English

 

السبت. يوليو. 13, 2002

نماء » قضايا اقتصادية » الخليج العربي

 
   
روابط من إسلام أون لاين

مصطافون "درجة ثانية!"

نبيل المازني

مركب لمصطافين في النيل

القاهرة- عندما تدق الساعة الثامنة مساءً وبالتحديد عقب أذان المغرب مباشرة يتوافد آلاف المواطنين من مختلف أحياء القاهرة الكبرى في مصر على كورنيش نهر النيل ابتداء من حلوان جنوباً وحتى القناطر الخيرية لينعموا بالماء والخضرة ووجه النيل الحسن.. وتستمر سهراتهم وتجمعاتهم حتى أذان الفجر.. وهذا كله بدون رسوم لدخول الشواطئ أو تذاكر قطار تستنزف مرتب أي موظف أيا كان دخله، أو توفير 600 جنيه ( الدولار = 4.65 جنيهات تقريبا) مقابل إيجار شقة متواضعة لمدة أسبوع واحد فقط في أحد المصايف!!

فلم يجد الفقراء ومحدودو الدخل أمامهم سوى شاطئ نهر النيل ليصنعوا لأنفسهم مصايف من الدرجة الثانية وبالمجان، بعد أن قضت الدروس الخصوصية وكروت الموبايل على كل ما في جيوبهم.. لكن السؤال لماذا تعمقت هذه الظاهرة في القاهرة.. وما هي أبرز مظاهرها.. وماذا يقول الفقراء أنفسهم عنها؟ وكيف لا تستفيد الدولة من هذه الظاهرة في تنشيط السياحة الداخلية في ظل تقلب أعداد السياحة الوافدة من الخارج بتقليل أسعار المصايف لجذب هذه الشريحة العريضة من الفقراء؟

الفقراء والأزمة

تمر مصر منذ أكثر من عقد بأزمة اقتصادية طاحنة وصلت بنسبة الفقراء إلى 45 % حسب الأرقام المستقلة للمنظمات الأهلية بينما المؤشرات الرسمية تشير إلى أن هناك تضخيما لهذه النسبة وأن نسبة الفقراء لا تتجاوز 20 % من الشعب المصري طبقا لدراسة أعدها الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء في عام 2001. وحد الفقر هو حصول الشخص على دولار يوميا أي 30 دولار شهريا (150 جنيه مصري إذا حسبنا أن سعر الدولار يساوي 5 جنيهات تقريبا في السوق السوداء).

وخلافا لنسبة الفقراء فإن نسبة الطبقة المتوسطة قد تصل وفقا لبعض تقديرات البعض إلى أربعين في المائة وهي تضم شرائح الموظفين والمحامين وأصحاب المهن الأخرى. وهؤلاء يقاومون حتى لا يسقطوا في مستنقع الفقر بتقليص نفقاتهم إلى أقصى حد ليحافظوا على مستوياتهم المعيشية.

وهكذا فنسبة كبيرة من المصريين قد تصل تقريبا إلى 80 % لا يستطيعون الذهاب إلى مناطق، مثل: مارينا، والغردقة، والساحل الشمالي، وشرم الشيخ، فقضاء ليلة واحدة على سبيل المثال في إحدى فنادق شرم الشيخ قد يتكلف من 250 – 300 جنيه.

البديل لدى شرائح الطبقة المتوسطة هو الذهاب لمصايف، مثل: بلطيم، وفايد، ورأس البر، حيث يتكلف الأسبوع الواحد ما بين 500 - 1000 جنيه، لكن الشرائح الفقيرة التي لا تستطيع دفع هذا المبلغ في العادة، وتلجأ إلى ما يسمى بصيف اليوم الواحد الذي يتكلف ما بين 100 –150 جنيها إذا كانت أسرة مكونة من أربعة أفراد شاملة مصاريف دخول المصيف والأكل.

وحتى صيف اليوم الواحد ربما يكون صعبا مع ارتفاع فاتورة الدروس الخصوصية التي تأكل من ميزانية الأسر المصرية أكثر من 12 مليار جنيه، كما يقول د. حمدي عبد العظيم نائب رئيس أكاديمية السادات للعلوم الإدارية.

النيل.. هو الملاذ

ورغم الظروف السابقة لم يستسلم فقراء مصر لظروفهم المادية التي تحول دون اصطيافهم فكانت الكباري العلوية على نهر النيل هي البديل المناسب، والتاريخ يقول إنه حتى نهاية القرن الثامن عشر كان النيل هو المصيف الرئيسي لكل المصريين، وكانت عائلات أسرة مؤسس مصر الحديثة محمد علي يسبحون في أماكن منعزلة من النيل.. ويقول المقريزي: "ليس في أنهار الدنيا نهر يسمى بحرا غير نيل مصر وذلك لكبره واستبحاره"، وهكذا تحول النيل مسرحا للهروب من الحر.

ويأتي كوبري المنيب على النيل في مقدمة الكباري التي يفترشها أكبر عدد من الناس في ليالي الصيف الحارة، حيث يتناولون طعامهم ويقضون سهرات عائلية جميلة. ويقول أحمد حسين من سكان محافظة الجيزة: إني أفضل قضاء الليل أنا وأسرتي فوق هذا الكوبري لنشم هواء نهر النيل، ونستمتع بالخضرة ففي هذا المناخ الحار جدًّا لا نستطيع البقاء في المنزل الضيق، ولا نستطيع دخول حديقة أو شاطئا؛ لأن هذا الأمر مكلف جدًّا خاصة أن عدد أفراد أسرتي يصل إلى ثمانية؛ ولذا فالكوبري هو الحل الوحيد أمامنا طالما لا نستطيع الذهاب إلى المصيف

ويشير محمد عزام (مدرس) إلى أنه في الماضي كانت الأسرة تقوم بعمل جمعية، وأكثر استعداداً لحجز أسبوع لقضاء الصيف في أحد الشواطئ المصرية، ولكن يتم توجيه ما ندخره ونحصل عليه من الجمعية في مواجهة الدروس الخصوصية أو دفع مصاريف المدارس.

لقـاء العائـلات

وعلى كوبري 6 أكتوبر فوق النيل يلتقي العديد من العائلات في لقاءات شبه يومية طوال ليالي الصيف، ويرى حسنين عمران أن الناس لجأت للنيل للتحايل على الظروف الصعبة التي تواجهها فالمنازل لا تطاق والمراوح لا فائدة ترجى منها، وعدد قليل من الناس هو الذي يملك القدرة على شراء تكييف والقلة القليلة هي القادرة هذه الأيام على الذهاب للشواطئ المصرية في شرم الشيخ والغردقة والساحل الشمالي؛ لذلك تحايل الناس على ظروفهم وجاءوا إلى الكباري العلوية وكورنيش النيل كبديل مؤقت للمصيف حتى يتمكن الإنسان من جمع الأموال اللازمة لقضاء مصيف حقيقي.

أفراح وأعياد

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156214997
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic
نيل مصر..مصيف الفقراء
لم يكتف الناس بالجلوس وقضاء ليالي الصيف بل إن البعض منهم يقيم حفلة خطوبته وزفافه وعيد ميلاد أعلى الكوبري.. وفي أي ساعة من ساعات الليل تسير فوق كوبري روض الفرج ستجد سيدات وأطفالا ورجالا.. وهناك الباعة الجائلون يحتلون الأماكن المتميزة خاصة باعة الذرة والحمص والشاي والمثلجات.

ويقول عصام الحسن (محاسب): أسكن في الوراق، وحضرت مع ابن خالتي الذي يحتفل بعيد ميلاده اليوم.. وفضل إقامته هنا بين أفراد أسرته.. ولم يتكلف سوى ثمن التورتة فقط حوالي 50 جنيهاً.. بينما عندما ذهبت معه أول أمس إلى أحد المطاعم القريبة لحجز مكان له وجدنا أنها ستكلفه أضعاف أضعاف هذا المبلغ".

مقاطعة.. مقاطعة

ويشير أحد زملائه محمد رأفت إلى أهمية قضاء بعض الليالي على كورنيش النيل وكوبري روض الفرج، ويقول: عندما ذهبت إلى العجمي خلال العام الماضي لقضاء أيام على الشاطئ وبحثت عن شقة لأستأجرها خلال شهر أغسطس فوجئت بأن إيجار الشقة لمدة يوم حوالي 100 جنيه، ولن ينخفض هذا الرقم إلى آخر شهر سبتمبر، وهذا يعني أنه إذا أردت أن أقضي عشرة أيام فعلي أن أدفع ألف جنيه، ولذلك بحثت عن شقة بعيدة عن البحر بسعر أقل ونظراً لأنها كانت بعيدة عن المياه، ولأنها شديدة الحرارة فلم أتحمل قضاء عشرة أيام فيها وتركتها بعد خمسة أيام وقررت مقاطعة المصايف أو التحدث عنها مع الأسرة قبل أن تكون الفلوس جاهزة في جيبي.. وحتى يحين هذا الموعد فإن كورنيش نهر النيل وكوبري روض الفرج هما أفضل مكان في الدنيا.

مركب بجنيه

أمام مبنى اتحاد الإذاعة والتليفزيون وعلى كورنيش نهر النيل يتجمع آلاف البشر من مختلف الأعمار، يمر بينهم مجموعة من الشباب وهم يقولون: "اللفة بجنيه واحد فقط"، وقد وجدتها أنا فرصة جيدة للاستمتاع بمياه نهر النيل، وعندما نزلت وجدت أكثر من 30 مركبا يقومون بعمل جولات سياحية جماعية لا يتحمل الفرد فيها أكثر من جنيه واحد فقط ، في حين أنه لو أراد عمل نفس الشيء في الساحل الشمالي مثلاً فسيتكلف أكثر من 30 جنيها.

ويقول شكري حلمي "مراكبي": نحن ننتظر شهور يونيو ويوليو وأغسطس بفارغ الصبر لأن الكورنيش يزدحم بالناس لقضاء ليالي الصيف، خاصة بعد ارتفاع أسعار المصايف مؤخراً.. ونحن نساعد الناس في الاستمتاع بالصيف وبنهر النيل وبأسعار زهيدة جدًّا تناسب الظروف المادية الصعبة لكثير من الأسر، ويمكن أن نقول إن كل شيء "ببلاش" على نهر النيل.

السياحة الداخلية

هروب الناس من المصايف يمثل مشكلة حقيقية لا بد من إيجاد حل، خاصة أنها تؤثر بلا شك على الحركة الاقتصادية للدولة، بالإضافة إلى أنها يمكن أن تنقذ النشاط السياحي في حالة حدوث أي متغيرات خارجية تتسبب في الحد من السياحة الأجنبية كما حدث عقب أحداث 11 سبتمبر من العام الماضي.

ويقول محمد رفعت "خبير سياحي": هناك أكثر من 2.2 مليون أسرة مصرية تعتمد على النشاط السياحي كمصدر أساسي للدخل.. وعندما يهرب الناس من الشواطئ نتيجة الارتفاع الجنوني في الأسعار فإن ذلك يمثل مشكلة اقتصادية كبيرة لأكثر من 10 ملايين مواطن.. لذلك يجب على الدولة أن تتدخل وبسرعة من أجل عودة المصطافين للشواطئ مرة أخرى مع الاهتمام بتنشيط السياحة الداخلية التي يضم سوقها أكثر من 60 مليون مواطن.

ويتفق أحمد النحاس الخبير السياحي ورئيس غرفة الفنادق بالغرفة التجارية مع هذا الكلام فيقول: يجب أن يتم التركيز على تشجيع نوعين من السياحة وهما: السياحة العربية، والسياحة الداخلية، خاصة أن السياحة الداخلية هي التي أنقذت الموسم السياحي الماضي في شرم الشيخ والأقصر وأسوان، ومن الملاحظ أن الرحلات الجماعية تزيد حجم الإشغالات بنسبة 85 %.

حرق الأسعار

المستشار وحيد رحمي رئيس جمعية مستثمري البحر الأحمر يؤكد على ضرورة توفير شواطئ وبلاجات تناسب جميع الدخول والطبقات، حتى تعود السياحة الأجنبية لمستواها السابق، بالإضافة إلى ضرورة توقف بعض المنشآت السياحية عن سياسة حرق الأسعار، حيث يقومون بتحديد سعر الليلة للأجنبي بأقل من نصف ما يدفع المصري؛ مما يؤذي السياحة الداخلية، ويهدد مستقبلها بدليل عزوف عدد كبير من الناس عن الذهاب لهذه الأماكن السياحية الشهيرة.

ويدافع عادل عبد العزيز رئيس هيئة تنشيط السياحة عن سياسة وزارة السياحة فيقول: بلغت نسبة التراجع في السياحة الدولية الوافدة إلى مصر عقب أحداث 11 سبتمبر الماضي 18 % مقارنة بشهر سبتمبر 2000، ورغم ارتفاع هذه النسبة فإن مصر تعد من أقل الدول تأثراً بهذه الأحداث. وقد اتجهت الوزارة لتنشيط السياحة الداخلية لأكثر من سبب أهمها:

1- ربط المواطن المصري بتراثه وتاريخه، وزيادة الوعي السياحي، وتشغيل الطاقات الفندقية، سواء كان ذلك في أوقات الأزمات أو في عيرهـا.. وفى هذا الإطار قامت شركة مصر للطيران بتخفيض التذاكر بنسبة 15 % للمصريين على الطيران الداخلي، مع منح أقصى تخفيضات ممكنة لأسعار الفنادق، وتم التنسيق مع وزارة التربية والتعليم ووزارة الشباب والرياضة لعمل رحلات جماعية.

2- جدولة ديون الفنادق ذات النجمة الواحدة والنجمتين ومساعدة المستثمرين الصغار على بناء هذه النوعية من الفنادق لأنها هي المطلوبة.

3- اتخـاذ كافة الوسائل الكفيلة بتنشيط السياحة الداخلية والعربية التي نتج عنهـا تنشيط 72 صناعة أخرى ترتبط بها.

شرم الشيخ.. الأولى

وفى النهاية يقول د.ممدوح البلتاجي وزير السياحة أن دخل مصر من السياحة خلال العام المالي 2000 / 2001 قد بلغ 4.3 مليار دولار، والتقارير الصادرة من البنك المركزي المصري تؤكد أن عائد السياحة سوف يرتفع قليلاً، وقد شهدت حركة السياحة زيادة ملحوظة ليصل عدد السائحين أكثر من 5.5 مليون سائح خلال عام 2001 / 2002، وخلال العام الماضي 2001 زار مدينة شرم الشيخ وحدها 1.2 مليون سائح، وقضوا فيها 6.4 مليون ليلة سياحية، بما يوازي نحو 35 % من دخل مصر السياحي.. من بين هؤلاء السياح 80 % أجانب، 12% مصريون، 8 % عرب، وقد تم اختيارها كأحسن مدينة للسلام على مستوى العالم.

واختتم د. البلتاجي كلامه قائلاً: ستستمر الوزارة في اتخاذ العديد من الإجراءات الكفيلة بتوفير مصيف ومكان يستمتع به المواطن المصري أيا كان دخله.

وإنا لمنتظرون، ومعنا مصطافو الدرجة الثانية.. 


  كاتب مصري

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم