|
| منطقة تحت الربع تحولت إلى معرض مفتوح لأشكال الفوانيس |
القاهرة - مع كل مناسبة تتلون منطقة "تحت الربع"، وتبدل جلدها أو بالأحرى منتجاتها، فما إن يقترب شهر رمضان حتى يتحول "السمكرية" وأصحاب ورش تصنيع الشماسي من عملهم الأصلي؛ ليتباروا في إبداع الأشكال المختلفة من الفوانيس الصاج التقليدية لتوزيعها على السوق المحلية، وتصدير بعضها إلى الخارج.
"إسلام أون لاين.نت" تجولت في هذه المنطقة القريبة من حي الأزهر بالعاصمة القاهرة؛ لتتعرف من قريب على هذه التجربة التنموية الموسمية.
من أول وهلة تشعر عند دخولك تحت الربع بأن مصر كلها جاءت إلى هنا، فسيارات تدخل وأخرى تخرج، وأناس قادمون وآخرون ذاهبون، والكل رغم ذلك سعيد، ربما بسبب ما يضيفه الدخول في هذه المنطقة من متعة أساسها أنك تستشعر روح الماضي.
رواج بعد الكساد
اقتربت من أحد الحرفيين بالشارع، واسمه "علي السيد"، فوجدته جالسًا أمام الموقد، ولهيب النار يلفح جبهته، وأنامله تشققت، وكساها السواد؛ بسبب اللحام والقصدير، ورغم ذلك لم تفارق الابتسامة وجهه، وعيناه على الفانوس وهو يجري عليه اللمسات النهائية.
سألته: ما سر هذه الابتسامة؟
قال: ولمَ لا أبتسم وقد جاء موسم الفوانيس الذي ينقذني وغيري من "السمكرية" من حالة الكساد التي تعاني منها حرفتنا، فنحن عملنا الأساسي أن نقوم بتصليح "وابور الجاز".
ولأن معظم البيوت لم تَعُد تعتمد عليه، وأصبح "البوتاجاز" هو الأساس في المنزل؛ فقد تأثرت مهنتنا بذلك -كما يقول السيد-، لدرجة أني من الممكن أن يمر علي يوم لا أصلح فيه "وابور جاز" واحد؛ ولذلك فنحن ننتظر رمضان بفارغ الصبر، ومن بعده عيد الأضحى حتى نقوم بتصنيع شواية اللحم.
وداعًا للشماسي
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1176802052351 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
| عامل أثناء المراحل الأولى لتصنيع الفانوس |
لفت نظري بالمنطقة لافتة كتب عليها "ورشة تصنيع الشماسي، وكراسي البحر"، ولكني نظرت إلى داخل الورشة، فوجدت حرفيين يعملون في تصنيع الفانوس.. فسألت أحدهم عن هذا التناقض؟.
فقال لي: "مفيش تناقض ولا حاجة.. كل الحكاية أن صاحب الورشة لما بيجي شهر رمضان بيغير نشاط الورشة إلى صناعة الفوانيس، عشان يكون زي بقية ورش المنطقة".
ولكن كيف يتقن الإنسان حرفتين؟. أجابني أيضًا قائلاً: صاحب الورشة يستعين بالحرفيين الذين يتقنون الفانوس، أما الحرفة الأصلية التي يعمل بها فلها الحرفيون الذين يعملون بها بشكل أساسي.
وما أن فرغت من تلقي تلك الإجابة حتى فوجئت بلافتة أخرى علقتها إحدى الورش وكان مكتوبًا فيها "لا تقولِّي صيني ولا ياباني.. مافيش أحسن من المصراوي"..
ويفسر أحمد محمود صاحب الورشة مغزى هذه اللافتة بأنه يقول للزبون إن الفانوس المصري الأصيل "أبو شمعة" سيظل هو الأحسن حتى في ظل منافسة فوانيس الصين التي تغني وترقص.
كما أن الفوانيس المصرية أصيلة بحسب أحمد، ويمكن أن تستمر مع الطفل حتى العام القادم بعكس الصينية، فضلاً عن أنها تضفي جوًّا روحانيًّا بألوانها الزاهية ونقوشها الإسلامية وزخارفها المستمدة من الثقافة العربية الأصيلة.
واستطرد قائلاً: وللعلم إذا كانت الصين تورد لنا فانوسا من صناعتها، فإن الفانوس المصري له زبونه بالخارج -أيضًا- فمعظم الدول العربية تستخدم فانوسنا المصري، وتفضله عن الصيني حتى إن منطقتنا ورَّدت فوانيس العام الماضي بمبلغ 100 مليون جنيه (الدولار = 5.80 جنيهات مصرية)، على حد قول أحمد.< /SPAN >
الأسواق العربية والأجنبية أيضًا
بصراحة لم أصدق ما قاله هذا الحرفي من أن الفانوس المصري التقليدي "أبو شمعة" يتم تصديره للخارج، فحاولت التأكد من المعلومة، فأشار عليّ الحرفيون بضرورة التحدث مع الحاج محمد شتا أكبر مورد للفانوس المصري.
ذهبت إلى الحاج "شتا" فوجدته مشغولاً بتعبئة الفوانيس في عبوات مكتوب عليها "للتصدير إلى دولة الإمارات".. كانت هذه العبارة كفيلة بأن تجيب على سؤالي الذي جئت من أجله، ولكني فضلت أن أنتظر حتى يفرغ من تعبئة الفوانيس لمعرفة المزيد من التفاصيل.
قال لي: إن الفانوس المصري وإن كان عرشه قد بدأ يتهدد في بلده، فإنه لا يزال محافظًا على عرشه في الدول العربية وبدأ يدخل إلى بعض الدول الأجنبية، حتى إن حجم الصادرات المصرية من فانوس رمضان بلغ خلال العام الماضي نحو 10 ملايين فانوس، بقيمة إجمالية وصلت إلى 100 مليون جنيه.
ولكن لماذا اهتز عرش الفانوس المصري في بلده؟.
أجاب شتا قائلاً: يوجد نوعان للفانوس المصري: النوع الكبير وهذا لا يزال محافظًا على عرشه؛ لأنه لا يوجد له بديل مستورد، ويستخدم في تزيين مداخل الفنادق والعمارات، وتطلبه معظم الدول العربية والأجنبية عن النوع الصغير، وتبدأ أسعاره من 30 جنيهًا فما فوق.
أما النوع الآخر -حسب شتا- فهو الصغير الذي بدأ يهتز عرشه؛ لأن الصين صنعت أنواعًا أخرى ترقص وتغني أحدث الأغاني الرائجة في المجتمع المصري، وهذا النوع تقبل عليه الأسر محدودة الدخل لأن سعره يبدأ من 3 إلى 9 جنيهات، في حين أن الصيني قد يصل إلى 40 جنيهًا، وقد استوردت مصر من هذا النوع العام الماضي بمبلغ 2 مليون دولار (تقديرات غير رسمية).
الاستعداد للأضحى
إلى هنا قررت إنهاء جولتي في منطقة تحت الربع، ولكني ما إن بدأت أغادر المنطقة حتى استوقفني مشهد آخر جعلني أتوقف، فبينما كانت مجموعة من العمال تحتضن فانوسًا كبيرًا لإجراء اللمسات النهائية عليه بإحدى الورش، وجدت مجموعة أخرى من العمال مشغولة بتصنيع شوايات اللحم.. سألتهم: ولماذا لا تنشغلوا كغيركم في إعداد الفوانيس؟
أجابوا: لا بد أن نُعِدّ لعيد الأضحى من الآن، فبمجرد دخول شهر رمضان تكون كل الورش قد انتهت من إعداد الفانوس وتبدأ في الاستعداد للموسم القادم وهو عيد الأضحى.
فكر تجاري
الملاحظة الأساسية التي يمكن أن تأخذها من التجول بالمنطقة، أنها تعتمد في نشاطها التجاري على المواسم في طرح السلع التي تتلاءم مع كل موسم. وهذا ما يعتبره د. إسماعيل شلبي أستاذ الاقتصاد المصري القاعدة الأساسية في الفكر التجاري.
ويضيف قائلاً: "التاجر الواعي هو الذي يحسن اختيار التوقيت الذي يطرح فيه سلعته، بحيث تلقى الرواج المطلوب، فمثلاً استيراد الخراف يكون مجديًا للعاملين في مجال الاستيراد والتصدير في الوقت الحالي؛ لأننا مقبلون بعد شهور على عيد الأضحى، بينما لا يكون استيرادها مجديًا بنفس الصورة إذا كانت في وقت آخر من العام".
ويبقى أن مشكلة هذه النوعية من التجارب التنموية الموسمية هي افتقاد رعاية الحكومة، أو الجمعيات الأهلية المدنية التي يمكن أن تطور من أساليب أكل العيش وتجعلها أكثر انتظامًا، عبر تأمين أسواق لإنتاج سلع بعينها، لا سيما أن الركود الذي يعاني منه الاقتصاد المصري، منذ سنوات يمكن أن تطيح بهذه التجارب.
محرر بصفحة نماء، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|