|
مرَّت المهلة التي أتاحها المحتجّون على الضرائب المفروضة على أسعار الوقود في بريطانيا دون أن تتجدد ، وذلك بعد التدابير الدعائية والاجتماعية والقمعية التي أعدتها الحكومة البريطانية للرد على تلك الاحتجاجات.
فمنذ عدة أشهر اشتعلت في أوروبا حملة احتجاج قوية ضد الارتفاع الكبير في أسعار الوقود، وقاد هذه الحملة سائقو الشاحنات وسيارات الأجرة، إلى جانب قطاع من المزارعين الذين يقبلون على الوقود كأداة لتوليد الطاقة التي تستخدمها ماكينات الزراعة والرَّي في الريف الأوروبي. وكانت تلك الاحتجاجات الأعنف في أوروبا منذ مسيرة احتجاج البطالة التي نظمها في بريطانيا "جاروكروساد" في عام 36 أو احتجاجات عمال المناجم البريطانيين في 84 - 1985. وقد سدَّ المحتجون الطرق السريعة بسياراتهم الضخمة، وعبر آليات التفاوض المختلفة تمكنت الحكومة البريطانية من استمهال المحتجين حتى 10/11/2000، وهو الموعد الذي يقدم فيه وزير المالية البريطاني "جوردون براون" بيان الميزانية السنوية لحكومته.
لكن الحكومة البريطانية لم تنتوِ أبدًا السماح لمثل تلك الاحتجاجات بالتجدد، فمن ناحية نجد أن الاستجابة لهذه الاحتجاجات لها أثران:
أولهما: أثر مباشر يتمثل في انخفاض موارد الميزانية العامة للحكومة، في الوقت الذي تسعى فيه الحكومة البريطانية لزيادة هذه الموارد للاستجابة لمطالب الشركات الاقتصادية الكبرى بالتجديد في متطلبات البنية الأساسية الحديثة، وهو الأمر الذي دفع الحكومة البريطانية لتجميد إنفاقها الاجتماعي العام خلال العام الأول من حكمها لتلبيته، وهو ما زاد من حدة أزمة احتجاج الوقود.
وثانيهما: وهو أثر غير مباشر يتمثل في منح أمثال هذه الاحتجاجات مشروعية ونجاحًا في تلبية مطالب القطاعات التي كانت تعلق آمالاً على وصول اليسار البريطاني للحكم، الأمر الذي أثار هذه الاحتجاجات عندما غيَّر حزب العمال خريطة تحالفاته الطبقية وانحاز في إطار رؤيته الجديدة للمؤسسات الاقتصادية الكبرى.
سبب لم يتوقف عنده المراقبون
من خلال التفاوض حرصت الحكومة البريطانية على استمهال المحتجين، لكن ثمَّة سبب جعل كاتب هذه السطور يدرك أن الحكومة البريطانية لم تكن تنتوي الاستجابة لهم. وهذا السبب واحد لكنه بالغ في التركيب في خلفيته الاقتصادية والبيئية والسياسية.
ويتمثل هذا السبب في رغبة الحكومة البريطانية جنبًا مع حكومات أوروبا والولايات المتحدة في وضع حد لارتفاعات أسعار النفط، فحتى حلول موعد الاحتجاج الثاني كان سعر البرميل النفطي من خام برنت - على سبيل المثال - قد وصل إلى 35 دولارًا، وهو أعلى سعر للبرميل منذ عشر سنوات. وسبب تعقد هذه الرغبة ما يلي:
أ - إدراك الدول الصناعية الكبرى أن ثمَّة محاولة من الدول العربية لاستثمار العوائد النفسية للصراعات في الشرق الأوسط، ويحاولون تفسير رفع أوبك التدريجي لكمية الإنتاج على أنه نوع من الارتفاع في إطار توفير مناخ مضاربة لاستثمار ارتفاع السعر وتعويض خسائر عام 1998، و1999 عقب أزمة جنوب شرق آسيا.
ب - الخضر في أوروبا، أحزاب ذات توجه يساري، وقد اشتركت في أكثر من حكومة في الوقت الحالي في أوروبا، ومن بينها فرنسا؛ حيث يشارك حزب الخضر ائتلاف حكومة "ليونيل جوسبان"، ويملكون فيما يملكون حقيبة البيئة وهم يدفعون في اتجاه اعتماد بديل آمن وغير ضار بالبيئة كمصدر للطاقة.
ج - ترغب الحكومات الأوروبية في توفير قدرة تنافسية لمصادر الطاقة النظيفة، وذلك من خلال حرمان مصادر الطاقة التقليدية واسعة الانتشار الآن والنفط والغاز من ميزتها الكبرى المتمثلة في رخص الأسعار، ولعل بريطانيا أحد نماذج هذا الملمح، حيث تمثل ضريبة الوقود غير المباشرة فيها 73% من سعر الوقود بعد التكرير والنقل.
د - ارتفعت أصوات خبراء الإستراتيجية محذرة من احتمالات عودة النفط كسلاح تستخدمه دول الجنوب في الضغط على دول الشمال، وبخاصة الدول الصناعية؛ لتحسين الموقف التفاوضي الجامعي لدول الجنوب، الأمر الذي يمس أكثر المصالح حيوية بالنسبة لدول الشمال، وبخاصة عندما يقترن هذا السلاح باتجاه الجنوب نحو تكوين تحالفات جديدة قوية كمجموعة الـ 15، ومجموعة الكوميسا، وتأثير هذه التحالفات على المنظمات التي تسيطر عليها الدول الكبرى كمجموعة المحيط الهادي "آبيك"، التي تواجه فيها الولايات المتحدة اتجاهًا نحو تراجع تأثيرها، وهو ما ظهر في اجتماعات هذه المنظمة كمثال في 15/11/2000.
هـ – حتى تحصل موارد الطاقة النظيفة على مكانة نسبية معقولة لها يمكن للحكومات الأوروبية الاستفادة من ضرائب النفط على صعيدين، أولهما: استغلال هذه الضرائب لتمويل الموازنات العامة لهذه الدول؛ حيث إن موارد الطاقة والوقود سلع أساسية. وثانيهما: الحفاظ على معدل استهلاك الوقود في حدوده الدنيا للسيطرة على تلوث البيئة من ناحية، ولترشيد استخدام الوقود للتغلب على مشكلة ارتفاع أسعاره من ناحية ثانية.
جدير بالذكر أن هذا الأمر وإن ذكر علانية في بعض الصحف الأوروبية، لكن ليس باعتباره سياسة عامة، ولكن يمكن الربط بين شذرات إخبارية وتحليلية تفيد بالوصول إليه. ومع ذلك كانت الأصوات التي انتبهت إليه في العالم العربي محدودة، على الرغم من أن هذا الأمر نوقش أثناء أوج أزمة مذبحة الأقصى الأخيرة، وأشار بعض الخبراء المصريين إلى أن استخدام النفط كسلاح أمر أصبح في ذمة التاريخ.
الدعاية الاقتصادية السلبية
اتجهت الحكومات الأوروبية لمحاصرة احتجاجات الوقود من خلال تكثيف الدعايات الاقتصادية السلبية حول نشاط هذه الاحتجاجات. ومن خلال تحليل هذه الدعايات السلبية الاقتصادية يمكننا أن نشير إلى أن عناصرها تتمثل فيما يلي:
أ - هاجمت الحكومة البريطانية مطالب المحتجين بالإشارة إلى أنها تؤدي إلى التأثير على خطط الحكومة للإنفاق الاجتماعي المتمثل في توفير المأوى والرعاية الصحية لمفتقديهما.
ب - تضمنت الدعاية الإشارة إلى أن نشاط الاحتجاجات إذا تكرر فمن شأنه أن يؤدي إلى حدوث نقص حاد في إمدادات الغذاء بالنسبة للأقاليم البعيدة عن العاصمة بسبب تضامن عمال النقل في هذه الاحتجاجات.
ج - حدوث مثل هذه الاحتجاجات من شأنه التأثير على الاستثمارات المحتملة القادمة إلى بريطانيا فيما وراء البحار، مما يؤثر عمومًا على معدل النمو ومستوى المعيشة العام.
د - من شأن حدوث واستمرار مثل هذه الاحتجاجات التأثير على سياسات الحكومة في التوظيف، بالإضافة إلى أن تعطيل تدفق الاستثمارات سوف يؤثر على احتمالات التوظيف المستقبلية، ناهيك عن احتمالات هروب الاستثمارات القائمة في البلاد.
وأهم ما في هذه الدعاية الاقتصادية أنها كشفت عن عمق التحالفات الاقتصادية السياسية لحزب العمال البريطاني، وهو ما سنراه تاليًا. لكن الحرب بالدعاية لم تقتصر على الدعاية الاقتصادية بل تضمنت أيضًا دعاية سياسية وضبطية، كان أهم ملامحها الحديث عن اشتراك قوات خاصة من الجيش الملكي في مجابهة الاحتجاج، وكذلك الحديث عن خطة يمينية لضرب حكومة اليسار، ومحاولة من الحزب الفاشي البريطاني لاستغلال الاحتجاجات، وممارسة المحتجين اعتداءات بدنية ولفظية على زملائهم الذين رفضوا الإذعان لمطالبهم بالمشاركة.
التحالفات السياسية الاقتصادية
كشفت الدعاية الاقتصادية التي ساقتها الحكومة عن عمق تحالفاتها الجديدة مع الطبقة الاقتصادية العليا، وفي هذا إشارة لاتجاه حزب العمال للتخلي عن قاعدته التقليدية من الشرائح الاجتماعية الدنيا، والشريحتين الوسطى والدنيا من الطبقة الوسطى. وفي هذا الإطار تُعَدُّ بريطانيا نموذجًا لما يسميه "توني بلير" تحالفات يسار الوسط التي تضم الفكر الجديد لحزب العمال جنبًا إلى جنب مع ثنائي (كلينتون - جور) في الولايات المتحدة، وشرودر في ألمانيا، والفكر الذي يحمله الائتلاف الاشتراكي الحاكم في فرنسا برئاسة ليونيل جوسبان.
وفي إطار مناقشة حجج تأثير الاحتجاج على الموازنة البريطانية، نجد أن المحتجين كانوا قد طالبوا فيما طالبوا برفع مستويات الضرائب على بعض الأنشطة الاقتصادية الأخرى المربحة، بما في ذلك قطاعات من إنتاج النفط. فشركة شيل - على سبيل المثال - كانت قد أعلنت خلال الشهور الماضية أنها حققت أرباحًا قياسية هذا العام بلغت بليوني دولار في الشهور الثلاثة الأخيرة، واقترن بهذا توجيه المحتجين رغباتهم نحو تعويض فقد الميزانية للضرائب غير المباشرة على الوقود بفرض ضرائب خاصة على الزيادة في الثروات.
جدير بالذكر في هذا الإطار أن شركات النفط البريطانية كانت تتجه بداية نحو التعاطف مع هذا الاحتجاج؛ لأنه يعني زيادة أرباحها ولكنها أحجمت عن ذلك؛ لأن مطالب المحتجين طالبت بزيادة الضرائب على الثروة.
ومن ناحية ثانية، ومن خلال فحص الجهات الممولة لقوات المواجهة، والتي بلغت 1000 عنصر من عناصر القوات الخاصة البريطانية، نجد أن بعض الصحف تحدثت عن وجود تعاون بين الشرطة البريطانية والاتحاد العام للتجارة وشركات النفط لتأمين إمدادات الغذاء والخدمات ومواجهة آثار الاحتجاج.
وفيما يتعلق باتحاد الصناعات البريطانية نجد أن "ديجبي جونز" مدير عام هذا الاتحاد قد صرّح بأن هذا الاحتجاج سبَّب دمارًا ليس له حدود لاقتصاد البلاد، وأكد وقوف اتحاد الصناعات إلى جانب الحكومة في إجراءاتها خلال الأسابيع الأخيرة. وفي سبتمبر كان جونز قد مدح العلاقة المثمرة بين حكومة حزب العمال واتحاد الصناعات.
وخلال الاحتجاج الماضي سعى جونز إلى تكوين جماعة ضغط لمكافحة احتمالات تقليل الضرائب على الوقود. والمفروض أنه كرجل صناعة يكافح مثل تلك الزيادة في أسعار عوامل الإنتاج الوسطية، وهذا الأمر ينمُّ عن أن حوارًا دار بينه وبين عناصر من الحكومة أخبرته بأن البديل هو فرض ضرائب على أرباح الشركات، وهو الأمر الذي لا يمكن احتماله. فارتفاع أسعار الوقود يعني أن الشركات ستحمِّل المستهلك هذه الزيادة، أما الضرائب على الأرباح فلا يتحملها سوى صاحب الشركة وحده. وهذا الاحتجاج الذي انتوى "ديجبي جونز" تشكيله كمضاد للاحتجاج ضد ارتفاع ضرائب الوقود، كان المزمع له أن يضم أرباب صناعة السيارات، وشركات النقل وقطاعات عديدة إلى جانب اتحاد الصناعات، لكنه انسحب عقب معارضة شركات النفط الكبرى الأعضاء في اتحاد الصناعات لهذه الخطوة.
وبمراجعة التحليلات التي عُرضت للوبي رفض زيادة ضرائب الوقود نجد أن قادته كانوا ذوي توجه اشتراكي، وهو يناقض الدعاية السياسية لحكومة حزب العمال التي تؤكد أن هذه الاحتجاجات محاولة يمينية لإعداد انقلاب سياسي على حكومة حزب العمال. فخلال الأزمة في آخر سبتمبر كان قادة الاحتجاج قد أعلنوا أن أجندتهم السياسية تتضمن دعم أية احتجاجات تعارض الأجندة السياسية الاقتصادية الاجتماعية لحزب العمال، والمقصود هنا بطبيعة الحال أنماط تحالفاتهم الطبقية مع الشركات الكبرى، وهذا الدعم أعلنه لوبي رفض زيادة ضرائب الوقود أنه يرجع إلى سياسات هذا الحزب الاقتصادية، وكذا مصالح رجاله الاقتصادية، فهذه السياسات وتلك المصالح وسَّعت الفجوة بين الأثرياء والفقراء في بريطانيا، وهذا الأمر يدعم تحليل سياسة حزب العمال في إطار محاولاته إعادة رسم تحالفاته الطبقية، ويمكن تفسير ذلك بطبيعة الحال بسبب بقائه حكومة ظل لفترة قاربت العشرين عامًا.
والواقع أن حزب العمال كان حازمًا في رسم خطة تحالفاته الاجتماعية الجديدة؛ لدرجة أن بعض المراقبين الخبراء في علم الاجتماع وصف سياسة بلير من إعادة توزيع الثروة في بريطانيا من جانب الطبقة العالمة لصالح الطبقة العليا.
سؤال للمناقشة
إذا كانت الضرائب المفروضة على الوقود نوعًا من أنواع حماية صناعة مصادر وليدة للطاقة.. فلماذا لا تلجأ الدول العربية لمنظمة التجارة العالمية لحسم هذا الوضع؟ ألا يندرج النفط ضمن بنود التجارة العالمية أم أن الدول الأوروبية سترفض مثل هذا الطرح؟ أم أن تعلق الأمر بالبيئة سيجعل له مردودات أخرى؟ أم لم تقف الدول العربية بعد على تلك الدلالة؟ أم أن تصوير أوروبا لهذا الأمر باعتباره سياسة داخلية سيحول دون تدويله؟ إنها فقط أسئلة تثار للمناقشة.
وأخيرًا هل ينفذ لوبي رفض ارتفاع ضرائب الوقود تهديده بتوسيع نطاق الاحتجاج؟ أم أن تحالف الطبقة العليا والنخبة الحاكمة في بريطانيا سيقضي على تعهده بذلك؟
|