

مقاطعة لمدة شهر

لهذا السبب يدعو د. عبد الخالق عبد الله -أستاذ العلوم السياسية في جامعة الإمارات- إلى اتخاذ سلاح المقاطعة للسلع الأمريكية كتعبير عن السخط الذي لا يمكن كبته على حد وصفه.

ويضيف " لا يمنع اليوم من أن نفكر مجددًا في اتخاذ قرار ولو بشكل مؤقت ولمدة شهر فقط بمقاطعة كل ما هو أمريكي، هل يمكن لمدة شهر مقاطعة المطاعم والمنتجات الأمريكية ؟ هل يمكن لمدة شهر عدم مشاهدة الأفلام الأمريكية المعروضة في دور السينما المحلية، وكذلك عدم متابعة القنوات التليفزيونية الأمريكية ؟ وهل يمكن لمدة شهر عدم زيارة أمريكا لأي سبب من الأسباب، وعدم الحديث مع أي فرد أمريكي؟ وهل يمكن لمدة شهر عدم استقبال المسئولين الأمريكيين، ومنعهم من زيارة المنطقة ؟ وهل يمكن لمدة شهر استدعاء كل السفراء العرب في واشنطن؟ وهل يمكن لمدة شهر عدم تزويد السفن والطائرات الحربية الأمريكية بالوقود؟ وهل يمكن لمدة شهر أن تستغني الدول العربية عن المساعدات الأمريكية؟ وهل يمكن لمدة شهر قطع النفط عن الولايات المتحدة؟ وهل يمكن لمدة شهر سحب بعض الأرصدة والاستثمارات المالية العربية الضخمة في أمريكا؟

يقول د. عبد الخالق: ليس المطلوب مقاطعة دائمة ونهائية فهذا غير ممكن، وربما يصب في سياق الاستحالة؛ لذلك المطلوب مقاطعة مؤقتة ولمدة شهر واحد فقط ، وإلى أن تقدم أمريكا اعتذارها أو تبدي بعضًا من الأسف..فهل يمكن على الصعيد الرسمي أو الشعبي وعلى الصعيد الفردي أو الجماعي أن نعيش بدون أمريكا لمدة شهر واحد؟ وإذا لم يكن بالإمكان مقاطعتها لشهر، فهل يمكن أن نقاطعها لمدة أسبوع أو حتى ليوم واحد فقط وهو أضعف الإيمان؟ هل مقاطعة أمريكا لمدة شهر أو أسبوع أو يوم على كل المستويات ممكنة؟ وهل هي مثمرة؟ وهل هي مؤثرة؟

ويؤكد أن المقاطعة ربما لا تؤثر في أمريكا أو في اقتصادها، لكن قيمة المقاطعة قيمة رمزية ودعائية ونفسية وهي قيم أهم بكثير من القيم المادية، وهى مطلوبة لكي نبدأ جميعًا رحلة مقاومة الإدمان الراهن على كل ما هو أمريكي، ومقاطعة أمريكا نوع من الانتصار على الذات الذي لا بد أن نسعى له جميعًا، فإلى متى تظل حياتنا مرتبطة كل هذا الارتباط بأمريكا وهى التي تستهزأ بالمشاعر والعواطف العربية؟.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم