|
أيًّا كانت النتائج التي ستسفر عنها قمة "كراكاس" لمنظمة الدول المصدرة للنفط التي تبدأ أعمالها يوم الأربعاء 27/9/2000م.
فإن التساؤل الذي يظل مطروحًا: ما هي طبيعة الأزمة الراهنة ؟.. هل هي أزمة إنتاج واستهلاك أو عرض وطلب في الأسواق، أم هي أزمة احتكارية عبر تحكّم المنتجين في الإنتاج؟.. أم أنها أزمة بين المستهلك الفرد والحكومة الغربية داخل البلد المستهلك ؟..
يلفت النظر أولاً أن الغربيين لا يقولون بوجود أزمة في الأصل، وعلى سبيل المثال تزامن مع المؤتمر الوزاري الأوروبي المشار إليه إعلان "الوكالة الدولية للطاقة" التي تمثل الدول الصناعية، عن موقف رسمي يوضّح أن الوكالة لا ترى الشرط الموضوعي المتمثل في أزمة تموين متوفرًا لاتخاذ قرار باستخدام مخزون الاحتياطي النفطي الذي سبق تجميعه بكميات ضخمة منذ ارتفاع الأسعار في أواسط السبعينيات الميلادية، فالوكالة ترصد نقصًا محدودًا في كميات المعروض في الأسواق فحسب، ولا ترصد مؤشرات لأزمة ما، كذلك فقد اقترن القرار الأمريكي – بغض النظر عن توظيفه في المعركة الانتخابية – واقترن الموقف الهولندي الذي سـبق سـواه أوروبيًّا بهذا الصدد، بالإشارة إلى عدم وجود أزمة حقيقية تبرّر هذه الخطوة، مثل نقص كبير في المعروض من النفط الخام، أو وقف ضخِّه لغرض سياسي، أو نشوب حرب كحرب الخليج، فكأنّ المقصود هو الأثر النفساني المحتمل على الأسواق. وذكر الوزراء الأوروبيون في مؤتمرهم المشار إليه أن سلطات مكافحة الاحتكار ستراقب سياسة الأسعار المتبعة من جانب الشركات النفطية؛ لتتأكد من عدم تجاوزها للقوانين والقواعد المقررة، وهو ما يشير إلى إدراك المسؤولين لتعدّد جوانب التطوّرات الراهنة وإلى دور الشركات الغربية فيها.
ستة عوامل تشكل أسعار النفط
والواقع أنه اجتمعت على الدول الأوروبية في الآونة الأخيرة عدة عوامل في وقت واحد، تكامل مفعولها في اتجاه ارتفاع أسعار الوقود على المستهلك، وهي باختصار:
1- تدهور قيمة اليورو منذ الأخذ به عملة موحدة تجاه الدولار، وهو العملة المتداولة في تسديد فواتير استيراد النفط الخام.. وواضح أن هذا تطوّر يقع داخل نطاق مسؤولية الحكومات الأوروبية.
2- ازدياد حجم الاستهلاك الأوروبي نتيجة بوادر الانتعاش الاقتصادي، وبالتالي ازدياد حجم الإنتاج الصناعي وحاجة الشركات إلى الطاقة.. وهو جانب يقع في نطاق مسؤولية الشركات الأوروبية والحكومات.
3- إضافة مزيد من ضرائب الطاقة في العام الميلادي الحالي 2000م والماضي 1999م، ولا سيما في ألمانيا ذات الموقع الاقتصادي الرئيسي أوروبيًّا.. وهذه من مسؤولية الحكومات الأوروبية بوضوح أيضًا.
4- استغلال الشركات النفطية للعوامل الثلاثة السابقة، بالإضافة إلى رفع الأسعار في الأسواق النفطية، لتزيد الأسعار على المستهلكين بنسب أعلى من ارتفاع التكاليف عليها.. وهذا من مسؤولية الشركات فضلاً عن الجهات الرسمية المسؤولة عن المراقبة للتجاوزات الاقتصادية والمالية.
5- ويتصل بذلك استغلال الشركات المعتاد منذ سنوات لعنصر الزمن؛ إذ تردّ على ارتفاع أسعار الإنتاج أو ارتفاع قيمة الدولار على الفور، ولا تتصرّف عند حدوث تطوّر معاكس إلا بمماطلات زمنية واضحة.
6 - والعامل الأخير فقط هو عامل تخفيض حجم الإنتاج في العام الميلادي الماضي 1999م، والأرجح أن الولايات المتحدة الأمريكية لعبت عن طريق الشركات الأمريكية أو مباشرة دورًا في مضاعفة أثر هذا التخفيض في الأسواق، وهو ما يمكن تفسيره بالتنافس الاقتصادي المتزايد بين الأوروبيين الذين يتضرّرون – بسبب الدولار - تضررًا أكبر من تضرر الأمريكيين نتيجة ارتفاع تكاليف الوقود.
خلال السنوات الثلاثين الماضية على الأقل، أي منذ القفزة الأولى لأسعار النفط الخام، كان بعض هذه العوامل يترك أثره منفردًا أو مع سواه فيؤدي إلى ارتفاع تكاليف الطاقة، ويسري هذا بصورة خاصة على تحوُّل رفع الضرائب إلى وسيلة لسدِّ ثغرة انخفاض أسعار المنتجين، كما يسري على اتّباع سياسة رفع الأسعار للضغط على حجم الاستهلاك للحدّ من تلوّث البيئة. ولعلّ الجديد في "الأزمة" الراهنة هو، الجديد الذي أعطى التطوّرات شكل ثورة أولى من جانب المستهلكين، يتمثل في أن المعطيات المذكورة، لم تَعُد خافية على المستهلك العادي في أوروبا، ولم يَعُد يجهل تأثير كل منها على انفراد وتأثيرها مجتمعة على تكاليف الطاقة التي يسددها من جيبه، فكيف يجري إلهاؤه باحتجاجات ضدَّ جهة خارجية لا يستطيع التأثير على قراراها، وبالتالي لم يكن تحرُّك بعض فئات المستهلكين الأكثر تضرّرًا من سواهم عشوائيًّا ولا في شكل ردّة فعل دون تفكير، كذلك فإن انتشار الحركة الاحتجاجية في بلد أوروبي بعد آخر خلال بضعة أسابيع، يؤكّد أن الشرارة الأولى من الاحتجاجات في فرنسا، حرّكت رصيدًا متراكمًا من الانزعاج، فتتابعت الانفجارات الصغيرة والكبيرة ما بين بريطانيا وبولندا.
خلل في ميزانية المستهلك يولِّد الوعي
والمستهلك هنا هو المستهلك من عامة المواطنين، وليس الشركات التي تجد ميزات ضرائبية خاصة في كافة الدول الغربية على صعيد استهلاكها للطاقة لأغراض صناعية، وإلى وقت قريب لم يكن المستهلك الأوروبي يحتجّ على ارتفاع تكاليف الطاقة، التي تشمل ثلاثة ميادين رئيسية، التيار الكهربائي ووقود التدفئة ووقود السيارات، ونجد أن ارتفاع التكاليف عبر العقود الثلاثة الماضية، كان يمثل خطًّا بيانيًّا يواصل الارتفاع بانتظام، عامًا بعد عام، ولا يمكن ربطه بعلاقة موازية أو سببية، بالخط البياني لتبدّل سعر النفط الخام في الفترة نفسها، والذي شهد قفزتين فقط نحو الأعلى، في مطلع الثمانينيات الميلادية بعد ثورة إيران، وفي مطلع التسعينيات الميلادية مع حرب الخليج الثانية.. وفيما عدا ذلك كان يتأرجح في مستوى دون مستوى أسعار السبعينيات الميلادية.
ومع مراعاة القوة الشرائية للدولار، وارتفاع متوسط الدخل الفردي سنويًّا، وارتفاع تكاليف المعيشة بالمقابل، يلاحظ على ميزانية الفرد أو الأسرة من عامة المستهلكين خلل واضح في تطوّر توزيع مواطن الثقل في النفقات، فقد ارتفعت تكاليف الطاقة بنسبة مئوية أكبر من متوسط ارتفاع تكاليف المعيشة ومن ارتفاع الدخل، حتى أصبحت تلتهم في هذه الأثناء زهاء 15% من الدخل الفردي، ولا ريب أن المستهلك سجّل – وهذا من إيجابيات ثورة الاتصالات والمعلومات - عددًا من الملاحظات، أهمها:
1- كان سعر النفط الخام في الحضيض لمدة 15 عامًا تقريبًا..
2- وانخفضت عائدات الدول النفطية حتى أصبحت تقترض من المصارف الغربية لتغطية العجز في ميزانياتها..
3- ولم يترك ذلك أي أثر إيجابي يستحق الذكر على نسبة ما ينفقه المستهلك الغربي وتصاعدها المتواصل..
4- كذلك فالربط بين النمو الاقتصادي في الغرب وسعر النفط الخام أصبح واهيًا للغاية، ومن أبسط ما يلاحظه المواطن العادي أن بعض البلدان الغربية حقق ازدهارًا والبعض الآخر ركودًا اقتصاديًّا، دون وجود اختلاف ما بين أوضاعها فيما يرتبط باستيراد النفط الخام، سواء في فترة الارتفاع النسبي لأسعاره أو انخفاضها..
5- بالمقابل سيَّان كيف كانت الأوضاع الاقتصادية للبلدان المصدرة والبلدان المستهلكة، كانت الشركات النفطية العملاقة تحقق ارتفاعًا سنويًّا مطّردًا في حجم أرباحها، أدناه ثلاثون في المائة ووصل إلى أكثر من الضعف بالنسبة إلى معظمها..
6- علاوة على ارتفاع الضرائب المفروضة من جانب الحكومات الأوروبية إلى مستويات تأرجحت بين ستين وثمانين في المائة.
ولا يستهان في الغرب بلعبة الأرقام التي باتت في عصر الحاسوب هواية، فبات من اليسير إجراء مقارنات كافية لبيان من المسؤول ونسبة مسؤوليته عن جانب من جوانب المعيشة اليومية، كاستهلاك الطاقة، وهو ما يتخذ الشكل المبسط والتقريبي التالي:
1- 15% من الدخل الشهري تمثل مصروف الطاقة الذي ينفقه المستهلك.
2- 70% من مصروف الطاقة أو ما يعادل حوالي 10% من الدخل ينفقها في صورة ضرائب للدولة.
3- 15% من مصروف الطاقة أي 2.5% من الدخل ينفقها لصالح شركات توليد الطاقة.
4- 15% من مصروف الطاقة أو ما يعادل 2.5% من الدخل ينفقها لصالح أصحاب مصادر الطاقة (الخام).
5- يشكل النفط الخام حوالي 40% من مصادر الطاقة الاستهلاكية أي ما يلتهم 1% فقط من دخل المستهلك الأوروبي.
6- يشكل النفط المستورد من المنظمة 40% من النفط المتداول في الأسواق أي ما يلتهم أقل من نصف في المائة أو خمسة بالألف فقط من الدخل الفردي للمستهلك الأوروبي.
7- ارتفاع سعر البرميل من 10 دولارات إلى 30 دولارًا يعني ارتفاع نسبة "إنهاك" جيب المستهلك الأوروبي من أقل من اثنين إلى حدود خمسة بالألف من مصروفه الشهري!..
أليس من المستغرب إذن وجود من يتساءل: لماذا لم تتوجَّه ثورة المستهلكين حاليًا ضدّ المنظمة وتوجّهت ضد وزارات المالية والحكومات الغربية ؟..
إن ما تبدَّل بصورة ملحوظة هو نسبة وعي المستهلك الغربي بقضية الطاقة بما فيها النفط الخام، وكان ترسيخ تلك الصورة النمطية السلبية والمنفرة المعروفة عن "شيوخ النفط" في السبعينيات الميلادية، قد اعتمد على صورة نمطية سابقة عن العرب والمسلمين، وكانت أسوأ مضمونًا وأوسع نطاقًا، قد صنعتها المناهج المدرسية والتثقيفية والإعلامية على امتداد عشرات السنين السابقة، وهي صورة يمكن تلخيص معالمها في بضع كلمات:
1- همجية المظهر والسلوك.
2- الغباء والشعوذة والخرافات.
3- الشهوانية ورمزها "حريم السلاطين".
4- العدوانية عَبْر مقولات انتشار الإسلام بالسيف، وضرب النساء والأطفال، وحتى ممارسة الإرهاب.
وربما أضاف السلوك السلبي لبعض الأثرياء المحدثين من البلدان النفطية بعض السلبيات الأخرى المعروفة نتيجة التردد على الحانات ونوادي القمار في الدول الغربية، وبقي كثير من جوانب تلك الصورة النمطية مستمرًّا ويستغل في كثير من الحملات المضادة لبعض القضايا الحيوية في البلدان العربية والإسلامية المعنية، ولكن لم يَعُد ممكنًا استغلال تلك الصورة النمطية في تمرير سياسات الغرب، بحكوماته وشركاته، على صعيد الطاقة.
الشركات المنتجة تجني الأرباح
على أن المستهلك الغربي لا يمكن أن يتحوّل في قضية النفط إلى مدافع عن البلدان النفطية نفسها - كما بدأ يظهر ذلك أحيانًا في معرض مواجهة أثرياء العولمة الغربية على حساب الدول الفقيرة في الجنوب - بل على النقيض من ذلك تحاول بعض المواقف الغربية حاليًا إثارة جانب مضاد، عن طريق التصريحات المتوالية بشأن الأعباء الكبيرة التي صنعها ارتفاع أسعار النفط الخام بالنسبة إلى البلدان النامية، لا سيما الأفقر من سواها، وهذا "إشفاق" كاذب على الدول النامية وله أهدافه المغرضة، ولكن رغم ذلك لا يصحُّ إهمال وضع الدول النامية من جانب الدول النفطية، بل يمكن أن يكون التعامل معها ومع المستهلك النفطي فيها، تعاملاً خاصًّا في الظروف الراهنة بالذات، مدخلاً إلى تأثير أكبر في تحديد معالم خارطة النظام الاقتصادي العالمي المستقبلية.
كذلك يمكن للدول النفطية أن تتحرّك على نطاق أوسع في بيان مواقع الشركات النفطية على خارطة الإنتاج والتصنيع والنقل والاستهلاك، وهو ما لا يرصده المستهلك الغربي إلا في حدود ما يرتبط به مباشرة، بينما أصبحت تلك الشركات تحقق أرباحها الكبرى في البلدان المنتجة وليس في الأسواق الاستهلاكية، وعلى حساب المستقبل الاقتصادي للشركات المنتجة، ومستقبل الاقتصاد العالمي عمومًا والذي لن يمكنه الاستغناء عن النفط الخام زمنًا طويلاً..
مثال على أوضاع الشركات العملاقة عمومًا، شركة إكسون - موبيل العملاقة.. وهي في قطاع الإنتاج من أعمالها:
1- تنقب عن النفط الخام في 48 بلدًا
2- وتستخرجه من 24 بلدًا بحجم 4.5 مليون برميل يومًّيا
أما في قطاع التصنيع والتوزيع من أعمالها، فهي:
1- تنقل ما تستخرجه بنفسها وسواه، ومجموعه 13.5 مليون برميل.
2- تقوم بتكرير كميات أكبر ممّا تستخرجه أيضًا وتعادل 5.6 مليون برميل في 40 مصفاة نفطية في أنحاء العالم.
3- تبيع يوميًّا زهاء خمسة ملايين برميل في أكثر من 40 ألف محطة وقود في 118 بلدًا في أنحاء العالم..
وعند المقارنة بين القطاعين، يُفترض أن تكون حصة أرباحها من القطاع الثاني مضاعفة، بما يتناسب مع الكميات التي تكررها وتوزّعها، ولكنها بدلاً من ذلك:
1- تحقق في قطاع الإنتاج ما بين إندونيسيا والخليج وفنزويلا مردودًا بنسبة 15% من رؤوس الأموال المستثمرة ووصل حجمه عام 1999م إلى 5.9 مليار دولار.
2- وتحقق في قطاع التكرير والتوزيع، ومعظمه في البلدان المستهلكة، الصناعية والنامية، مردودًا بنسبة 4% من رؤوس الأموال المستثمرة، ووصل حجمه في العام نفسه إلى 1.2 مليار دولار.
في هذه الأثناء باتت تلك الشركات أقرب إلى المواقع الاستغلالية التي كانت عليها قبل السبعينيات الميلادية، أي عندما كانت تملي ما تريد على الدول المنتجة، سياسة وأسعارًا وخططًا اقتصادية ومالية. آنذاك وطوال الفترة من مطلع فترة استخراج النفط الخليجي في الثلاثينيات الميلادية إلى ما بعد تأسيس منظمة البلدان المصدرة للنفط عام 1960م، كان حجم استخراج النفط يستنفد أقصى طاقات الإنتاج الممكنة، وتبدّل الوضع تدريجيًّا حتى هبط حجم الإنتاج الفعلي إلى حجم الطاقة الممكنة للإنتاج معدّل 66% عام 1990م. ولكن هذا الفارق الضروري لمراعاة الاحتياطي ونفاذه والتحسب للاحتياجات الطارئة، بدأ يتقلّص مجدّدًا، وهذا ما لا ينسجم مع مصالح الدول النفطية، ولكن ينسجم كلّ الانسجام مع نتائج حرب الخليج الثانية، وازدياد الارتباط الأمني والاقتصادي بين الدول الخليجية والدول الغربية، وتسارع انتشار العولمة لصالح الشركات النفطية.. وأصبح المعدّل المذكور عام 1999م في حدود 80%، وما زال في ارتفاع، لا يخفى أن من نتائجه ازدياد سرعة نضوب الاحتياطي النفطي، وازدياد حجم المخزون الضخم من الاحتياطي العالمي في الغرب، وبالتالي ازدياد قدرة الدول الغربية والشركات الغربية، على التحكم في السوق النفطية، على حساب المنتجين، وعلى حساب المستهلكين في وقت واحد.
ألا ينبغي التساؤل إذن: متى نشهد "ثورة المنتجين" على الشركات النفطية ومن ورائها السياسة الاقتصادية الغربية، على غرار ثورة المستهلكين على السياسة الضرائبية للحكومات الغربية ؟.
كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا
|