English

 

السبت. يونيو. 15, 2002

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

كيف تقاوم الدولار؟

مغاوري شلبي

Image

القاهرة- وسط هدير حملة المقاطعة العربية للمنتجات الأمريكية، بدت هناك أصوات خافتة تنادي بمقاطعة الدولار الأمريكي، أو على الأقل تقليل الاعتماد عليه في الدول العربية، واستبداله باليورو الأوربي الذي يشهد استقرارا في الأسواق الدولية مقابل تراجع الدولار.

وليست حملة المقاطعة وحدها هي باعثة فكرة مقاطعة الدولار باليورو، فالعديد من دول العالم بما فيها الدول العربية تفكر في هذا الأمر منذ زمن طويل لتلافي مخاطر تقلبات أسعار صرف العملات التي ترتبط بالدولار، وقد بدأت بعض الدول تزيد نسبة اليورو في سلة العملات التي تتكون منها احتياطياتها الرسمية، إلى جانب ذلك كانت هناك تجربة العراق في الاستغناء التام عن الدولار والتحول إلى اليورو.

ومن الاستفهامات التي تطرح نفسها في هذا السياق: هل يمكن للعرب أن يقاوموا الدولار الأمريكي ويقاطعوه؟ وما مدى تأثير ذلك؟ وهل يمكن أن يحل اليورو محل الدولار؟

أسباب قوة الدولار

يمكن للعرب أن يستخدموا الدولار في حملة المقاطعة ضد إسرائيل وأمريكا، ولكن يجب أن يقوم ذلك على فهم الأسباب التي يستمد منها الدولار الأمريكي قوته في العالم، حتى يمكن العمل على ضربها إذا كان ذلك في متناول العرب.

ومن أهم الأسباب التي تمد الدولار بالقوة:

- الحجم الضخم لتدفق الاستثمارات والأموال الأجنبية إلى الأسواق الأمريكية، حيث استقطبت دولة الدولار حوالي 20% من تدفقات رؤوس الأموال في العالم عام 1992، وهو ما دفع الدولار للاتجاه نحو الصعود أمام معظم العملات بحوالي 25% ابتداءً من عام 1995. ولكن التراجع الذي بدأ يشهده الدولار بداية من عام 1999 لم يستمر طويلا؛ لأن الولايات المتحدة تمكنت من استقطاب حوالي 64% من إجمالي تدفقات رؤوس الأموال العالمية بمبلغ يصل إلى 288 مليار دولار في هذا العام طبقا لإحصاءات صندوق النقد الدولي 2000.

وتراهن الولايات المتحدة حاليا على هذه التدفقات للتغلب على التراجع الحالي للدولار، وعلى تفاقم العجز في الميزان التجاري الأمريكي.

- استخدام الدولار كعملة احتياط دولية لدى غالبية دول العالم، وهو الأمر الذي يزيد الطلب دائمًا على الدولار، ويدعم استقراره أمام العملات الأخرى، مثل اليورو والين، هذا إلى جانب دور الدولار كعملة للودائع، أو لتسوية المعاملات التجارية الدولية.

والجدول التالي يوضّح موقف الدولار أمام اليورو في هذه المجالات 

العملة

نسبة المساهمة في تسويق التجارة الدولية

نسبة المساهمة في الودائع المصرفية

نسبة المساهمة في الاحتياطيات الدولية

الدولار

50%

75%

60%

اليورو

35%

25%

20%

المصدر تقرير IFS الصادر عن صندوق النقد الدولي 2001.

كيف نقاطع؟

يمكن القول إن أي محاولة للتأثير على الدولار يجب أن تنطلق من العاملين السابقين لقوة الدولار، وهما عاملان للعرب المقدرة على التأثير فيهما -إذا أرادوا- ومن ثم التأثير على قوة الدولار ودولة الدولار، ولكن كيف؟

الإجابة تتضح من خلال الآتي:

أولاً- بالنسبة لمدخل تدفق رؤوس الأموال إلى أسواق أمريكا:

لا شك أن المسؤول عن استخدام هذا المدخل هو الحكومات العربية، وكذلك المستثمرون العرب في الولايات المتحدة، فحجم الاستثمارات العربية بالخارج يصل إلى حوالي 800 مليار دولار، أغلبها في الولايات المتحدة (حسب بيانات المؤسسة العربية لضمان الاستثمارات بالكويت).

كما تشير تقديرات المؤسسة العربية أيضا إلى أن حجم الاستثمارات الخليجية فقط في الولايات المتحدة يُقدر بحوالي 260 مليار دولار، وهذا يعني أن إقدام الحكومات العربية والمستثمرين على التوقف الفوري عن ضخّ أموال جديدة إلى الأسواق الأمريكية في شكل استثمارات، والبدء في سحب المبالغ المتراكمة من البنوك والأسواق الأمريكية.. أمر بات مطلوبًا، وهو ما يتطلب موقفا عربيا جماعيا على المستوى الحكومي، كما يتطلب اقتناع المستثمرين العرب بأهمية اتخاذهم قرار نقل أموالهم من البنوك والأسواق الأمريكية إلى البنوك والأسواق العربية.

والملاحظ أن هناك عوامل تشجعُ على اتخاذ هذا القرار على المستوى السياسي وعلى مستوى رجال الأعمال العرب، من أهمها الظروف الصعبة والتعقيدات الراهنة التي تحيط الآن بالعلاقات العربية الأمريكية، خاصة بالنسبة للصراع العربي الإسرائيلي، وتراجع جاذبية الاستثمارات في الأسواق الأمريكية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، ووجود العديد من عوامل الطرد للأموال العربية منها، وربما كانت هذه العوامل مشجعة على عدم ضخ أموال عربية جديدة إلى البنوك والأسواق الأمريكية.

لكن تظل هناك العديد من القيود التي تحول دون تمكّن العرب من سحب أموالهم دفعة واحدة، فمن المعروف أن الولايات المتحدة لديها من القوانين والإجراءات التي يمكنها من خلالها فرض قيود صارمة على حركة الأموال العربية، كمنع أي خطر يهدد عملتها أو اقتصادها، ومن الواضح أن الولايات المتحدة تدرك ذلك تمامًا، ولذا فقد ضغطت بعد أحداث 11 سبتمبر لمنع خروج هذه الأموال، أو توجهها إلى الأسواق العربية.

وجاء في هذا السياق الضغوط على الدول العربية لإصدار تشريعات لمنع غسيل الأموال لتخويف المستثمرين من نقل أموالهم إلى الدول العربية، ولكن مع ذلك تبقى هناك مساحة للتحرك أمام الدول العربية عن طريق التوقف عن ضخ أي أموال جديدة إلى البنوك والأسواق الأمريكية، والقيام بالسحب التدريجي للأموال المتراكمة في السابق على أن يتم ذلك بناء على خطة مدروسة.

  ثانيًا- بالنسبة لمدخل استخدام الدولار من جانب الدول العربية:

 
فهو لا يأتي على وتيرة واحدة ويضم داخله عددا من المداخل الفرعية، حيث إن استخدام العرب للدولار يتم للأغراض التالية:

1- الدولار كعملة لتسوية المعاملات التجارية: وفي هذه الخصوص لا يمكن للدول العربية أن تقاطع الدولار تماما إلا إذا استغنت تماما عن السلع الأمريكية؛ لأنه يستخدم لسداد فاتورة الطلب العربي على هذه السلع، فإذا أراد العرب مقاطعة استخدام هذه العملة في مجال التجارة الخارجية تماما فعليهم مقاطعة البضائع الأمريكية تماما، وعندها لن يحتاجوا إلى الدولار لتسوية معاملاتهم التجارية مع العالم الخارجي، ولأن الاستغناء العربي التام عن المنتجات الأمريكية ليس واردًا بصورة مطلقة فإن تقليل الواردات من هذه المنتجات سيقلل من الاعتماد على الدولار.

إلى جانب ذلك كانت الدول العربية مطالبة بأن تدفع فاتورة وارداتها من الدول الأخرى غير الولايات المتحدة بعملات أخرى غير الدولار؛ لأنه ليس من المعقول أن ننادي بمقاطعة الدولار في حين تقوم الدول العربية بتسوية تعاملاتها التجارية البينية بالدولار، أو أن تدفع فاتورة وارداتها من الاتحاد الأوربي بالدولار.

ولكن الفرصة متاحة حاليا لاستخدام الدينار العربي الحسابي في تسوية المعاملات العربية (الدينار وحدة حسابية يتم بها تسوية المعاملات العربية، وهي متوسط سلة العملات العربية)، واستخدام اليورو في تسوية المعاملات مع العالم الخارجي باستثناء الولايات المتحدة الأمريكية، وعندها سيقتصر استخدام العرب للدولار على حوالي 11% فقط لتسوية نسبة تجارتهم الخارجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، طبقا للتقرير الاقتصادي العربي 2000، وهذا سيساهم في تراجع نسبة مساهمة الدولار في تسوية المعاملات التجارية الدولية لصالح اليورو، وهو ما سيؤثر على المكانة الاقتصادية لدولة الدولار في العالم.  

2- الدولار والودائع والقروض المصرفية: لقد زاد استخدام الدولار كعملة للودائع والقروض المصرفية في بعض الدول العربية لدرجة زادت فيها التخوفات من ظاهرة الدولرة (وهي إحلال العملة الأمريكية محل العملة الوطنية في التعاملات). ولكن الدول العربية التي عانت من هذه الظاهرة تنبهت لخطورتها، وقامت بالتغلب عليها من خلال جعل سعر الفائدة على العملة المحلية أكبر من سعر الفائدة على الدولار، وهو ما جعل أصحاب الودائع يحولون أموالهم من الدولار إلى العملة المحلية، ومن الممكن استخدام نفس السياسة حاليا لتقليل الودائع بالدولار في البنوك العربية إلى أقل حد ممكن.

ويمكن كذلك رفع سعر الفائدة على الودائع باليورو التي بدأ استحداثها في الدول العربية لتحقيق نفس الغرض والتحول من الدولار إلى اليورو في مجال الودائع والقروض المصرفية، وهذا سوف يؤدي إلى تراجع نسبة مساهمة الدولار دوليا في الودائع والقروض المصرفية لصالح اليورو.

3- استخدام الدولار في الاحتياطيات الرسمية:

وفقا للتقرير الاقتصادي العربي الموحد لعام 2000 يبلغ إجمالي حجم الاحتياطيات الرسمية للدول العربية - باستثناء العراق والصومال - حوالي 84.163 مليار دولار أمريكي، والملاحظ أن هذا الإجمالي - باستثناء الذهب - وأن الجزء الأعظم منه محتفَظ به بالدولار الأمريكي.

ورغم أن الهدف من احتفاظ البنوك المركزية العربية بهذه الاحتياطيات كدليل على الجدارة الائتمانية للدولة فإن الاحتفاظ بها في شكل دولارات يعرّض هذه الدول العربية لمشاكل كثيرة أهمها أزمات سعر الصرف للعملات العربية التي تنتج عن تقلبات الدولار، ولذلك فإن قيام هذه الدول بتنويع هذه الاحتياطيات لتعبر عن نسبة تجارتها الخارجية مع الكتل النقدية المختلفة أصبح أمرا مطلوبا سواء في ظل تفعيل المقاطعة أو في غيابها.

ولذلك قد يكون من الأفضل أن تتنوع الاحتياطيات العربية لتكون نسبة حوالي 11% منها فقط في صورة دولارات، والباقي منها باليورو (حوالي 45%)، والين (19%)، وهذه النسب تعادل التعاملات التجارية التي تتم بالفعل مع الدول والمناطق الممثلة لهذه العملات، وهي الولايات المتحدة وأوربا واليابان، وذلك طبقا لإحصاءات التقرير الاقتصادي العربي 2000، ولا شك أن هذا التنوع سيؤثر على نسبة استخدام الدولار كعملة للاحتياط دوليًّا، وذلك لصالح اليورو، كما أن ذلك سيجنب الدول العربية التأثر بأي تذبذبات يتعرض لها الدولار، وأي صدمات اقتصادية يتعرض لها اقتصاد دولة الدولار، كما يجنبها أيضا المشاكل المزمنة والمتكررة لأسعار صرف عملاتها الوطنية.

وهنا يكون المسؤول الأول عن استخدام هذا الإجراء ضد الدولار هو الحكومات العربية وبالتحديد السلطات النقدية الممثلة في البنوك المركزية العربية. وطبقا للتقرير الاقتصادي العربي 2000 فإن أكبر الدول التي تمتلك احتياطيات من الدولار هي:  السعودية (17 مليار دولار) ومصر (14 مليار دولار) والإمارات (10.9 مليارات دولار) تليها ليبيا (6.45 مليارات دولار) والمغرب (5.7 مليارات دولار).  

والخلاصة أن الدول العربية لديها إمكانية لمقاطعة الدولار الأمريكي بطرق اقتصادية مدروسة، وسيكون من المستبعَد وصفها بأنها طرق أو إجراءات عدوانية ضد دولة الدولار؛ لأنها من الممكن أن تأتي في سياق إصلاح السياسات الاقتصادية في البلاد العربية دون الحاجة إلى أن نصِفها بأنها إجراءات للمقاطعة.

ولأن تحليلنا السابق يقوم على كثير من التبسيط والتجريد فقد يكون هناك العديد من الاختلافات معه، خاصة من هؤلاء الذين يعتقدون باستحالة الاستغناء عن الدولار في ظل النظام النقدي الراهن.. لكن على من يؤيدون أو يعارضون مقاطعة الدولار أن ينطلقوا في إصدار حكمهم من الآتي:

- أن أي قرار للمقاطعة سواء أكان للسلع أو للعملة الأمريكية لا بد أن يكون له بعض الآثار الجانبية، ولكن يجب أن نقرر: "هل نريد أن نأكل الكعكة أم نحافظ عليها؟" لأنك لن تستطيع أن تحقق كلا الأمرين معًا.

- أن العملة في أي دولة سواء أكانت محلية أو أجنبية لا تكتسب قوة الإبراء إلا بقبول السلطة الرسمية لها، أي أن الدولار ليس مفروضا عليها من الخارج وإنما نحن الذين نعطيه هذه القوة بقبولنا بل وتفضيلنا الزائد له.


  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم