|
|
| الخليج يطمع في التكنولوجيا الأوربية
|
بدأت بالعاصمة البحرينية المنامة (23/4/2001) أعمال الاجتماع الحادي عشر للمجلس الوزاري المشترك لدول مجلس التعاون الخليجي والاتحاد الأوروبي الذي يناقش هذا العام محورين بارزين، الأول: سياسي، ويتناول الوضع في الخليج ومسيرة السلام في المنطقة العربية، وتطورات الأوضاع في العراق وإيران وأفغانستان، والثاني: اقتصادي، ويشمل تطور العلاقات الاقتصادية بين المجموعتين والجهود المبذولة لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بينهما وسبل دعم التعاون في قطاع النفط والغاز والطاقة.
تاريخ الحوار الخليجي الأوروبي
قبل الحديث عن أبعاد عقد الاجتماع الوزاري الخليجي الأوروبي وآفاق تطور العلاقات الخليجية الأوروبية، تجدر الإشارة إلى أن الحوار الخليجي الأوروبي بدأ في أعقاب قيام مجلس التعاون الخليجي عام 1981؛ عندما قرر وزراء الخارجية لدول السوق الأوروبية المشتركة إجراء اتصالات أولية غير رسمية مع أمانة المجلس؛ لتحديد نطاق التعاون المقترح مع هذا التكتل العربي الجديد؛ وفي 9 يونيو 1982 زار الأمين العام لمجلس التعاون المفوضية الأوروبية؛ وفي 7 نوفمبر 1984 جرت اتصالات غير رسمية بين مندوبين عن الهيئة الأوروبية ومجلس التعاون في البحرين لبدء مفاوضات إبرام اتفاقية التعاون بين الجنسين، وظلت المفاوضات بين الطرفين حتى 15 يونيو 1988 عندما تم التوقيع رسميًّا في لوكسمبورج على الاتفاقية للتعاون الثنائي وتحرير التجارة فيما بينهما.
130 مليار يورو فائض أوروبي!!
يربط مجلس التعاون بالاتحاد الأوروبي علاقات اقتصادية وثيقة؛ حيث يُعدّ الاتحاد أحد ثلاثة شركاء رئيسيين مع اليابان والولايات المتحدة، ويحتل المركز الثاني بالنسبة للصادرات السلعية الخليجية والمرتبة الأولى بالنسبة للواردات.
ويميل الميزان التجاري بحدة لصالح الاتحاد الأوروبي، مما يؤثر سلبًا على ميزان المدفوعات لدول التعاون، وتشير الإحصاءات إلى أن العجز التجاري بين الجانبين بدأ عام 1986، واستمر حتى الآن حيث بلغ 14.5 مليار دولار عام 1995، وتفيد الإحصاءات أيضًا أن أوروبا حققت من تجارتها مع دول الخليج فائضًا بلغ 130 مليار يورو منذ توقيع اتفاق التعاون الأول في لوكسمبورج عام 1988؛ وقدر العجز في العام الماضي (2000) بنحو 19 مليار يورو، ويوازي هذا الرقم نسبة 45% من قيمة مبادلات الاتحاد الأوروبي مع الولايات المتحدة شريكته الأولى في العالم.
والملاحظ أن حجم التبادل التجاري بين الجانبين ينمو باضطراد؛ حيث بلغ 51.5 مليار يورو خلال عام 2000 مقابل 37 مليار يورو عام 1999.
وفي المقابل فإن التجارة الخارجية لدول المجلس مع الاتحاد تتميز بعجز واضح يؤثر سلبًا على الميزان التجاري وميزان المدفوعات لهذه الدول؛ حيث لا تزيد على 15% من إجمالي صادراتها بما فيها النفط، في حين أن وارداتها تقارب 40% من إجمالي وارداتها السلعية؛ ولذا فإن الصادرات لا تغطي سوى 37% من الواردات، أي ما يزيد بقليل على الثلث.
وتتركز صادرات دول مجلس التعاون إلى أوروبا في عدد محدود من المنتجات، أهمها: النفط الخام، والبتروكيماويات، والألومنيوم. في حين تتنوع وارداتها ويغلب عليها المنتجات المصنعة التي تمثل ثلاثة أرباع الواردات، بالإضافة إلى المنتجات الزراعية والغذائية التي تصل نسبتها إلى 10%.
فضلاً عن التجارة السلعية البينية، فإن حجم التبادل التجاري بين الجانبين في مجال الخدمات مرتفع جدًّا، ويشمل السياحة والسفر والاتصالات والنقل والشحن والخدمات المالية والتعليم والصحة.
ولا يقتصر التعاون الاقتصادي بين التكتلين على التجارة الخارجية فقط، بل يمتد ليشمل مجالات أخرى، منها: تدفق رؤوس الأموال في شكل استثمارات مباشرة في القطاع الإنتاجي، أو محافظ استثمارية، أو قروض لتمويل مشروعات استثمارية كبرى.
عقبات أوروبية
تكشف الأرقام السابقة أن العلاقات بين دول المجلس والاتحاد الأوروبي مختلة لصالح الاتحاد في معظم المجالات، وهناك عدد من العقبات التي تحول دون التوصل إلى علاقات اقتصادية متوازية بين المجموعتين، يتحصل الجانب الأوروبي العبء الأكبر فيها، أهمها:
أ- إصرار الاتحاد الأوروبي على تعطيل الإجراءات الخاصة بإقامة منطقة تجارة حرة بين الطرفين وفقًا لما تم الاتفاق عليه عام 1988؛ بدعوى غياب تعرفة جمركية موحّدة بين الدول الخليجية، ويثير الجانب الأوروبي في هذا الشأن أيضًا موضوعات جديدة، مثل المستجدات على الساحة العالمية وحقوق الإنسان في الخليج ومعطيات منطقة التجارة العالمية.
والجدير بالإشارة أن دول المجلس اتخذت قرارًا يقضي بتطبيق التعرفة الجمركية الموحدة مطلع العام 2005؛ في حين لم يتخذ الاتحاد الأوروبي إجراءات ملموسة لإزالة الرسوم الجمركية أمام المنتجات الصناعية الخليجية، رغم أن التقارير تشير إلى أن 41% من صادراته للخليج تدخل بلا رسوم جمركية.
ب- الضرائب التي تفرضها دول الاتحاد الأوروبي على الصادرات الخليجية من البتروكيماويات والألمنيوم وضريبة الكربون على النفط (50% على مصادر الطاقة)، إضافة إلى استبدال الاتحاد الأوروبي الرقابة المشددة على المواصفات بشكل مبالغ فيه بالرسوم الجمركية؛ مما يقلل من فرص تصدير المنتجات الصناعية الخليجية إلى دول الاتحاد.
جـ- هذا فضلاً عن ضعف حركة الاستثمار الأوروبي المباشر في القطاعات الاقتصادية غير النفطية في دول المجلس؛ وخاصة في الصناعات التحويلية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة؛ كما أن حركة نقل التكنولوجيا لا تزال دون المستوى المطلوب.. ورغم ذلك فإن الملاحظ أن تطوير العلاقات الاقتصادية مع دول المجلس لم يكن من أولويات الاتحاد الذي كان منشغلاً خلال السنوات الأخيرة بكيفية تفادي الانهيار في الكتلة الاشتراكية، وإمكانية انضمام دولها إلى الاتحاد والوحدة النقدية وأداء المفوضية الأوروبية.
آفاق المستقبل
رغم أن العقبات السابقة التي يفرضها الاتحاد الأوروبي على الصادرات الخليجية تحول دون تحقيق التوازن المنشود في العلاقات الاقتصادية بينهما، فإن مصالح الطرفين تقضي بضرورة تدعيم المصالح المشتركة وتحجيم عناصر التنافر شرط أن يراعي كل طرف احتياجات الطرف الآخر ومصالحه، خاصة الاتحاد الأوروبي الذي يجب أن يراعي أن الدول الخليجية دول نامية تسعى إلى تحقيق التنمية، وتعزيز مصادر دخلها؛ وتخفيف الاعتماد على الإيرادات النفطية من خلال تطوير قطاعاتها الإنتاجية غير النفطية؛ ولعل تصريح الناطق الرسمي باسم الاتحاد الأوروبي "فرانز شويغر" أخيرًا بأن الطريق بات ممهدًا لتوقيع اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد ومجلس التعاون الخليجي، يُعدّ صحيحًا لكنه يحتاج إلى التنفيذ على أرض الواقع.
في الزاوية الأخرى، فإن دول مجلس التعاون مطالبة بإعادة النظر في إستراتيجية التعاون مع الاتحاد في المجالات الاقتصادية والتجارية؛ ووضع سياسة سليمة للتعاون من شأنها أن تحقق شراكة إستراتيجية حقيقية تفضي إلى علاقات متوازنة ومتكافئة؛ ويدعم دول مجلس التعاون في هذا الخصوص أنها تمتلك عددًا من الخيارات التي تدفع الطرف الآخر إلى التعاون؛ لعل أهمها استخدام موضوع الفائض التجاري كأحد الأسس للضغط على الاتحاد الأوروبي لتليين موقفه؛ ودراسة سبل تطوير العلاقات الاقتصادية مع التكتلات والدول الأخرى بهدف تقليل الاعتماد على الاتحاد؛ وبالتالي إضعاف قدرته التفاوضية.
وفي هذا الإطار يمكن أن تستفيد دول المجلس من الصراع الأوروبي الأمريكي الدائر حاليًا؛ للاستحواذ على الأسواق العالمية والذي يتزايد يومًا بعد يوم، بالنظر إلى مزاحمة الاتحاد الأوروبي اقتصاديًّا للنفوذ الأمريكي؛ حيث وصل حجم الإنتاج الأوروبي إلى حجم أكبر بحوالي 29% من إجمالي الناتج الأمريكي، فيما وصلت نسبة التجارة الأوروبية في الأسواق العالمية إلى 25% مقابل 20% فقط للتجارة الأمريكية.
كاتب مهتم بالشأن الاقتصادي، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني للنطاق namaa@iolteam.com
|