English

 

السبت. يونيو. 16, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » الخليج العربي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

القرار غير مدروس ولكن استمراره مؤثر

هل يهدد العراق استقرار سوق البترول؟

مغاوري شلبي

لم يكن قرار العراق بوقف صادراته من البترول قرارًا مفاجئًا، وذلك بعد أربع سنوات دأب فيها العراق على إصدار إنذارات زائفة ووقف صادراته لفترة قصيرة أكثر من مرة، وبغض النظر عن الحق المطلق أو النسبي للعراق في اتخاذ هذا القرار، فإن توقع الكثيرين بأن تطول فترة توقف ضخ البترول العراقي، يجعل هناك أهمية لإعمال آلة التحليل في أبعاد هذا القرار وآثاره آجلاً وعاجلاً على العراق وعلى أسواق النفط العالمية، وهذا هو موضوع السطور التالية:

أبعاد القرار وظروفه

جاء القرار العراقي في أعقاب صدور قرار مجلس الأمن الدولي بتمديد برنامج النفط مقابل الغذاء لمدة شهر واحد فقط بدلاً من المدة المعتادة التي كان يجدد بها البرنامج وهي ستة أشهر، وتضمّن القرار العراقي الوقف الفوري لصادرات البترول الخام من خلال ميناء "البكر" على الخليج العربي وميناء "جيهان" على البحر المتوسط؛ حيث إن جيهان والبكر هما نقطتا التصدير المسموح للعراق بشحن صادراته البترولية عبرهما في إطار برنامج البترول مقابل الغذاء، وقد اتخذ العراق هذا القرار في محاولة يائسة لإثناء مجلس الأمن عن قراره، والقيام بتعديل مدة تمديد البرنامج إلى ستة أشهر بدلاً من شهر فقط.

إلى جانب ذلك يحاول العراق قطع الطريق على المحاولات الأمريكية والبريطانية لتطوير أسلوب العقوبات الاقتصادية المفروضة عليه، حيث جاء قرار مجلس الأمن على النحو المتقدم لإعطاء فرصة ومزيد من الوقت لدراسة اقتراح أمريكي بريطاني مشترك يرمي إلى الانتهاء من إدخال تعديلات على نظام العقوبات.

ويتلخص الاقتراح المشار إليه في رفع الحظر المفروض على العراق في مجال استيراد السلع المدنية، خاصة في مجال الأغذية والدواء وسلع الصناعات المدنية المختلفة، في مقابل ذلك يتم وضع نظام محكم لتشديد عمليات الرقابة على عمليات تهريب البترول العراقي عبر الدول المجاورة، كما يضع الاقتراح نظامًا لتعويض الدول المجاورة للعراق التي سوف تضار من قطع النفط العراقي عنها؛ ضمانًا لنجاح هذا النظام.

وبالتالي أصبح واضحًا أن نجاح العقوبات التي توصف بأنها "ذكية" سيتوقف إلى حد بعيد على تعاون الدول المجاورة للعراق مع الأمم المتحدة ومع الولايات المتحدة وبريطانيا بالتحديد، ولأن العراق يدرك ذلك تمامًا فقد سارع بالإعلان أن قرار وقف صادرات النفط العراقي لا يشمل الدول المجاورة المتمثلة في الأردن وسوريا وتركيا، وأصبح العراق أو الولايات المتحدة وبريطانيا كل منهما يراهن على موقف هذه الدول. وسوف تبني هذه الدول موقفها على أساس المفاضلة بين ما يقدمه لها كلا الطرفين.

ومن جانبه، أكد العراق التزامه بتزويدها بالنفط الذي يقدمه لها بخصومات وتسهيلات كبيرة، وهو ما دفع بعض المسؤولين في هذه الدول المجاورة إلى تكثيف اتصالاتها مع بغداد خلال الأيام الماضية.

الآثار الراهنة والمستقبلية على سوق النفط

إن قرار العراق بوقف صادراته من النفط يعني بلغة الأرقام توقف وصول حوالي 2.1 مليون برميل نفط يوميًّا إلى السوق العالمية، أي توقف حوالي 5% من الاحتياجات أو الصادرات العالمية، وقد توقَّع العراق أن قراره هذا سوف يربك أسواق النفط العالمية، ويحدث العديد من المشاكل الاقتصادية للدول المستوردة للبترول.

ولكن يبدو أن العراقيين لم يدرسوا الأمر جيدًا، ولم يأخذوا في اعتباراتهم كافة العوامل التي تحكم سوق النفط العالمية، كما يبدو أن العراق اتخذ هذا القرار باعتبار أن صادرات النفط هي الورقة الأخيرة التي بقيت في يده بعد أن نفدت كل الأوراق التي كانت متاحة لديه بعد وقف التعامل مع لجنة الأمم المتحدة للأسلحة، وبعد أن اتخذ قرارًا بالتحول إلى استخدام اليورو بدلاً من الدولار، وأجبر المستوردين للنفط العراقي على دفع مستحقاته باليورو.

لكن استخدام ورقة وقف صادرات البترول العراقية لم تكن بدرجة الفاعلية نفسها التي اعتقدها العراقيون، وهذا كان واضحًا في ردود الأفعال التي ترتبت على هذا القرار في سوق البترول العالمية، حيث لم يُحْدث هذا القرار آثارًا ملموسة في أسعار النفط العالمية التي ما زالت دون سعر الـ 30 دولارًا، وأن الارتفاع الذي حدث في الأسعار كان محدودًا، وقد كان هذا القرار محدود التأثير على سوق النفط العالمية للعديد من الأسباب والمتغيرات التي لم يأخذها العراق في الحسبان، وهي:

إن عدم انتظام صادرات البترول العراقية إلى السوق العالمية للبترول أصبح سمة عادية من سمات السوق العالمية للنفط منذ موافقة بغداد على التعاون مع برنامج الأمم المتحدة "النفط مقابل الغذاء" في ديسمبر 1996.

اكتساب تعاملات النفط الدولية وكذلك تجار النفط حصانة نسبية ضد أسلوب التوقف أو الاستئناف العراقي لضخ النفط، وإن كانت هذه الحصانة هي في الحقيقة ضد التوقف لفترة قصيرة فقط، وهو ما يعني أن القرار قد يكون مؤثرًا لو استمر لفترة طويلة.

 تعهد معظم دول أوبك صراحة بأنها لن تسمح للعراق بهز استقرار السوق العالمية للنفط، وأنها ستتدخل في الوقت المناسب للحفاظ على هذا الاستقرار، فقد أعلنت الكويت أنها ستعمل من أجل الحيلولة دون حدوث اضطراب في سوق البترول، وأنها لن تسمح للعراق أن يخل بالأمان والاستقرار ويخلق فوضى في السوق العالمية للبترول، ومن المعروف أن الكويت يتمتع بحصة في إطار أوبك تصل إلى 1.941 مليون برميل يوميًّا، إلا أن طاقتها الإنتاجية تبلغ 2.5 مليون برميل يوميًّا. على جانب آخر أعلنت السعودية أنها ستدفع إمداداتها خلال شهر يوليو بمعدل 3%؛ لسد أي عجز متوقع في السوق العالمية بسبب قرار العراق.

ما صاحب القرار العراقي من إعلان الولايات المتحدة الأمريكية عن ارتفاع مخزونها الإستراتيجي من النفط مقارنة بالأشهر الماضيةالظروف الراهنة التي يمر بها الاقتصاد العالمي من ركود أو تباطؤ وتراجع النشاط الاقتصادي في أهم الاقتصادات العالمية كاليابان والولايات المتحدة وألمانيا، وهو ما يعني أن المطلب على النفط سيظل متأثرًا بهذه الظروف، حتى يعود معدل النمو في الاقتصاد العالمي إلى الارتفاع مرة أخرى، وهذا قد لا يحدث قبل نهاية عام 2002 حسب العديد من التوقعات.

والملاحظ أن منظمة أوبك لم تقرر في اجتماعها الأخير زيادة إنتاجها، انطلاقًا من عدم اعترافها بأثر القرار العراقي على أسواق النفط على الأقل في الأجل القصير، وربما لاعتقادها أن قرار العراق لن يطول لفترة تكون كافية لإرباك سوق النفط.

ورغم أن منظمة أوبك اكتفت بمجرد التصريحات، فإن هذه التصريحات كان لها آثارها المهمة على حركة التعامل في سوق النفط؛ حيث عملت هذه التصريحات على منع العامل النفسي الذي كان من الممكن أن يدفع الأسعار إلى الارتفاع وهو ما كان يريده العراق؛ ولذلك يمكن القول بأن قرار العراق كان - وما زال - محدود الأثر على استقرار أسواق النفط العالمية، انطلاقًا من أنه سيكون قرارًا قصير الأجل، وأن العراق سيفي بتعاقداته السابقة خلال هذا الشهر، وأنه لن يتوقف عن الوفاء بهذه العقود.

آثار القرار على العراق

مهما كانت آثار قرار العراق على أسواق النفط العالمية، فإن الخاسر الأول هو العراق الذي يحتاج إلى كل سنت؛ من أجل انتشال المواطن العراقي من الظروف الاقتصادية الطاحنة التي يعيشها بسبب الحصار الاقتصادي، وتأتي خسائر العراق في أعقاب ما حققه من دخل؛ بسبب استقرار أسعار النفط لفترة طويلة خلال العامين الأخيرين، ويمكن إجمال الخسائر التي سيتعرض لها العراق بسبب هذا القرار في الآتي:

فَقَد العائد المقابل لصادرات البترول والبالغة حوالي 2.1 مليون برميل يوميًّا، وإن كان العراق يرى أن ثمن هذه الصادرات لا يدخل إلى خزانته بالكامل، وأن معظم المبالغ المحصلة على صادراته من النفط تذهب إلى التعويضات المترتبة على حرب الخليج وجزء إلى الاستيراد السلعي، فإن العراق يكون مخطئًا إذا اعتقد أن هذه التعويضات يمكن أن تسقط عنه، سواء قام بتصدير النفط أو منعه أو تسقط بمرور الوقت.

  • تأثير قرار وقف الصادرات العراقية على الدينار العراقي، فالملاحظ خلال الأيام القليلة الماضية التي أعقبت قرار العراق أن الدينار العراقي شهد تراجعًا ملحوظًا في سوق العملات المحلية العراقي؛ حيث تم بيع الدولار الأمريكي بحوالي 1957 دينارًا عراقيًّا بعد أن كان مستقرًا عند 1920 دينار، وهناك توقعات من المتعاملين في سوق بيع العملات العراقي باستمرار هذا التراجع خلال الفترة القادمة. الجدير بالذكر أن الدولار الأمريكي ما زال هو العملة الصعبة الرئيسية في التعامل التجاري في العراق، رغم قرار العراق في العام الماضي بالتحول عن استخدام الدولار الأمريكي إلى اليورو، وهذا يعني مزيدًا من معاناة الاقتصاد والمواطن العراقي من تراجع القوة الشرائية للنقود التي في حوزته.
  • الاحتمالات شبه المؤكدة بفقد العراق لعوائد تصدير النفط إلى الدول المجاورة خارج برنامج الأمم المتحدة في حالة نجاح الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا في تمرير اقتراح العقوبات الذكية على العراق، والتي تهدف في المقام الأول إلى منع تهريب النفط من خلال سوريا والأردن وتركيا، وتبلغ هذه الصادرات حوالي 250 ألف برميل يوميًا، وذلك رغم أن هناك بيانات تشير إلى أن العراق يصدر 400 ألف برميل نفط يوميًا بطريقة غير مشروعة، ويحقق من خلالها حوالي 1.5 مليار دولار سنويًّا.
  • قد يؤدي احتدام الخلاف بين الأمم المتحدة والعراق بشأن صادرات النفط، سواء في إطار البرنامج أو خارجه إلى ترسيخ العقوبات الاقتصادية على العراق، ويقلل من فرص رفع هذه العقوبات تمامًا طالما ظلّ نظام صدام حسين في الحكم، وطالما ظلت الدول العربية غير قادرة على اتخاذ قرار لإخراج العراق من عزلته الاقتصادية من جانب واحد يؤدي إلى انهيار نظام العقوبات الراهن والمقترح على العراق.

وجملة القول: إن قرار العراق بوقف صادراته من النفط لم يكن محسوبًا من جانب العراق بطريقة موضوعية، وإن كان العراق مضطرًا إلى اتخاذ هذا القرار، باعتباره الورقة الوحيدة التي ما زالت متاحة لديه، ولكن يبقى سؤال مهم وهو:

وماذا بعد؟ وإجابة هذا السؤال تتوقف على المدة التي سيظل فيها هذا القرار ساريًا، حيث تبين أن أثر القرار على سوق النفط في الأجل القصير غير ملموس، وتم إجهاض هذا القرار من جانب منظمة أوبك؛ ولذلك لن يبقى إلا أثر هذا القرار على العراق نفسه في الوقت الراهن وفي المستقبل، فهل يتراجع العراق عن قراره قبل انتهاء مدة الشهر؟ أم سيستمر حتى انتهاء الشهر وظهور نتائج المحاولات الأمريكية والبريطانية بفرض العقوبات الذكية عليه؟ أم أن العراق سيستمر في اتخاذ القرارات غير المحسوبة ويوقف صادراته من النفط إلى أجل غير مسمى؟ أسئلة مطروحة تجيب عنها الأيام القادمة.


  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم