English

 

الثلاثاء. يونيو. 12, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » الخليج العربي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

العراق.. نهاية النفط مقابل الغذاء

نبيل شبيب

مأساة شعب بقرار غربي

بون- "النفط مقابل الغذاء" مقولة بدأت كقرار من مجلس الأمن لفرض الحصار على العراق، وانتهت بمأساة شعب لا يصدِّر النفط ولا يجد الغذاء! ولنبدأ الحكاية من أولها:

في عام 1995م بلغت مأساة الشعب العراقي جرّاء الحصار الاقتصادي المفروض تحت عنوان قرارات مجلس الأمن الدولي ذروة خطيرة أثارت احتجاجات المنظمات الإنسانية عالميًّا، فانعقدت اتفاقية "النفط مقابل الغذاء"، التي أصبح عنوانها بحدّ ذاته معبّرًا عن المأساة، بينما كانت - مضمونًا وتخطيطًا وتنفيذًا - تحقق لواشنطن ولندن وأنصارهما وأتباعهما عدة أهداف في وقت واحد، ومن ذلك:

(1) امتصاص غضبة الرأي العام لفترة من الزمن.

(2) توفير مصدر مالي عراقي لتسديد ما تقرر من "تعويضات" عن الحرب، ونفقات لتنفيذ قرارات مجلس الأمن الدولي.

(3) فرض رقابة دولية - غربية واقعيًّا - على الحركة التجارية العراقية، وهو ما يمكّن من التحكّم بتطوّر الوضع الاقتصادي العراقي عمومًا، وذلك من خلال الترخيص "الانتقائي" بتنفيذ طلبات تجارية عراقية مختارة وعدم الترخيص لأخرى.

أمّا الحديث عن أن الغرض من الاتفاقية هو الحيلولة دون تجديد التسلّح العراقي، فبغضِّ النظر عن الهدف الحقيقي من وراء ذلك وهو أبعد مدى من "ضمان سلامة الكويت" قطعًا، ينبغي التأكيد أن تركيز قرارات مجلس الأمن الدولي على هذا الجانب كان ممكنًا من البداية، ولم تصنع ذلك الدول الغربية، وعلى وجه التخصيص الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا؛ لأنّ الهدف هو البنية الهيكلية للاقتصاد العراقي نفسه، وليس لقواته العسكرية فقط، وهذا ما سبق أن برز للعيان من خلال نوعية الضربات العسكرية وما اختير لها من أهداف شملت المنشآت الأساسية والإنتاجية لا العسكرية فقط.

العراق.. عجز قبل وبعد

لم يكن العراق من الأصل قادرًا عند عقد تلك الاتفاقية على تصدير الكميات النفطية التي أجازت الاتفاقية تصديرها، ذلك أنّ منشـآت استخراج النفط وتصديره التي تعطلت خمس سنوات عقب اندلاع حرب الخليج، كانت في حاجة إلى إصلاح ومعدّات وقطع غيار، لا تتوفر داخليًّا، ومنعت المقاطعة استيرادها، ولم تُفسح الاتفاقية الجديدة نفسها المجال لاستثنائها، فكان ما يصل إلى العراق من غذاء ودواء بموجب الاتفاقية، وبعد اقتطاع التعويضات والنفقات المشار إليها، لا يتجاوز حدود "ذرّ الرماد في العيون" عبر توفير مادة للدعاية الغربية بشأن مراعاة الاعتبارات الإنسانية للشعب العراقي.

وهذا ما سجّله الدبلوماسي الأيرلندي "هاليدي" الذي عُيِّن مسؤولاً عن تنفيذ الاتفاقية باسم "منسق الشؤون الإنسانية"، فاستقال عام 1998م من منصبه بعد بقائه فيه عامًا واحدًا، محتجًّا على أسلوب التعامل الأمريكي والبريطاني في إطار اللجنة الدولية التي تشكلت لاستلام عائدات النفط وصرفها، أي القيام بدور الوصاية على العراق واقعيًّا.

حصيلة ستة أعوام.. المسؤول مستقيل!

لم يَبْق هاليدي في منصبه سوى عام واحد، وكان خلفه الدبلوماسي الألماني "فون سبونيك" أكثر صبرًا منه فشغل المنصب بنفسه زهاء عامين، ثم استقال أواخر شباط/ فبراير عام 2000م للسبب نفسه، وقام بحملة انتقاد شديدة ضدّ واشنطن ولندن، ويقول الآن معلِّقًا على التعليلات الرسمية بمنع العراق من تجديد تسلّحه: إن حقبة العشرة أعوام الماضية تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن الطريقة المتبعة أخفقت إخفاقًا ذريعًا، وقد أصبح العراق مثالاً "نموذجيًّا" على استحالة إسقاط نظام حكم بهذه الوسيلة.

واستلم المنصب من بعده "بينون سيفان"، وبعد بضعة أشهر فقط أكد في تقريره الرسمي (8/2000م) مسؤولية الأمريكيين والبريطانيين عن تعطيل عقود شراء المواد الغذائية والطبية المطلوبة للعراق بنسبة 10%، وتعطيل عقود أخرى مثل شراء السيارات الشاحنة بنسبة أعلى؛ وحظر الشاحنات يعني واقعيًّا تعطيل توزيع الغذاء والدواء لعدم توفر الوسائل الكافية لنقلها، فضلاً عن منع تنفيذ عقود طلبات قطع الغيار للمنشآت النفطية.

وكانت قيمة النفط المسموح بتصديره في ذلك الحين 1,7 مليون برميل يوميًّا، ولكن تعطل المنشآت منع من الوصول إلى هذه النسبة، فبقي التصدير في حدود 1,3 مليون برميل فقط.

في هذه الأثناء، وبعد اهتراء بعض جوانب الحصار المفروض على العراق، تقرّر في مجلس الأمن تعديل الاتفاقية بعدم فرض حدود ما على كمية النفط المصدرة، فبلغت قبل قرار قطع التصدير ما يعادل 2,1 مليون برميل يوميًّا، هذا مع ملاحظة أن طاقة الإنتاج العراقية بلغت قبل غزو الكويت أكثر من 3,5 مليون برميل، كان يُصدَّر منها 3,2 مليون برميل.

وما زال اتفاق "التعطيل" مستمرًّا..

ولا يزال أسلوب تعطيل الطلبات داخل اللجنة الدولية موضع التطبيق، وقد كشف الأمين العام للأمم المتحدة "كوفي عنان" عن ذلك بصورة غير مباشرة في 4/6/2001م، أي عندما وُضع العراق قرار وقف التصدير موضع التنفيذ، وأفرجت واشنطن داخل اللجنة عن عقود معطّلة بقيمة 700 مليون دولار تقريبًا، فظهر أن قيمة العقود المعطلة بمجموعها يزيد على 3,7 مليارات دولار (بتاريخ 31/5/2001م).

هذا الأسلوب في التعامل الأمريكي والبريطاني - بمشاركة دولية وعربية - مع العراق ونفطه، هو ما يصفه عضو مجلس النواب البريطاني "جورج جالوي" بقوله: "إنهم يتعاملون مع العراق بأسلوب إدارة مخيّم للاجئين، فهم يتجنبون انتشار المجاعات فيه، ولكن لا يتوفر بعد ذلك شيء ممّا يحتاجه العراقيون في معيشتهم اليومية".

أما على أرض الواقع فيعني ذلك - كما أعلن "مؤتمر الطب والضمير" في إيرلانجن بألمانيا يوم 27/5/2001م على لسان منظمة IPPNW للأطباء على سبيل المثال – وفاةَ ما لا يقلّ عن 50 ألف طفل عراقي سنويًّا، بسبب المقاطعة على وجه التحديد.. وهذا من أصل مليون عراقي من الوفيات، هذا علاوة على استمرار مسلسل ضحايا الحرب، كضحايا الذخائر المشعة المزوّدة باليورانيوم المنضّب.

كما يعني ذلك على أرض الواقع أيضًا وصول نسبة البطالة في العراق إلى 60% على أرجح التقديرات، وهجرة نسبة عالية من ذوي الاختصاصات والكفاءات، ممّا تقدّر بأكثر من 200 ألف عراقي، بينما وصلت الحاجة بالمثقفين إلى بيع كتبهم، كما تقول "نصرة سعدون" رئيسة تحرير صحيفة "أوبزرفر" العراقية الناطقة بالإنجليزية.

الوضع وقت النهاية: تحسن طفيف.. ولكن

رغم ما ذُكر من حجم المعاناة التي يعيشها العراق فإن أوضاعه الاقتصادية تعتبر في الوقت الحاضر أفضل ممّا كانت عليه قبل عامين أو ثلاثة، ومن أسباب ذلك ارتفاع أسعار النفط الخام بصورة متزامنة مع أمرين رئيسيين:

أوّلهما: تعديل الاتفاقية بإلغاء سقف الكمية المسموح بتصديرها، وهو ما رفع أيضًا حصيلة النسبة المئوية من العائدات التي تبقى للعراق.

ثانيهما: اهتراء بعض جوانب الحصار الدولي، لا سيما مع دول الجوار كسوريا وتركيا، نتيجة التقاء المصالح الاقتصادية الإقليمية.

وتتهم المصادر الأمريكية والبريطانية العراق بتهريب جزء من صادرات النفط الخام، وبالتالي الحصول على عائدات منها دون أي خصومات، ودون تقييد نوعية ما يمكن استيراده مقابل ذلك.

العقوبات الذكية لإحكام الحصار!

وهكذا، كان من المتوقع أن تطرح كل من واشنطن ولندن تعديلات على بنود المقاطعة الدولية وهو ما تم بالفعل فيما أسمياه "العقوبات الذكية"، التي لا تتعلِّق بتخفيف المعاناة الإنسانية كما يُذكر رسميًّا، قدر ما تتعلّق بالسعي لسدّ هذه الثغرات بصورة خاصة، وهو ما يعني توظيف دول الجوار في مراقبة الحدود العراقية.

ورغم أنّ العنوان الموضوع على التعديلات المطروحة، يتركّز على المواد العسكرية، فإنّه من المعروف أنّ أشدّ القيود المفروضة حاليًا هي المتعلقة بما يوصف بالمواد والسلع ذات الغرض المزدوج، بمعنى التي يمكن استخدامها لأغراض مدنية أو عسكرية، وهذا ما يهبط بقائمة المواد غير المحظورة بنسبة قصوى، كما يتبين من أمثلة السيارات الشاحنة، أو أجهزة الحاسوب، والهاتف الخلوي، فضلاً عن الآلات وقطع غيارها، وهو ما يمكن أن يحتاج إليه العراق في صناعة الأدوية محليًّا، أو تشغيل المنشآت النفطية.

فجميع ذلك وأشباهه يوصف بازدواجية غرض استخدامه؛ ليكون ذلك ذريعة في تعطيل الطلبات التجارية العراقية وحشر العراق في "الزاوية" دبلوماسيًّا، بعد أن شهدت الشهور الماضية تحقيق مكاسب دبلوماسية كبيرة لصالحه.

ومع صدور قرار مجلس الأمن الدولي بتمديد فترة "اتفاقية النفط مقابل الغذاء" شهرًا واحدًا بدلاً من ستة أشهر، وهو ما يعني واقعيًّا وجود تجاوب مبدئي مع التعديلات، والحاجة إلى مزيد من المفاوضات سواء حول المضمون أو ربما حول "الإخراج المناسب" للقرار القادم - سارع العراق بإعلان وقفه تصدير النفط، واضعًا بذلك نهاية لاتفاقية "النفط مقابل الغذاء" لحين إشعار آخر!.

وممّا يفسّر سرعة ردّ فعل العراق على قرار التمديد المختصر المشار إليه، واللجوء إلى ما يمكن وصفه بسلاح ذي حدّين، التخوف من خسارة الثغرات التي سبق فتحها في جدار المقاطعة، لا سيما إقليميًّا، والتعرّض لمسلسل جديد من "نظام العقوبات" يمكن أن يستمرّ سنوات عديدة كما استمرّ مفعول قرارات مجلس الأمن عام 1991م، قبل أن يتداعى ويبدأ انهياره الواقعي تطبيقيًّا، أو الرسمي في نيويورك..

فخسارة العائدات النفطية، لا يمكن تعويضها عن طريق ثغرات المقاطعة إذا وجدت على نطاق واسع بالفعل، كما أنّ ورقة التأثير على الرأي العام الدولي عبر الجانب الإنساني للمقاطعة، يمكن أن تفقد مفعولها إذا انتشر الاقتناع بأن المقاطعة لا تشمل ما يرتبط باحتياجات المعيشة اليومية للسكان المدنيين.

ورغم الضجة الإعلامية الكبيرة التي أحاطت بالقرار العراقي، كان واضحًا أنّه لا يعني قطعًا شاملاً لتصدير النفط، وهو ما يؤخذ من تأكيد الالتزام باتفاقيات التصدير السابقة، فعملية قطع التصدير لن تأخذ أبعادًا مؤثرة على السوق العالمية قبل مضي شهرين تقريبًا، وبالتالي فيبدو أنّ التصريح الصادر عن وزير النفط السعودي "علي النعيمي" بأن بلاده ستعوّض النقص الناجم عن القرار العراقي، ولن تسمح بنقص كميات العرض في الأسواق الدولية.. يبدو أنّ هذا التصريح قد كان متسرّعًا على وجه الاحتمال، أو مقصودًا لغرض سياسي وليس بسبب وضع اقتصادي جديد.

وهذا ما يرجّحه أيضًا أن منظمة البلدان المصدرّة للنفط لم تجد في اجتماعها الأخير في "فيينا" ما يستدعي تعديل كميات الإنتاج الحالية، كما أنّ القرار العراقي لم يرفع الأسعار في أسواق النفط إلا بشكل محدود للغاية، ومع أن الدول العربية – باستثناء السعودية والكويت - لم تتخذ مواقف بصورة مباشرة من التطورات الأخيرة تجاه العراق، إلا أنّ التعبير غير المباشر عن رفض أسلوب الحصار تحت أقنعة جديدة يتم صنعها في مجلس الأمن الدولي، انعكس بصورة خاصة في الإعلان الآن بالذات عن استكمال الاتفاق على منطقة تجارية تشمل مصر وسوريا ولبنان والعراق، والأصل أن يكون الموقف العربي أشدّ وضوحًا وأوضح تصميمًا، لا سيَّما وأنّ التعامل الأمريكي والبريطاني مع حصار العراق، لا يمكن اعتباره قضية منفصلة وقائمة بذاتها لا علاقة لها بالتعامل الأمريكي والغربي عمومًا مع الأحداث الفلسطينية.

على أي حال فالمرجّح أن العراق أراد إبقاء الباب نصف مفتوح.. إنما يبقى احتمال متابعة خطوات وقف التصدير هو الخيار الوحيد المتوفر للعراق في الوقت الحاضر، أو هو السلاح المتبقي بين يديه، فلا يملك إلا استخدامه وإن كان سلاحًا ذا حدّين، وهذا شأن النفط الخام العربي عمومًا وليس النفط العراقي فقط، منذ أدّت سياسات البلدان النفطية إلى تحكيم المصالح الغربية في قرارات الإنتاج والأسعار على المستويات الوطنية والإقليمية


  كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم