|
لم يكن الرجل يعلم أن كل طفل إفريقي يولد اليوم وهو مدين بحوالي 350 دولارًا للدول الغربية. و مع ذلك لما سأله صاحبه: أنت في حاجة هذا الشهر لاثني عشر درهمًا، ودخلك لن يزيد على عشرة فقط، فلمَ لا تقترض درهمين؟! أجاب الرجل: إن فعلت واقترضت فسأعتاد على ذلك، وفي الشهر المقبل أحتاج لاقتراض درهمين لحاجتي، ودرهمين آخرين لسداد ديوني القديمة.. وهكذا يتضاعف ديني حتى يغرقني.
وقال الرجل أيضًا: خير لي أن أقتصد في حاجتي وأدبر حالي هذا الشهر بثمانية دراهم، فإن تجدد عندي الاحتياج الشهر المقبل لدرهمين وجدتهما، وإن لم يتجدد فقط وفرت أربعة دراهم للمستقبل المجهول!.
وقعت هذه القصة قبل سنوات طويلة من إعلان الرئيس الأمريكي نيكسون في مطلع السبعينيات ليبرالية حركة الرأسمال في البلدان النامية الأمر الذى سمح بتدفق الأموال الأمريكية إلى الدول النامية، والتي كانت تعاني في ذلك الوقت من أزمات نقدية نتيجة تضاعف أسعار النفط بطريقة مدهشة في سنوات قليلة، وأصبحت الديون كالورم الخبيث الذي ينتشر ويتضاعف باندفاع شديد في جسد تلك الدول؛ حيث يبدأ الأمر بقرض صغير لا يفي إلا بأغراض الاستهلاك مصحوبًا بسعر الفائدة المرتفعة وفترة السداد القصيرة، ويأخذ وضعه عند فرض الفوائد المركبة كعقاب للتأخر في السداد، ويتمكن بذلك من الجسد، وتظهر أعراضه على التوالي.
ويكفي أن نذكر أنه مع مرور الوقت تراكمت ديون ضخمة على قرابة 58 دولة من الدول النامية تضاعفت من 600 مليون دولار عام 1980م إلى 2.2 تريليون دولار العام الماضي (وفق تقرير صندوق النقد)، وقد غدا شبه مستحيل أن تسدد هذه الدول ديونها، أو أن تسدد ما يُسمى بخدمة هذه الديون، على الرغم من أنه تحت هذا الاسم تدفع الدول الفقيرة يوميًا قرابة 700 مليون دولار أي ما يعادل 500 ألف دولار في الدقيقة.
وهكذا فإن الورم أصبح شبحًا يهدد مستقبل هذه الدول لا لأنه يمثل عبئاً اقتصادياً يؤثر على النمو فحسب؛ وإنما لأنه اليد الموجوعة التي تضغط عليها الدول الدائنة بقوة حين تريد التدخل في شئون الدولة المدينة، ليس فقط اقتصاديا، وإنما يمتد التدخل ليصل لكيان الدولة ككل.
وما أحداث تيمور منا ببعيد؟ فعلى الرغم من أن الرئيس الإندونيسي أكد أكثر من مرة أن إندونيسيا قادرة على السيطرة بنفسها على الأوضاع في تيمور إلا أنه ما إن هدد الرئيس الأمريكي بوقف المساعدات الاقتصادية لإندونيسيا وبتدمير انتعاشها الاقتصادي -إذا لم توافق على نشر قوات دولية لحفظ السلام في تيمور الشرقية، وما صاحب ذلك من تجميد لقروض البنك الدولي لاحقًا بصندوق النقد الدولي- حتى رضخت إندونيسيا، والتي تبلغ ديونها 199 مليار دولار، ووافقت على إرسال قوات حفظ السلام للإقليم.
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156210229 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
| |
والمثير للدهشة أن الذي أصدر هذا التهديد رئيس لأكبر دولة مدينة في العالم، فجملة الديون الأمريكية تبلغ حوالي 4.3 تريليون دولار، وهو ما يعادل 2.22 ضعف حجم ديون ما تسمى بدول العالم الثالث مجتمعة. فخلال الفترة ما بين 1972م وحتى 1992م اقترضت دول العالم الثالث مجتمعة ما يقرب من 1.935 تريليون دولار، وبلغ مجموع ما سددته من أقساط وفوائد عن هذا الدين خلال نفس الفترة تقريبًا 2.237 تريليون دولار!.
ورغم ذلك ما زالت مديونة بنحو 1.7 تريليون دولار!! ولنا إذن أن نتخيل كمّ وكيف الفوائد التي تفرضها الدول المانحة حتى تجعل الدول المدينة -وبعد عشرين عامًا من الاستنزاف الاقتصادي- تسدّد القرض مرتين، ومع ذلك ما تزال تحمله كما هو.
ومرت معظم هذه الدول بظروف اقتصادية قاسية نتيجة خروجها الحديث نسبيًا من حقبة زمنية عاشتها في ظل الاستعمار ثم جاء الكساد العالمي الذي ساد العالم في الثمانينيات ولم تجد صادرات هذه الدول من يشتريها؛ وهو الأمر الذي أضعف من قدرتها على سداد ديونها القديمة بل تطلب اقتراض مبالغ إضافية لتسديد تلك الديون.
الفساد والفشل
ولكن: إذا كانت تلك أسباباً وأوضاعاً خارجة عن إرادتها فهناك أسباب أخرى من صنع أيديها، منها الفساد وخطط التنمية الفاشلة التي إن لم تكن ناتجة عن هذا الفساد فستكون ناتجة عن شروط الدول المانحة إما بشكل مباشر أو عن طريق قرارات وخطط صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وبالطبع لم يكن تسهيل الحصول على القروض من قبل اليد الخبيثة من باب الإحسان، ولكنه من باب اليقين بأن ذلك سيثير ذوي النفوس الضعيفة ليقوموا بنهب واختلاس ما تطوله أيديهم؛ كما حدث في الفلبين عندما نهب الديكتاتور فريناندو ماركوس أكثر من 15 مليار دولار من خزانة الدولة ورفع من حجم الديون المستحقة على بلاده من 2.3 مليار دولار عام 1970 إلى أكثر من 35 مليار دولار حتى الآن، وفي البرازيل وعند إنشاء سد إيتابو والذي كانت تكلفته المبدئية حوالي مليار دولار، تعدت تكلفة الإنشاء 25 مليار دولار وهو ما أدى إلى تراكم مديونيات بلغت حتى الآن ما يقرب من 180 مليار دولار، وقد وافق صندوق النقد الدولي في نهاية العام الماضي على إقراضها نحو 43 مليار دولار لتصل بذلك ديونها إلى نحو 223 دولار!!.
وعلى الحدود بين الأرجنتين والمكسيك قام الفرنسيون والإيطاليون بتمويل سد (ريوبارنا) بقرض قدره 1.5 مليار دولار في عام 1978، ولكن تم إنهاء هذا السد بتكلفة قدرها 15 مليار دولار. وفي تقريرها الأخير أشارت مؤسسة مورجان مورانتر المالية الأمريكية إلى اختفاء مبلغ 189 مليار دولار من 18 بلدًا ناميًا في سنة واحدة مع العثور على 31 مليار دولار منه في حسابات سرية في البنوك السويسرية والأمريكية.
وليس الاختلاس هو وجه الفساد الوحيد هنا، فإنه حتى إذا تم استخدام هذه القروض بالكامل لإقامة مشروعات ففي غالب الأحيان توجه هذه القروض نحو مشروعات ترفيهية غير إنتاجية مما يتعارض والهدف من تقديم هذه القروض، وفي العام الماضي اتهمت صحيفة (صنداي تايمز) البريطانية الاتحاد الأوربي بإساءة استخدام المساعدات المخصصة للفلسطينيين الفقراء؛ واستخدامها في بناء فيلات فاخرة على الطراز الإيطالي، وأضافت الصحيفة في تقريرها أن 90% من هذه الفيلات التي بناها الاتحاد الأوروبي قد منحت لأنصار عرفات العائدين الذين كانوا يقيمون في المنفى معه ويخدمون في إدارته، وأشارت إلى أن بريطانيا ساهمت بمليوني جنيه إسترليني من هذا المبلغ الذي كان مخصصًا لبناء مساكن اقتصادية للمحتاجين في مناطق قطاع غزة والضفة الغربية الخاضعة للسلطة الفلسطينية، ولكن بدلاً من ذلك تم إنفاق هذه الأموال وفقًا لتقرير مالي سري للاتحاد الأوروبي في بناء فيلات فاخرة. وقد جاء هذا التقرير الصحفي قبل يومين فقط من انتقال عرفات إلى أمريكا ليحصل منها على مساعدات؛ ويتعهد في المقابل لممثلي الشركات الأمريكية بانتهاج سياسة الخصخصة "وكأن الأراضي استردت لإعادة بيعها" وإطلاق حرية القطاع الخاص بشكل كامل!وبلغت قيمة المساعدات الأمريكية للفلسطينيين 500 مليون دولار في الفترة من 1993-1998.
إن مجرد لفظ الدول المانحة يوحي بأن هذه الدول تهب وتمنح لا لشيء إلا لعمل الخير، في الوقت الذي ينطق فيه الواقع بأن هذه الدول مقابل كل دولار تدفعه باليمين تأخذ 3 دولارات باليسار، والواقع يقول: إنها تفعل ذلك لزيادة نفوذها، ولتمتص أقوات الضعفاء، ومن خير الأمثال على ذلك موقف فرنسا من إفريقية، ففرنسا تعد على رأس الدول المانحة لإفريقيا فقد بلغت قيمة المساعدات الفرنسية لإفريقيا عام 1997 حوالي 7.18 مليار فرنك فرنسي أي ما يعادل 49% من مجمل المساعدات الفرنسية الخارجية، وهذا بالطبع ليس محاولة لتكفير ذنب استعمارها لكثير من دول هذه القارة ونهب خيراتها، وإنما لتكثيف النفوذ بها وخوفاً من أن تسبقها الولايات المتحدة الأمريكية في الفوز بالأسواق الإفريقية، باعتبارها أسواقاً واعدة قوامها 700 مليون مستهلك يمثلون خمس سكان العالم، والواقع يقول: إن هذه الدول المانحة هي ذاتها الدول التي تستورد السلع الأولية من البلدان النامية بأسعار منخفضة للغاية ثم تعيد تصديرها إليها بعد تصنيعها بأسعار مرتفعة جدًا، وتحرص أن تكون لها اليد العليا في تحديد هذه الأسعار إما مباشرة أو عن طريق شركاتها العابرة القارات.
وإذا كان بدهياً ألا تُمنح القروض إلا بضمانات فإن الضمان الوحيد الذي تحصل عليه هذه الدول المانحة من الدول المدينة أن هذه الديون تحرمها من حرية اعتماد سياسيات سليمة لنموها وتنميتها
|