|
بقدر ما قد تنطوي المقاطعة الاقتصادية للسلع الأجنبية على فوائد سياسية ملموسة، فإنها تنطوي في نفس الوقت على مخاطر كبيرة إن لم تتم وفقا لرؤية تحدد الهدف منها، ولكيفية تحقيق الهدف بأكبر المكاسب وأقل الخسائر.
وأحسب أنه عند البحث في هذه القضية التي لا ينبغي التعامل معها بخفة يجب أن تثار الأسئلة الرئيسية المتعلقة بها على نحو صحيح. وأعتقد أن هذه الأسئلة وإجاباتها عليها تخليص هذا الموضوع من جوانب اللبس الذي يحيط به.
وعلى ذلك فإن الأسئلة الأولية تتركز في ثلاثة أسئلة رئيسية يمكن إجمالها باختصار على النحو التالي:
السؤال الأول: لماذا نقاطع البضائع والسلع والخدمات الأجنبية؟
السؤال الثاني: كيف تتم هذه المقاطعة؟
السؤال الثالث: ماذا نقاطع؟
العربة قبل الحصان
وقبل محاولة تلمس سبل الإجابة على هذه الأسئلة أوضّح أنني طرحتها على هذا النحو لأننا غالبا ما نضع العربة قبل الحصان لننطلق فورا وبشكل غير مدروس إلى محاولة الإجابة على السؤال الثالث دون طرح السؤالين الأولين، مع أنهما أكثر أهمية.
وغالبا ما يطرح السؤال الثالث وتتم الإجابة عليه في عجلة -من باب حسن النوايا- رغبة في الفاعلية والعمل السريع؛ ردا على ما تمر به المنطقة من أحداث.
ويبدو لي أن ذلك هو الخطأ الأول في تصور طبيعة الصراع والأوضاع العالمية والإقليمية وعلى رأسها قضية الصراع العربي- الإسرائيلي، إذ إن تلك العجلة في وضع "ماذا نقاطع؟" في المقدمة تَصعد وتخبو مع تطور الأحداث في المنطقة أو في العالم، دون إدراك أن الصراع يحتاج إلى النفَس الطويل والفاعلية المؤثرة في الخصوم على نحو يثنيهم عن التفكير أساسا في الإقدام على ما يضر بنا، أو التفكير طويلا قبل الإقدام على ذلك.
وبمعنى آخر فإننا نحتاج إلى أن نرسم سياستنا للمقاطعة على أساس التفكير في الفعل المؤثر، وليس بناء على سياسة رد الفعل للأحداث التي نمر بها.
ووفقا لهذه الرؤية فإنني أحاول في هذا المقال الاجتهاد في الإجابة على الأسئلة الثلاثة المطروحة بالترتيب المعروض؛ لأنه – كما أعتقد – السبيل الأكثر فاعلية وتأثيرا، علاوة على تمهيده الطريق أمام تكوين إستراتيجية ورؤية منطلقة من الرغبة في الفعل وليست رد فعل مؤقتا للأحداث.
لماذا نقاطع؟
ومن ثم فإن السؤال الأول هو: لماذا نقاطع؟
والإجابة في واقع الأمر تدور حول هدفين رئيسيين:
الهدف الأول هو محاولة الإجهاز على – أو تقليص - مكاسب الخصوم المباشرين من السوق العربية في الوقت الذي يُقدِمون فيه على إنكار كافة ما لدول وشعوب هذه المنطقة من حقوق، ومحاولة الإضرار بهذه الدول والشعوب، سواء بشكل مباشر وهمجي كما يحدث في الأراضي الفلسطينية المحتلة، أو بشكل غير مباشر عن طريق حرمان دول وشعوب المنطقة من التطور الاقتصادي، والتفكير في أن تكون المنطقة هي المجال الحيوي لإسرائيل المتقدمة وحدها اقتصاديا وتكنولوجيا في وسط محيط عربي يتخصص في المواد الأولية أو السلع الزراعية أو السلع المصنعة التي تقع على أولى درجات سلم التصنيع.
ومن هنا فالهدف المباشر هو جعل الخصوم يدركون أنه لا يمكنهم أن يحققوا مكاسب من أسواق المنطقة بناء على ما يخططون له من أهداف، سواء أكانت تلك الأهداف المباشرة بالافتئات على الحقوق العربية، أو الأهداف غير المباشرة بجعل قضية تطورهم وتقدمهم الاقتصادي مستندة على الأسواق الواسعة التي توفرها المنطقة لهم.
أما الهدف الثاني فهو محاولة إجبار مَن يدعمون إسرائيل سياسيا واقتصاديا - وعلى رأس هؤلاء بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية - على التفكير طويلا قبل تقديم هذا الدعم.
والمقاطعة هنا تهدف إلى حرمان الشركات الأمريكية من المكاسب التي تحققها في الأسواق العربية، بحيث تدرك أنها لا بد أن تضغط على الإدارة لتبني سياسة أكثر توازنا وأقل انحيازا لإسرائيل، في معالجتها لقضية الصراع العربي الإسرائيلي؛ لما لذلك من انعكاسات مهمة على عمل الشركات الأمريكية وأرباحها التي تؤثر في أعداد كبيرة من المواطنين الأمريكيين، بل وفي الاقتصاد الأمريكي ككل. وهو ليس بأمر هين ولا يجوز التقليل من شأنه بناءً على ما شهده الاقتصاد الأمريكي ذاته خلال العام الماضي.
فقد بدأ تدهور الاقتصاد الأمريكي - في واقع الأمر - منذ نهاية عام 2000، وليس بتأثير أحداث 11 سبتمبر وحدها؛ إذ أدى النمو الأكثر بطؤا خلال عام 2000 في دخول الأفراد الأمريكيين وثرواتهم إلى توفير دعم أقل للاستهلاك في عام 2001 مقارنة بالسنوات السابقة. فقد ارتفع الدخل الفردي القابل للتصرف فيه بنحو 2.25% في عام 2000 بعد أن حقق نموا يزيد على 3% في عام 1999. وكان ذلك نتيجة لأن الدخل الفردي القابل للتصرف فيه لم يرتفع بالقيمة الاسمية (أي قبل حساب أثر التضخم) بنفس النسبة التي ارتفع بها عام 1999، ومع إضافة التآكل في هذا الدخل نتيجة لارتفاع الأسعار فإن نسبة أكبر من هذا الدخل تم اقتطاعها مقارنة بعام 1999.
وإضافة إلى ذلك فإن الثروة الصافية للقطاع العائلي تقلصت في عام 2000 بعد الزيادات الكبيرة التي حققتها لعدة أعوام متتالية، حيث إن أثر التدهور في سوق الأوراق المالية كان كبيرا، إذ أدت القفزات والزيادات المتوالية في قيمة الأسهم والسندات في السنوات السابقة وخلال عام 2000 إلى زيادة ثروات الأفراد وهو ما كان يدفعهم إلى المزيد من الاستهلاك، واستمر ذلك في ممارسة أثره الإيجابي على الإنفاق الاستهلاكي للأفراد لعدة أشهر بعد بلوغ أسعار الأوراق المالية أعلى سعر وصلت إليه.
لكن مع مضيّ الوقت بدأت سوق الأوراق المالية في الهبوط في أواخر عام 2000، وقد أدى ذلك بدوره إلى تحول أثر الثروة إلى ممارسة تأثير سلبي على الإنفاق الاستهلاكي للمواطنين الأمريكيين.
ويبلغ الإنفاق الاستهلاكي للمواطنين الأمريكيين نحو ثلثي حجم الناتج المحلي الأمريكي، لذا فإن أي انخفاض في هذا الإنفاق ينعكس فورا على معدلات النمو المحققة. ويكون التأثير – حينئذ - أوسع نطاقا بكثير من مجرد التأثير على أرباح شركات أمريكية، خاصة العملاقة منها الدولية النشاط، بل قد ينتهي الأمر بالتأثير في عدد كبير من المواطنين الأمريكيين وفي وتيرة النشاط الاقتصادي الأمريكي ككل، بشكل يجعل الإدارة تفكر مليًّا قبل رسم سياستها في معالجة الصراع العربي الإسرائيلي.
وهذا كله رهن بالفاعلية في هذه المقاطعة، وهو ما يمكن أن توضحه الإجابة على السؤال الثاني:
كيف نقاطع؟
وأعتقد بداية هنا أن الإجابة على هذا السؤال هي كما يقال مربط الفرس؛ إذ بدونها يضيع الهدف وتقل الفاعلية ونصبح كمن يحرث في الماء.
فمن الصحيح، بل والواجب، أن تستند جهود المقاطعة على المجتمع المدني أو الأهلي بالأساس دون انتظار كبير لمواقف حكومية قد تكبلها العديد من القيود في التعامل الخارجي مع الدول الأخرى.. لكن الاستناد إلى المجتمع المدني لا يعني الفوضى، ولا يعني ترك الأمور لكي يحددها كل من هب ودب بصفته من الفاعلين في المجتمع المدني، إذ تختلط هنا الأمور بالأبعاد الشخصية والمصالح الخاصة بحيث قد تبدو رغبة البعض في تصفية الحسابات مع المنافسين في الأسواق مرتدية لرداء الوطنية بالدعوة لمقاطعة هذه أو تلك من السلع أو الشركات، على الرغم من أثرها المحدود أو عدم فاعليتها، وذلك كله تحت لافتة الدعوى إلى مناصرة القضية الفلسطينية.
قيادة أهلية للمقاطعة
وقضية أن المقاطعة ينبغي أن يأخذ لواءها المجتمع المدني لا تعني أن أي جمعية - صغيرة أو كبيرة، بل أحيانا مجموعة أشخاص يُعدون على أصابع اليد الواحدة - تصبح هي الفيصل في تحديد "ماذا نقاطع؟" و"إلى متى؟".
فالمقاطعة - كغيرها من القضايا المرتبطة بالصراع العربي الإسرائيلي - هي جزء من حربٍ طويلة الأمد، ولعمري فلم أر في حياتي حربا يمكن الانتصار فيها دون قيادة تتمتع بسلامة البصر والبصيرة، ودون هيئة أركان يمكنها أن تدير الحرب أو المعركة يوميا على أرض الواقع، لتحدد أين ومتى يتم حشد القوات؟ وأين ومتى يفضّل التراجع أو الانسحاب التكتيكي أو الإستراتيجي؟
إذن، فمن المطلوب بداهة أن تنظَّم جهود المقاطعة للمجتمع الأهلي بتبني دعوة إلى إنشاء لجنة قومية لهذه المقاطعة تتمتع بالمصداقية وتمثل كافة الأقطار العربية والفاعلين في المجتمع الأهلي العربي.
وهيئة أركان هذه اللجنة ينبغي أن تتشكل من متخصصين على مستوى عالٍ من الكفاءة لكي تدرس ملف الواردات العربية سلعة سلعة، خاصة تلك الواردة من الولايات المتحدة الأمريكية أو المنتجة بتصريح من شركة أمريكية، لتقرر ما هو أولى بالمقاطعة من غيره، وتوضح المكاسب التي يمكن أن تنجم عن هذه المقاطعة، وتحاول تقليص حجم الخسائر التي يمكن أن تلحق بالمواطن العربي - وهي لا شك حادثة - إلى حدودها الدنيا، إذ تظل هناك وجاهة لبعض الاعتراضات التي يطرحها البعض من أن هناك أضرارا لا بد أن تقع بالدعوة إلى مقاطعة العديد من السلع التي تُنتج تحت لافتة علامة تجارية ما، مع أن كافة المواد الأولية الداخلة في إنتاج هذه السلع هي محلية الصنع ويتم توظيف العديد من المواطنين العرب في هذه المشروعات، ومن ثم فإن الضرر هنا متبادل، أي إننا نضر أنفسنا في الوقت الذي نحاول فيه الإضرار بالخصوم. وليست هذه دعوة لليأس، بل إنها دعوة إلى أن يكون التفكير العلمي الصحيح هو سبيل طرح القضايا، سواء على مستوى الدولة أو على مستوى المجتمع المدني.
ومن ثم فإن هيئة الأركان المختصة قد توضح أن سلعة ما هي الأَوْلى بالمقاطعة؛ لأنها الأكثر تأثيرا في أرباح شركة ما عوضا عن شركة أخرى، أو توضيح أنه يمكن مقاطعة سلعة أخرى لأن القيمة المضافة فيها محليا أقل بكثير مما يحققه منها الخصوم من مكاسب.
وقد لا يكون هناك مفر في بعض الأحيان من إعلان مقاطعة سلعة أو شركة ما على الرغم من الضرر الذي قد يلحق بنا، إذا ما كان التقدير هو أن الضرر الذي قد يلحق بالخصوم ويدفعهم إلى تغيير مواقفهم هو أكبر بكثير من الضرر الواقع بنا.
غاية القول هو أنه بدلا من تلك القوائم العديدة التي تعرضها بعض الجمعيات أو النقابات لتبني دعوى المقاطعة ينبغي أن تكون هناك قائمة تعدها هيئة الأركان في ضوء الرؤية السياسية العامة لقيادة لجنة المقاطعة، وقد تكون هذه القائمة مختصرة أو مطولة في ضوء الأهداف التي نتوخاها من المقاطعة، ولمدة قد تطول أو تقصر تبعا لتحقق الهدف من إعلان المقاطعة.
ماذا نقاطع؟
نأتي للسؤال الثالث: ماذا نقاطع؟
والواقع أن الإجابة هنا أضحت واضحة، فعلى جانب المقاطعة لإسرائيل ينبغي – طبعا وعلى الفور - مقاطعة كافة البضائع والسلع والخدمات الإسرائيلية.
ونحتاج هنا إلى أن تحدد هيئة الأركان قائمة بكافة السلع الإسرائيلية أو ذات المنشأ الإسرائيلي التي تتخذ لافتة صنع في بلد آخر لكي تمرر إلى السوق العربية، وهو ما يحتاج إلى جهد ليس بالقليل أيضا، بحيث تتمتع هذه القائمة بصفة الشمول لكي تقطع الطريق على بعض الشائعات التي تروّج حول سلع معينة باعتبارها إسرائيلية المنشأ، وقد لا تكون في واقع الأمر كذلك، وهو ما قد يشكل ضررا ببعض الأطراف التي قد يكون موقفها من الصراع ليس سيئا فينقلها من خانة المناصرين للعرب أو المتوازنين في رؤيتهم إلى خانة الذين قد يأخذون موقفا معاديا أو متحفظا تجاه المصالح والحقوق العربية.
أما بشأن السلع والشركات الأجنبية - خاصة الأمريكية - فنحن هنا بانتظار جهد كبير وبحث مضنٍ في سبيل الوصول للفاعلية والتأثير الصحيح دون إلحاق ضرر بالمصالح والمواطنين العرب أنفسهم.
خبير اقتصادي بمركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، وقد قام خلال عام 2005 بجولة صحفية في عدد من دول أمريكا اللاتينية، والتقى عددا كبيرا من المسئولين الرسميين في هذه الدول.
|