|
رغم أن شعار "الإصلاح الاقتصادي" يرفعه الجميع في موريتانيا فإن لكل طرف من أطراف اللعبة أهدافه الخاصة به، فالصندوق والبنك الدولي يهدفان بالأساس إلى توفير الشروط الكاملة لاندماج الاقتصاد الموريتاني ضمن المنظومة الرأسمالية العالمية و"مستلزماتها الاقتصادية والسياسية والثقافية...".
أما الحكومة الموريتانية فتهدف من ناحيتها إلى استلام ما أمكن من دفعات التمويلات من الصندوق وغيره من الممولين المتعاونين معه؛ بهدف "إدارة الأزمة السياسية والاقتصادية" على طريقة "مشي حالك" المعروفة في العالم الثالث.
وبالنسبة للمواطنين العاديين فهم راضون من الغنيمة بتحقيق أي "مصادر دخل إضافية" تسمح لهم فقط بمتابعة ماراثون الأسعار؛ إذ إنهم دفنوا أحلامهم بالرفاهية بعد تجربة 19 سنة من "الإصلاحات الاقتصادية" التي لا تنتهي.
أهداف الحكومة والصندوق
تلخصت الأهداف الكبرى لعمليات الإصلاح والتكيف الهيكلي المعلَنة من طرف الحكومة الموريتانية في: رفع معدلات نمو الناتج المحلي، وتخفيض العجز في ميزان المدفوعات، والحد من معدلات التضخم، وتحسين إنتاجية الاستثمارات العامة، والقضاء على عجز الموازنة العامة، فضلا عن تخفيف حدة أزمة المديونية، وتحقيق مستوى مديونية يتناسب مع قدرة الاقتصاد الموريتاني على الدفع.
وباعتبار وصفة الإصلاح الاقتصادي التي يطبقها الصندوق.. "وصفة جاهزة" صالحة لكل زمان ومكان!! فإن برنامج الإصلاح الاقتصادي في موريتانيا التزم بتكرار نفس السياسات التي يطبقها الصندوق عادة على كل من يرغب في الحصول على تمويلاته، حيث كانت السياسات الماكرواقتصادية المتخذة لتحقيق هذه الأهداف هي تحسين كفاءة الجهاز الضريبي، وتقليص النفقات العامة، وتخفيض قيمة العملة المحلية "الأوقية الموريتانية"، وتصفية البنوك العامة "المتعثرة"، وفتح الاستيراد على مصراعيه، وإلغاء دعم السلع لتترك أسعارها في العراء تحت تأثير العرض والطلب، إضافة إلى خصخصة العديد من المؤسسات العامة.
ورغم أن القطاع الخاص الموريتاني كان لا يزال هشا ومحدودا، ولم يبلغ بعد سن الفطام، فقد قرر المشرفون على برامج الإصلاح بدء الانتقال الكامل من القطاع العام إلى القطاع الخاص في منتصف الثمانينيات، وهو ما يعني بشكل غير مباشر فتح الباب على مصراعيه للقطاع الخاص الأجنبي الذي يلبس "الزي الموريتاني" ليتحكم في أهم مفاصل الاقتصاد الوطني.
وقد نتج عن قرار تقليص دور القطاع العام ونقل الملكية إلى القطاع الخاص تصفية عدة مشاريع كبرى (نهائيا)، مثل: الشركة الموريتانية للنقل العمومي، والشركة الموريتانية لصناعة السكر، وشركة المواد الصيدلية، وشركة تسويق المواشي، واتحاد بنوك التنمية، والشركة الموريتانية لمستودعات التثليج. كما تم النقل الكلي أو الجزئي لملكية مؤسسات عامة إلى القطاع الخاص مثل: شركة توزيع المحروقات، والشركة الموريتانية للتأمين وإعادة التأمين، والبنك الموريتاني للتجارة الدولية، والبنك الوطني لموريتانيا، والشركة الوطنية للإيراد والتصدير، والشركة الوطنية للصناعة والمناجم.
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156225991 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
|
هذا فضلا عن تحول مؤسسات عامة أخرى إلى طريقة عمل القطاع الخاص، رغم أنها ما زالت ضمن ملكية الدولة، مثل شركة المياه والكهرباء، ومكتب البريد والمواصلات.
وقد أدى ذلك كله إلى تسريح عمال مشروعات وتقليص عمال مشاريع أخرى، وهو ما فاقم مشكلة البطالة التي وصلت نسبتها إلى 29% بحسب إحصاءات صندوق النقد عام 2000، وقد أدى ضعف مقاومة المفاوضين الوطنيين مع الصندوق إلى كون عمليات البيع لم تعد مقتصرة على المؤسسات الخاسرة والمتعثرة، بل طالت المؤسسات الناجحة أيضا، مثل الشركة الموريتانية للاتصالات "موريتل".
وقد سمح البيع الكلي أو الجزئي لعدد كبير من المؤسسات والشركات الوطنية الكبرى، وتشديد آليات التحصيل في الجهاز الضريبي بتحقيق تزايد هام في الإيرادات، وفي هذا الصدد يقول الخبير الاقتصادي الموريتاني "محمد ولد أعمر": "إن تحقيق فائض في ميزانية الحكومة الموريتانية كان من الأهداف الجوهرية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي، وقد تم تحقيق هذا الهدف بشكل نسبي، وهذه نتيجة كَمية حققها البرنامج وإن كان قد ترتب عليها برنامج انكماشي نجم عنه هبوط حاد في نمو الناتج والدخل وفرص التوظف، وبالتالي أدى إلى زيادة الكساد والطاقات العاطلة وحالات الإفلاس.. وما يترتب على ذلك من هبوط في مستوى المعيشة وارتفاع في معدلات البطالة، وستزداد حدة هذا الأثر الانكماشي خاصة إذا لم يكن تطبيق تلك البرامج مقرونا بحقل خارجي ملائم من المعونات والقروض الميسرة".
من ناحية أخرى لم يؤد تخفيض سعر العملة "الأوقية" (الدولار كان يساوي عند بداية الإصلاح الاقتصادي 80 أوقية في عام 1984 وهو يساوي الآن 270 أوقية تقريبًا) إلى زيادة الصادرات ونقص الواردات بالشكل المطلوب نتيجة انعدام توفر الشروط اللازمة لإنجاح مثل هذا الإجراء، مثل مرونة جهاز إنتاج الدولة، ومرونة الطلب الخارجي على المنتجات الموريتانية الرئيسية (الحديد والسمك)، ومرونة طلب الدولة الموريتانية نفسها على الواردات الأجنبية، وقدرة المنتجات المحلية على منافسة المنتجات العالمية.
وعلى العكس من المستهدف أدى خفض القيمة الخارجية للعملة الوطنية إلى ارتفاع كلفة المواد الوسيطة المستوردة في كافة قطاعات الاقتصاد التي تعتمد في إنتاجها على هذه المواد، ومن ثم إلى زيادة الأسعار النهائية لمنتجات هذه القطاعات.
وفي ضوء تردي مستوى الدخول الحقيقية للسكان - بسبب الغلاء والبطالة وعدم نمو الأجور والمرتبات بمعدل مساو لمعدل التضخم - فقد تعمقت حالة الكساد الاقتصادي للسوق المحلية من ناحية، وضعفت القدرة التنافسية للصادرات التي تعتمد في إنتاجها على واردات وسيطة من الخارج.
تكاليف الطاقة
أيضا أدى ارتفاع أسعار الطاقة والنقل والتشغيل والمستلزمات السلعية المحلية والمستوردة (بعد خفض قيمة الأوقية) إلى زيادة تكاليف الإنتاج المحلية في مختلف القطاعات الإنتاجية في وقت لا تستطيع فيه هذه القطاعات أن ترفع من مستوى الإنتاجية لمواجهة أعباء هذه الزيادة، وكانت نتيجة ذلك حدوث خفض ملموس في الفائض الاقتصادي المتحقق في هذه القطاعات، ومن ثم تدهور قدرتها الذاتية على التراكم والحد من التوسع في خطط الإنتاج، وقد أثر ذلك سلبيا في الطلب على العمالة.
وقد حصلت موريتانيا على تمويلات وقروض ميسّرة كثيرة، بسبب رضى الصندوق عن تصميم الحكومات المتعاقبة على التطبيق الحرفي لوصاياه، ورغم ذلك فإن التمويلات لم تُؤتِ أكلها المتوقع بسبب سوء التسيير والفساد المستشري في مختلف مستويات الإدارة الموريتانية الذي يبدو أن الحكومات المتعاقبة عاجزة - ليس فقط عن مواجهته بل أيضا - عن مجرد الاعتراف به، بل إنه كثيرا ما يروج في الأوساط المطلعة أن بعض ممثلي مؤسسات التمويل يساهمون بشكل أو بآخر في صفقات مشبوهة، وهو ما يجعلهم حلقة أساسية في دورة تحويل الأموال من الملكية العامة إلى الملكية الخاصة.
وعلى الرغم من حجم الإعفاءات التي حصلت عليها موريتانيا فإن حجم المديونية الخارجية لم ينخفض، بل تزايد بشكل كبير (2.1 مليار دولار) طبقا لصندوق النقد الدولي عام 2000، رغم أن من أهداف الإصلاح المعلنة التخفيف منها!!، وإن كان من الملاحظ تناقص نسبة خدمة الدَّين إلى إجمالي الصادرات في معظم سنوات برامج الإصلاح، وهذا يرجع إلى عمليات الجدولة المتكررة التي لجأت إليها موريتانيا في سنوات برامج الإصلاح؛ وهو ما سيؤدي إلى تفاقم الأزمة عند حلول دفع مستحقات الديون المجدولة.
وهكذا يبدو أن قطار الإصلاحات لم يصل إلى محطته الأخيرة، فالأهداف المعلنة لم يتحقق منها سوى البيانات الرقمية المتفائلة التي درجت الحكومة على نشرها في وسائل الإعلام الرسمية، ويشكك فيها الكثيرون من المهتمين، والتي يوضحها الجدول التالي:
جدول (1) موريتانيا.. معطيات اقتصادية عامة (90-98)
المصدر: المكتب الوطني للإحصاء في موريتانيا
| البيان |
الوحدة |
1990 |
1991 |
1992 |
1993 |
1994 |
1995 |
1996 |
1997 |
1998 |
| الناتج المحلي الإجمالي بالقيم الاسمية (بالأسعار الجارية) |
مليار أوقية |
82,35
|
89,77
|
96,59
|
114,54
|
124,16
|
137,34
|
148,3
|
162,62
|
185,3
|
| معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي |
% |
-1,1
|
2,9
|
2,2
|
8,7
|
4,8
|
5,7
|
2,7
|
5
|
3,7
|
| الناتج المحلي الإجمالي/ شخص |
أوقية |
41571 |
44067
|
46105
|
53131
|
55966
|
60143
|
63090
|
67176
|
74307 |
| الميزان التجاري |
مليار أوقية |
3,8
|
1,2 |
1,6
|
-2,6
|
6,0
|
0,7
|
3,9
|
-4,9
|
-1,7
|
| المؤشر العام للأسعار |
أوقية |
141,8 |
149,7 |
164,9 |
180,2 |
187,6 |
199,8 |
209,3 |
218,8 |
236,3 |
ضحايا الإصلاح
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156226309 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
|
فقراء موريتانيا أكثر المتضررين
|
دفعت حالة الانفتاح التي صاحبت تطبيق برامج التكيّف والإصلاح الهيكلي.. المبادرات الخاصة إلى الحركة بشكل أفضل بكثير مما كان عليه سابقا، وهو ما نتج عنه تطور ملموس في قطاع الأنشطة الخدمية الصغيرة والمتوسطة.
وفي المقابل كانت الآثار الاجتماعية والسياسية لبرامج الإصلاح قاسية؛ إذ إنه فضلا عن التخلص من العمالة التي وصفت بأنها "زائدة عن الحاجة!"، ووقف عمليات التوظيف في الإدارات الحكومية باستثناء قطاعات الأمن والتعليم والصحة.. قد أدى تقليص دور الدولة والقطاع العام في النشاط الاقتصادي إلى تراخي الاستثمار الحكومي في خلق طاقات إنتاجية تستوعب الأيدي العاملة المتزايدة من حمَلة الشهادات.
ويلخص الخبير الاقتصادي الموريتاني الدكتور "محمد الأمين ولد سيدي باب" - وهو أستاذ جامعي وموظف في وزارة التخطيط الاقتصادي الموريتانية - الآثار الاجتماعية للبرنامج قائلا: "لقد كان التصحيح مؤلما ومثيرا للسخط نظرا للضرر الكبير الذي ألحقه بالشرائح الاجتماعية الفقيرة، ومصدر الضرر للفقراء نلمسه في الجانب التقشفي لبرنامج (ضغط الطلب الكلي) فقد أثَّر هذا الجانب على الطبقات الدنيا في المجتمع من زوايا عدة، منها اقتطاعه جانبا من النفقات العامة ذات الطابع الاجتماعي التي يستفيد منها الفقراء بالدرجة الأولى، مثل دعم السلع الاستهلاكية والتعليم والعلاج المجانيين، ومثل تقليص مشاريع الإسكان الحكومي منخفض التكاليف".
ويضيف أن التصحيح تسبب أيضا في زيادة الإيرادات بفرض رسوم مقابل الحصول على خدمات كانت تؤدى مجانا فيما سبق.. ثم إن الأثر الانكماشي للبرنامج انعكس على الفقراء في شكل تضاؤل فرص العمل وارتفاع نسبة البطالة، أضف إلى ذلك أن برنامج التصحيح كان له آثار تضخمية، فهو ينطوي على رفع مباشر وغير مباشر لأسعار العديد من السلع من خلال تخفيض الدعم أو إلغائه، وكذلك من خلال تخفيض سعر العملة المحلية (الأوقية) وأيضا عن طريق إطلاق العنان لقوى السوق في تحديد الأسعار.
من جهة أخرى ساهمت الخصخصة أيضا في إعادة توزيع الثروة على الفئات المختلفة من السكان بشكل غير عادل، إذ ازدادت فجوة الدخول بشكل مذهل وتناقص حجم الطبقة الوسطى لصالح الطبقات الفقيرة، وهو ما يتضح من الجدول التالي:
جدول (2)
مؤشرات الفقر حسب مكان الإقامة 1996 باعتبار خط الفقر يساوي 53841 أوقية للشخص سنويا
|
نسبة منهم تحت خط الفقر"% "
|
|
|
موريتانيا
|
50
|
|
نواكشوط
|
20,6
|
|
المدنالأخرى
|
37,8
|
|
الريف (منطقةالنهر)
|
60,2
|
|
الريف (بقيةالمناطق)
|
71,7
|
المصدر: المكتب الوطني للإحصاء
وقد انعكس ذلك في عوامل عدم استقرار سياسية سواء مظاهرات حملة الشهادات العاطلين، أو تململ الطبقات المسحوقة والنقابات العمالية، فالدولة فقدت الكثير من آليات التأثير في النشاط الاقتصادي التي كانت تتيح للفئات الأكثر فقرا في المجتمع الاستفادة منها.
استقرار سياسي
كما تضرر الاستقلال السياسي بشكل كبير مع الارتباط بالبنك والصندوق، حيث أصبح الصندوق يتحكم في تفاصيل الحياة اليومية للمواطن الموريتاني من خلال تدخله في عمليات التخطيط الاقتصادي والمناهج التعليمية والمشاريع والشركات الإستراتيجية بعد أن تنازلت الدولة عن جزء هام من "استقلال قرارها السياسي والاقتصادي والثقافي" نتيجة الارتباط بالصندوق ونتيجة تدخل المستثمرين الأجانب ورأس المال الوطني المرتبط بالرأسمال الأجنبي.
وكمثال فإن إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل في أكتوبر1999 يعود في جزء كبير منه إلى "توهم" قدرة اللوبي الصهيوني في أمريكا ومؤسسات التمويل الدولية في التأثير على الصندوق والبنك الدوليين والجهات المانحة الأخرى، وأمل الحكومة الموريتانية في تدخله للحصول على الشهادات الضرورية لاستدرار التمويلات الخارجية.
|