English

 

الجمعة. يوليو. 12, 2002

نماء » قضايا اقتصادية » مصر والسودان

 
   
روابط من إسلام أون لاين

صناعة "يوليو".. تجميعية

عبد الناصر وآمال صناعية لم تكتمل
عبد الناصر وآمال صناعية لم تكتمل

ظل حلم إقامة مجتمع صناعي متقدم يراود الحكومات المصرية على اختلاف توجهاتها الأيدلوجية منذ مطلع القرن الماضي وحتى الآن . ورغم الجهود التي بذلت في هذا السياق فإن ثمة خللا جعل نمو الصناعة الوطنية بطيئا، علاوة على عدم استطاعتها الدخول في مجالات تكنولوجية ومعلوماتية تتناسب مع التطورات المتلاحقة، خاصة ونحن في مطلع القرن الحادي والعشرين.

ولا شك أن هذا الخلل يعود في الأساس إلى تراكمات في الرؤية لعملية التصنيع في العقود الماضية، وخاصة في فترتي ما قبل وبعد ثورة يوليو 52 .. وهذا ما تسعى السطور القادمة إلى كشفه.

تصنيع قبل الثورة

رغم كافة الجهود التي بذلت لتشجيع الصناعة في مصر منذ العشرينيات مع التجربة الرائدة لبنك مصر، ومحاولة بعض حكومات ما قبل الثورة دفع النشاط الصناعي عن طريق توفير الحماية الجمركية لهذا النشاط، وخاصة بدءا من عام 1930، فإن مشاركة الصناعة في الناتج القومي الإجمالي المصري لم تكن تزيد على 15%، ولم تكن تؤمن فرص العمل إلا لنحو 10% من قوة العمل الإجمالية.

والأمر الخطير هو أن الإنتاج الصناعي المصري لم يظهر أي ميل نحو الارتفاع خلال الفترة من 1950-1952، ولذا فقد ظلت الصناعة المصرية وبعد عقدين من التطور لا تمثل إلا شطرا صغيرا من الإنتاج وفرص العمل الإجماليين في مصر. ولم يكن معدل الزيادة في الإنتاج الصناعي كافيا للخلاص من الجمود في معدل إنتاجية الفرد في الزراعة، ولتأمين التقدم الفعلي لمصر. وكان الإبطاء في التصنيع بعد عام 1949 نذيرا سيئا لمجتمع فقير يعتمد اعتمادا واضحا على فكرة التصنيع كحل لمشكلاته الاقتصادية.

ولم يكن الركود الذي عانت منه الصناعة المصرية بين عامي 1950 و1952 أمرا عارضا ومؤقتا، بل كان يشير إلى انتهاء مرحلة في تصنيع مصر، حيث كانت المشروعات المحلية ولمدة عقدين كاملين مدعومة بالتعريفات الجمركية وأوضاع الحرب التي وفرت فرصة للنمو بانقطاع الواردات من الخارج، ومنشغلة تمام الانشغال في سد المتطلبات الجماهيرية من السلع الاستهلاكية بدلا من تلك التي كان يتم استيرادها.

 وكانت الصناعات التي شهدت نموا سريعا هي تلك الصناعات التي تحظى البلاد بمقوماتها الأساسية نسبيا، ولا سيما في شكل مواد زراعية أولية كالقطن والمواد الغذائية، أو في شكل مواد معدنية أو منجمية لازمة لتصنيع بعض المنتجات مثل الملح والصودا والإسمنت.

وآثر رجال الأعمال في العهد الملكي إنتاج السلع التي لا تتطلب إلا رؤوس أموال قليلة، والتي ليس هناك تعقيد في أساليبها وطرقها الإنتاجية. وهكذا كان لدى مصر في عام 1950 هيكل صناعي تسيطر عليه صناعة السلع الاستهلاكية البسيطة.

وكان الإحلال محل الواردات من السلع الاستهلاكية البسيطة قد اكتمل في الواقع مع عام 1950. ولم يكن في الإمكان تحقيق المزيد من النمو في معدلات إنتاج المواد الغذائية والمنسوجات بعد هذا التاريخ، إلا بأحد سبيلين: أولهما أن يتسارع الطلب على السلع المصنوعة في السوق المحلي، مع تحقيق تحسن كبير في كفاءة وفاعلية الاستخدام الصناعي، وثانيهما تحقيق زيادات ملموسة في التصدير.

 ولكن لم تكن هناك آمال كبيرة في التوسع عن طريق تحقيق زيادة في الطلب المحلي. وحيث إن الصناعة كانت لا تؤلف إلا قطاعا صغيرا في اقتصاد البلاد، فإن الآثار المضاعفة للاستثمارات الصناعية على مجمل الطلب على السلع المصنعة ظلت محدودة، كما ظلت الأسواق الكبرى المحتملة في المناطق الريفية خاملة، حيث إن إنتاجية الفرد في المجال الزراعي ظلت جامدة، وهو ما جعل من المستبعد تحقيق المزيد من توجه الدخول الريفية للمنتجات المصنعة، كما لم يكن من المنتظر تحقيق زيادات في الدخول الفعلية في المناطق الريفية إلا عن طريق ارتفاع أسعار القطن في الأسواق العالمية، أو عن طريق ارتفاع أسرع في أسعار السلع الزراعية بوجه عام يتجاوز الارتفاع في أسعار السلع الصناعية. وبينما كان من المتوقع تحقيق بعض الزيادة في الميل لاستهلاك السلع الصناعية مع تزايد الهجرة من الريف للمدينة، فإن هذه الزيادة في الطلب كانت في الغالب أقل من نسبة تزايد السكان، مع تركيز إنفاق الأسر على استهلاك مواد الاستهلاك الأساسية، لا سيما المواد الغذائية.

أما بالنسبة للتصدير فلم يكن هناك توسع سريع في الطلب على المنسوجات والمواد الغذائية المعلبة، يضاف إلى هذا أن المنتجات المصرية لم تكن تحظى في وجه منافسة قوية للغاية بأي ميزات من ناحية السعر أو الجودة يجعلها تجتذب أعدادا كبيرة من المشترين الأجانب. وكان ما يباع في الأسواق الأجنبية يقل عن 10% من جملة الإنتاج الصناعي؛ ولذا كان واضحا أنه لم يكن هناك أمل جدي في تحقيق تنمية سريعة للصناعة المصرية عن طريق التوسع في الأسواق العالمية.

إضافة إلى ذلك فإن الصفة الاحتكارية كانت لصيقة بالصناعة المصرية: في صناعة السكر والإسمنت والتقطير والأسمدة الكيماوية. ولكنها كانت بارزة على نحو أخص في مجموعة الشركات الصناعية التي أنشأها بنك مصر من خلال سيطرته على هذه الشركات التي أصبحت العمود الفقري للاقتصاد كله. وادعى الصناعيون من جانبهم كالعادة أنهم خاضعون للبيروقراطية والضرائب المفرطة، وأنهم يفتقرون للحماية الكافية من المنافسة الأجنبية.

وتعرضت الحكومة لنقد عنيف بسبب عجزها عن فهم مشاكل الصناعة. وطالب عدد من الكتاب الاقتصاديين بسياسة حكومية أكثر إيجابية للعمل على تشجيع التصنيع في مصر. ولذا فإن الدعوة إلى مزيد من تدخل الحكومة جاءت في وقت كانت فيه الدولة -تحت ضغط الحرب ودورة الكساد الاقتصادي- تعدّل من سياساتها القائمة على أساس الاقتصاد الحر في عدد من المجالات المهمة، وتطلعت للعب دور أكثر إيجابية في مجال الإنتاج، خاصة الصناعي.

تصنيع ثورة يوليو

جاءت العديد من خطب قادة يوليو وبياناتهم لتبين أنهم كانوا على وعي كامل بحاجة البلاد إلى التصنيع. ولقد تركز تأكيدهم على ضرورة تقديم العون للصناعة وتمكينها من التوسع، وتقديم كافة الحوافز للاستثمارات الخاصة للقيام بالاستثمار في المؤسسات الصناعية.

وكان المستثمرون يضمون عددا من الأجانب إلى جانب المصريين، وعمد الضباط الأحرار رغبة منهم في اجتذاب رؤوس الأموال الخاصة من الخارج، إلى عكس سياسة التمصير التي كان العهد الملكي قد اتبعها -في حدود- خلال السنوات الأخيرة، فقد سمح نظام يوليو للمساهمين الأجانب بامتلاك حصة غالبية الأسهم في أي شركة محلية والسيطرة عليها. وذلك بعد أن كان القانون 138 لسنة 1947 قد نص على تخصيص ما لا يقل عن 51% من أسهم أي شركة مصرية للمصريين، ثم جاء القانون الجديد الذي صدر في شهر يوليو 1952 ليخصص 49% فقط من أسهم أي شركة للمصريين، ثم اشترط أنه في حالة عدم تغطية المساهمين المصريين للحصة المقررة لهم من الأسهم في غضون شهر واحد من طرحها في الأسواق تصبح هذه الأسهم في متناول أي إنسان مهما كانت جنسيته، أي إن القانون عمليا قد سمح للأجانب بإمكانية تملك أكثر من 51% من أي شركة مصرية.

ولكن رأس المال الأجنبي لم يشكل له هذا القانون إغراء كافيا خلال السنوات الأولى من عمر النظام الجديد، ربما بسبب عدم الاستقرار. ولذا انتقل قادة يوليو للضغط على الرأسمالية المحلية لاستثمار أموالها في الصناعة. وذهبت الحكومة -بالإضافة إلى التأكيدات الأيديولوجية التي تطمئن الرأسماليين المحليين- تعمد إلى اختيار كبار رجال الأعمال كأعضاء في مجالس التنمية القومية التي أنشئت في هذه الفترة، كما تجنبت التدخل في المجال الصناعي دون مشاورة اتحاد الصناعات المصري.

كما وافق نظام يوليو على مطالب اتحاد الصناعات بشأن خفض الضرائب وتوفير المزيد من الحماية الجمركية، حيث تم رفع التعريفات الجمركية عن المنتجات التامة الصنع المستوردة، بينما انخفضت التعريفات المفروضة على المواد الأولية والمعدات الرأسمالية اللازمة للتصنيع.

وقد تزايدت أهمية الاستثمارات الحكومية المباشرة في المجال الصناعي تدريجيا وبشكل ملموس حتى أصبح نصيب الاستثمارات العامة إلى جملة الاستثمارات الصناعية في الاقتصاد القومي حوالي 90% منذ عام 1960/1961 مع بداية الخطة الخمسية الأولى.

والواقع أن هذا الارتفاع في نصيب الاستثمارات العامة في مجال الصناعة كان وراءه عدد من الأسباب. ربما يكون أهمها هو اليأس من قدرة رأس المال الخاص على إنجاز عملية التصنيع السريع لمصر التي أخذ عدد سكانها بالتزايد بسرعة كبيرة مع تحسن أحوال الصحة العامة وانخفاض معدل الوفيات.

أما السبب الهام الثاني الآخر فهو قدرة الحكومة على الإدارة الجيدة لبعض المشروعات التي تم تأميمها مثل قناة السويس، أو بدخولها كشريك رئيسي في المشروعات التي جرى تمصيرها، أو بعض المشروعات التي بدأت في المساهمة في إنشائها جنبا إلى جنب مع القطاع الخاص منذ عام 1954 مثل مشروع الحديد والصلب بحلوان، وهو الأمر الذي شجع الحكومة بعد يأسها من قدرة القطاع الخاص على توفير التمويل المطلوب للخطة الخمسية الأولى على إصدار قرارات التأميم السابق الإشارة إليها.

الإحلال محل الواردات

وقد سار نهج عملية التصنيع في مصر خلال الفترة 1952-1970 طبقا لإستراتيجية "الإحلال محل الواردات" وهو ما أخذت به العديد من البلدان النامية الأخرى.

وقد أدت عمليات إعادة توزيع الأرض طبقا لقانون الإصلاح الزراعي من كبار الملاك إلى صغار الفلاحين وتنظيم عقود الإيجار "نقدا أو عن طريق المزارعة" إلى إحداث تحسن نسبي في توزيع الدخل الزراعي بالنسبة لقطاع واسع من سكان الريف، وبشكل خاص فئة "المزارعين- المستأجرين" وقد أدى هذا بدوره إلى توفير الشروط الضرورية لتوسيع وتوحيد السوق المحلية أمام السلع المصنعة التي زاد الطلب عليها في المناطق الريفية، بما أعطى عملية التصنيع في مصر دفعة جديدة.

كما أن التحول التدريجي لأغنياء ومتوسطي الفلاحين من "الرأسمالية الزراعية" إلى اتساع سوق أدوات ومستلزمات الإنتاج الصناعية (الآلات الزراعية والأسمدة الكيماوية والمبيدات) أعطى دفعة لعملية التصنيع، من خلال الإحلال محل الواردات.

وتظل المشكلة الرئيسية أن منهج الإحلال محل الواردات مع استمراره لفترة طويلة من الزمن يؤدي إلى عقبة كبرى في طريق المزيد من التطور الصناعي. ونجد أن العديد من تجارب التنمية المقارنة في بلدان العالم الثالث قد بينت أن التجميع لا يحقق فائدة اقتصادية كبيرة للاقتصاد القومي؛ إذ إنه في كثير من الحالات نجد أن المنتج الذي يتم تجميعه محليا يفوق سعر نفس المنتج المستورد في حالة استيراده كسلعة تامة الصنع من الخارج.

 وينطبق ذلك بصفة خاصة على المنتجات الهندسية وذات الطبيعة التجميعية مثل السيارات واللواري والجرارات الزراعية والثلاجات والغسالات وغيرها. إذ عندما تقتصر الصناعات الهندسية على عمليات التجميع فقط، ودون التصنيع المحلي، تكون الفائدة الاقتصادية الحقيقية هي للمورد الأجنبي الذي يقوم بتوريد الأجزاء. فيما لا تصل القيمة المضافة وعلاقات الترابط المتولدة في الاقتصاد المحلي إلا لنسبة ضئيلة لا تبرر في الواقع إقامة مثل هذه الصناعات.

بل قد يصل الأمر في بعض الأحيان إلى أن تكون هذه القيمة المضافة "بالسالب" إذا ما حُسبت بالأسعار العالمية. وهي ظاهرة شهدتها العديد من الصناعات الهندسية التجميعية في بلدان العالم الثالث. وتعد هذه الظاهرة من الدروس الهامة التي تقدمها ثورة يوليو لعملية التصنيع في الوقت الحالي.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم