|
|
| إسرائيل اخترقت المقاطعة في الغرب
|
لم تقف إسرائيل مكتوفة الأيدي أمام الخسائر المتراكمة التي تكبدتها بسبب المقاطعة العربية التي بلغت حوالي 90 مليار دولار حتى بداية عام 2000؛ فقد تنبهت لذلك مبكرا، وحاولت بكل السبل اختراق جدار المقاطعة بشتى السبل، خاصة من خلال إصدار واستصدار تشريعات مضادة لهذه المقاطعة، خاصة من الدول الغربية.
وتسعى السطور القادمة لرصد تشريعات بعض الدول الغربية التي تحظر المقاطعة الاقتصادية ضد إسرائيل والسبل المطروحة لمواجهتها عربيا.
تجسس اقتصادي
بدأت إسرائيل حملتها ضد المقاطعة العربية منذ عام 1960؛ حيث قامت بإنشاء إدارة تابعة لوزارة خارجيتها هدفها الرئيسي متابعة نشاط هذه المقاطعة، وشن حملة إعلامية مضادة على الصعيد الدولي.
ثم تطور عمل هذه الإدارة ليركز على جمع المعلومات عن الشركات الدولية التي تتعامل مع الدول العربية، وتذعن لشروط المقاطعة العربية ضد إسرائيل، والقيام باتخاذ إجراءات ضد هذه الشركات، مثل مقاطعتها من جانب إسرائيل، أو الدعوة لمقاطعتها من جانب اليهود في جميع أنحاء العالم.
وقد درجت هذه الإدارة على إصدار قوائم سوداء لهذه الشركات وللسلع التي تقوم بإنتاجها، ودعوة اليهود في كل أنحاء العالم لمقاطعتها، وكل هذه إجراءات مضادة لإجراءات المقاطعة العربية ضد إسرائيل.
والأمر الجدير بالرصد هنا أن عمل هذه الإدارة تطور ليركز على التجسس الاقتصادي على الدول العربية، وعلى جمع المعلومات الاقتصادية عن هذه الدول؛ وذلك لتحديد المداخل التي يمكن من خلالها إضعاف هذه الاقتصادات أو اختراقها، وكثيرًا ما كانت هذه الإدارة -وما زالت- تقوم بحملات ترويج مضادة للمنتجات العربية لدى أهم الشركاء التجاريين للدول العربية؛ فتعمل على تشويه جودة هذه المنتجات وآثارها على البيئة، واستخدام الأطفال في صناعتها، وعدم مراعاة معايير الصحة عند إنتاجها…
ويمكن القول بأن هذه الإدارة كانت -وما زالت- تدير الحرب الاقتصادية ضد الدول العربية بما فيها الحرب ضد المقاطعة العربية.
وإلى جانب ما سبق، فقد دأبت المؤتمرات الصهيونية منذ عام 1964 على دعوة الهيئات الاقتصادية والاجتماعية لليهود في جميع بلدان العالم لاتخاذ إجراءات مضادة للمقاطعة العربية لإسرائيل، وقد أنشأت معظم هذه الهيئات بداخلها وحدات لمناهضة المقاطعة العربية لإسرائيل، ومنها -على سبيل المثال- المؤتمر اليهودي العالمي الذي عُقد في سويسرا في أبريل 2001، والذي وصف المقاطعة العربية ضد إسرائيل بأنها "الإجراء الأكثر خبثًا في معاداة إسرائيل".
على أية حال فإن إسرائيل بدأت عملية اختراق جدار المقاطعة العربية من خلال آلة الإعلام ومن خلال التجسس الاقتصادي ضد العرب.
لكن الأخطر من ذلك هو توظيف إسرائيل للإعلام والتجسس الاقتصادي لاستصدار تشريعات مناهضة للمقاطعة في الدول الغربية.
الاختراق القانوني
من جهة أخرى تحركت إسرائيل للضغط على مواقع صنع القرار في كل من الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وهولندا وألمانيا؛ لدفعها لاستصدار تشريعات مضادة للمقاطعة العربية، تتضمن عقوبات زجرية لمن يستجيب لهذه المقاطعة سواء من المؤسسات أو الأفراد.
ويمكن أن نرصد أهم التشريعات التي صدرت في الدول الغربية والتي تجرم المقاطعة العربية لإسرائيل، وتعاقب من يذعن لشروطها في الآتي:
التشريعات الأمريكية:
تتمثل أهم هذه التشريعات في الولايات المتحدة الأمريكية في التعديل الذي أُدخل على قانون الإصلاح الضريبي عام 1975، حيث نص هذا التعديل على حرمان الشركات الأمريكية التي تستجيب لشروط المقاطعة العربية لإسرائيل من مزايا الإعفاء أو التأجيل الضريبي، وهو الذي عُرف بـ"تعديل ريبكوف". وكذلك أدخلت بعض التعديلات على قانون الصادرات الأمريكي في عام 1975 أيضًا، وهو التعديل الذي ألزم الشركات والمؤسسات الأمريكية بالإبلاغ عن جميع الطلبات التي ترد إليها من الدول العربية بشأن الاستجابة لأحكام المقاطعة العربية لإسرائيل، وأن تكشف عما إذا كانت ستستجيب لهذه الطلبات أم لا.
وفي عام 1978 صدر تشريع يمنع أي شخص في الولايات المتحدة في مجال نشاطه التجاري مع أي جهة أجنبية من أن يتخذ أو يوافق على القيام بأي أعمال بقصد الاستجابة للمقاطعة المفروضة ضد دولة صديقة للولايات المتحدة.
كما ألزم هذا التشريع الأفراد بالإبلاغ عن أي أفراد أو جهات أخرى تتجاوب مع المقاطعة ضد إسرائيل.
التشريعات الكندية:
في عام 1976 صدرت بيانات عن كل من وزير الخارجية والبرلمان والحكومة في كندا تحمل معنى واحدًا، وهو أن كندا لا توافق على المقاطعة، وأنها ستقطع أي معونة عن أي شركة تلتزم بأحكام المقاطعة العربية، وأنها لن تجدد أي عقود مع شركات تتعاون مع الدول العربية في مقاطعة إسرائيل، وقد تلا ذلك صدور القانون رقم 112 عام 1978، الذي نص على منع التمييز الاقتصادي على أساس العقيدة أو اللون أو الجنس أو بلد المنشأ.
كما ألزم هذا القانون الأفراد والشركات بعدم الإبلاغ عن أي فرد يتعاون اقتصاديًا مع إسرائيل إلى الدول العربية، وأن يقوم بالإبلاغ عن أي أفراد أو شركات تلتزم بأحكام المقاطعة العربية لإسرائيل، ولقد ذهب التشريع الكندي إلى أبعد من ذلك؛ حيث أبطل العقود التي تبرم على أساس الالتزام بأحكام المقاطعة، وقرر تعويضا يقوم بدفعه الفرد أو الشركة المخالفة.
التشريعات الفرنسية:
أقر البرلمان الفرنسي في يونيو 1977 عقوبات ضد أي شخص أو شركة تقوم بعمليات المقاطعة في مجال الأعمال التجارية، وهو ما عُرف بـ"تشريع كمبريدج"، كما أكدت فرنسا في علاقاتها مع الدول العربية -خاصة في شمال أفريقيا- على عدم تضمين المبادلات التجارية مع فرنسا أو مؤسساتها أو رعاياها أيَّ تمييز بما فيه المقاطعة مهما كانت الأسباب.
التشريعات الهولندية:
مرت هذه التشريعات المضادة للمقاطعة العربية لإسرائيل بثلاث مراحل:
الأولى: قيام مجلس النواب بإجراء تحقيق حول المقاطعة العربية لإسرائيل، وإنشاء لجنة خاصة في هذا الشأن. وقد جاء ذلك بعد أن قام مركز التوثيق الإسرائيلي في لاهاي بنشر كتاب أطلق عليه "الكتاب الأسود" تضمّن قائمة بالشركات الهولندية التي استجابت لأحكام المقاطعة العربية لإسرائيل.
ثم كانت المرحلة الثانية التي تتضمن مطالبة الحكومة بإعداد تشريع لتجريم التجاوب مع أحكام المقاطعة، ومعاقبة الشركات التي تذعن لهذه الأحكام في عقودها مع الدول العربية.
وأخيرًا كانت المرحلة الثالثة؛ حيث صدر هذا التشريع في عام 1981.
التشريعات الألمانية:
صدر في عام 1993 قانون ألماني يحظر على المقيمين في البلاد القيام بإعطاء أي بيانات تخدم المقاطعة أو المشاركة في مقاطعة دولة ما، كما يحظر هذا القانون على الشركات الوطنية أو العاملة في ألمانيا أن تبرم عقودًا مع الدول العربية يكون من ضمن شروطها مقاطعة إسرائيل أو تقديم معلومات عن المتعاملين مع إسرائيل في المجالات الاقتصادية.
الملاحظ من استعراض هذه التشريعات المناهضة للمقاطعة العربية لإسرائيل أنها تصب في اتجاه واحد، وهو تجريم هذه المقاطعة، وإسقاط قناع الشرعية من عليها؛ باعتبارها إجراء عدوانيا أو عنصرية المضمون.
وأخطر ما في هذه التشريعات أنها خلقت مناخًا عالميًا معارضًا -ومضطرا أحيانًا- لرفض المقاطعة العربية لإسرائيل؛ ليس لعدم الإيمان بعدالتها، وإنما خوفًا من الأضرار التي ستلحق بمن يلتزم بأحكام هذه المقاطعة.
كما أن الأمر الأخطر أن هذه التشريعات لم تمنع الشركات الأجنبية من الالتزام أو الإذعان لأحكام المقاطعة العربية فقط، بل إنها حرمت الشركات العربية والعرب المقيمين في تلك الدول أن يلتزموا بأحكام المقاطعة ضد إسرائيل، وعرضتهم للعقوبة إذا فعلوا ذلك.. وبالتالي فإن هذه التشريعات تمكنت من اختراق جدار المقاطعة العربية بدرجة كبيرة.
وثيقة غير يهودية
وأخطر ما نتج عن هذه التشريعات هو طمس منشأ السلعة، ومنع الإفصاح عما إذا كانت إسرائيلية أو يدخل بها مواد إسرائيلية؛ وذلك لأن جميع هذه الدول أجبرت الأفراد والشركات بها على عدم الإجابة عن الأسئلة التي تطرحها الدول والشركات العربية لمعرفة منشأ السلعة؛ حيث إن التعليمات الإدارية في هذه الدول الغربية تمنع الآتي:
- الإفصاح عما إذا كان صاحب رأس المال أو التاجر يهوديا أم لا.
- الكشف عما إذا كانت السلعة تحتوي على مواد أولية صنعت في إسرائيل أم لا.
- الإدلاء بأي معلومات عن أفراد أو شركات تتعاون مع إسرائيل ماليًا أو اقتصاديًا أو بأي شكل آخر.
ولما كان القطاع الخاص هو المسيطر في هذه الدول فإن الحكومات حظرت على الغرف التجارية في هذه الدول أن تعتمد أي وثائق وأي شهادات للمنشأ تخالف التعليمات السابقة، أو تجيب عن أسئلة لها علاقة بالمقاطعة ضد إسرائيل.. وبالتالي فإن العقود التي تلتزم بأحكام المقاطعة لن يكتب لها النفاذ في ظل هذه الإجراءات.
إعادة ترميم الجدار
ليس أمام الدول العربية سوى إعادة سد الثغرات التي نجحت إسرائيل في إحداثها في جدار المقاطعة العربية، ولن يتم ذلك إلا باستخدام نفس المواد التي استخدمتها إسرائيل، وهي الإعلام والتشريع؛ حيث يجب أن يقوم الإعلام العربي بالتركيز على نشر الجرائم الإسرائيلية للرأي العام العالمي، وكذلك التركيز على تصحيح المفاهيم والأهداف الخاصة بالمقاطعة الاقتصادية، وأنها تنطلق من مبدأ الدفاع عن النفس، ولا تقوم على أساس عنصري أو ديني أو عرقي، وأنها لا تهدف إلى مجرد الإضرار بالشعب الإسرائيلي أو اليهود، وإنما تهدف إلى إلزام إسرائيل بالشرعية الدولية.
كما ينبغي على الجهات الرسمية العربية -من حكومات وبرلمانات- أن تضغط بقوة على الجهات التشريعية في الدول الغربية لإلغاء التشريعات المناهضة للمقاطعة الاقتصادية لإسرائيل؛ لأنها لا تقوم على معايير صحيحة، كما أنها تجور على حق العرب في الدفاع عن النفس المكفول لهم، وفقًا لميثاق الأمم المتحدة، ومنها حق المقاطعة.
وما لم يتم إلغاء هذه التشريعات المناهضة للمقاطعة العربية لإسرائيل فستظل الثغرات مفتوحة في جدار هذه المقاطعة، وربما تتسع أكثر لينهار هذا الجدار، وعندها فقط لن يبقى من المقاطعة العربية لإسرائيل سوى أطلالها.
باحث اقتصادي
|