|
تواجه الشركات المصرية في القارة الأفريقية عدة عراقيل تحول دون توسيع استثماراتها، من بينها نقص المعلومات، والإدراك السلبي للاستثمار في هذه القارة، وعدم القدرة على تمويل مشروعاتها.
والنتيجة أن حجم التجارة مع هذه القارة لا يزيد -حسب الإحصاءات الرسمية لعام 2001 -عن 3% من حجم التجارة المصرية مع دول العالم، رغم أننا أمام سوق مفتوحة تضم 700 مليون نسمة، ويصل حجم التجارة فيها إلى 300 مليار جنيه مصري تقريبا (الدولار=4.65).
وتعد شركة المقاولون العرب المصرية التي تم تأميمها عام 1961 إحدى كبرى الشركات العربية الحكومية العاملة في تصدير خدمة التشييد للدول الأفريقية. كما تتعدد أوجه استثمارات الشركة في أفريقيا وأولها دخول المناقصات للمشاريع التي تنفذ من الهيئات الدولية في أفريقيا، ثم الاستثمار المباشر من خلال تنفيذ مشروعات مقاولات في الدول الأفريقية، أما النوع الأخير فهو عمل شراكة مع الشركات المحلية في الدول الأفريقية لتنفيذ مشروعات مشتركة. يحظى النوع الأول بأهمية كبيرة لدى الشركة، خاصة أن مخاطره قليلة جدا، فضمان المستحقات يكون من خلال الجهة الدولية لا المحلية الأفريقية.
278 مليون جنيه سنويا.. فقط
وتملك المقاولون العرب 8 فروع في أفريقيا، من بينها 5 في دول عربية وهي المغرب العربي (ليبيا - تونس - الجزائر - موريتانيا - المغرب)، بينما يوجد في أفريقيا جنوب الصحراء 3 مكاتب في تشاد وبنين وأوغندا. وخلال السنة المالية 2000-2001 وصل إجمالي العمل في هذه الفروع الثمانية إلى 136 مليون جنيه تقريبا.
وبالنسبة للشركات المشتركة للمقاولون العرب في أفريقيا فتصل إلى 4 في غانا ونيجيريا ورواندا وبتسوانا، وإجمالي أعمال هذه الشركات في عام 2000 -2001 يصل إلى 142 مليون تقريبا، أي إن إجمالي أعمال المقاولون العرب في أفريقيا ككل خلال السنة المالية 2000-2001 يصل إلى 278 مليون جنيه، وهو رقم ضئيل للغاية بالنظر إلى استثمارات الشركات الفرنسية والأمريكية في أفريقيا والذي يصل إلى 5 أضعاف هذا المبلغ، كما أن هذا الرقم لا يتناسب مع شركة بحجم المقاولون العرب الذي يصل إجمالي أعمالها في الشهر الواحد إلى 470 مليون جنيه في الداخل والخارج، أي حوالي 6 مليارات جنيه تقريبا في السنة، أي إن أفريقيا لا تمثل سوى 4.6% من إجمالي أعمال المقاولون العرب سنويا (المؤشرات طبقا لإحصاءات رسمية لشركة المقاولون العرب).
الأسباب
غير أن تضاؤل أعمال المقاولون العرب في أفريقيا يعود إلى عدة عوامل ، بعضها يرتبط بالشركة نفسها والآخر يعود لمشكلات هيكلية في تعامل مؤسسات الاقتصاد المصري مع السوق الأفريقية، لكن أول وأصعب مشاكل المقاولون العرب في أفريقيا هو أزمة التمويل للاستثمار، خاصة في ظل استمرار ديون الحكومة المستحقة للشركة والتي تبلغ 3 مليارات جنيه، وهو ما أدى إلى اقتراض المقاولون العرب مبلغًا مماثلاً من البنوك لتشغيل أعمالها وهو ما زاد بدوره من الفوائد على المقاولون العرب التي تبدو عاجزة عن سدادها للبنوك، والنتيجة تراكم الفوائد على الشركة وهو ما عطل الاستثمار في أفريقيا وأصبح في أضيق الحدود.
يضاف إلى ذلك نقص المعلومات التفصيلية، وهي من الأزمات الكبرى التي تواجه أي شركة مصرية بل وعربية تستثمر في أفريقيا، فإعداد أي دراسة جدوى للاستثمار في دولة أفريقية يستلزم معلومات عن خطط الدولة الاقتصادية والمشروعات التي تنتوي عملها وقوانين الاستثمار والشركات المنافسة وأسعار المواد الخام والمخاطر السياسية... إلخ.
غير أن ما تقدمه الأجهزة الرسمية (وزارة الخارجية - التمثيل التجاري) المنوطة بتوفير هذه المعلومات يتسم بالعمومية، ولا يساعد أي مستثمر على اتخاذ قرار بدخول سوق دولة أفريقية معينة، فأغلب المعلومات تتعلق بحجم الصادرات والواردات وغيرها من المعلومات العامة التي يستطيع أي شخص أن يجدها في الإنترنت.
ويرجع البعض عدم توفر المعلومات التفصيلية عن الخطط التنموية للدول الأفريقية والمشروعات التي تنتوي عملها إلى ضعف السفارات المصرية في أفريقيا ومكاتب التمثيل التجاري؛ فالدبلوماسيون المصريون في أفريقيا يشعرون أن ذهابهم إلى هذه الدول نوع من العقاب، والبعض الآخر يعتبرها فترة للادخار المالي نتيجة فارق سعر الدولار.. إضافة إلى أن أغلبهم غير ملمين بثقافة البلدان الأفريقية وطبائعها، وهو ما يصعب عليهم نسج علاقات مع حكومات هذه الدول توفر بيئة داعمة لأي مستثمر للاستفادة منها، ولا شك أن ذلك كله يعود إلى النظرة الثقافية والإعلامية السيئة عن قارة أفريقيا في أذهان المصريين بل والعرب، فما زالت هذه القارة تعني للكثيرين الفقر والمرض والحروب الأهلية، وهو ما يجعل هناك إدراكا سلبيا للاستثمار فيها.
في ظل هذه الظروف تقوم المقاولون العرب بنفسها بتوفير المعلومات؛ وهو ما يشكل عبئا ماليا عليها. وتعمد الشركة إلى توفير معلوماتها عن أفريقيا من خلال مندوبين لها أو مواقع الإنترنت التي تقدم هذه الخدمات بمقابل مادي، أو نشرة Develping business التي توفر المناقصات التي تمولها جهات التمويل الدولية كالبنك الدولي وصندوق النقد.
مناقصات خاسرة
من جهة أخرى فإن دخول المقاولون العرب أي مناقصة في أفريقيا ليس سهلا، خاصة مع اضطلاع الشركة نفسها بتوفير المعلومات لنفسها، فبعد أن يتقرر دخول المناقصة تقوم الشركة بتحضير ملف مالي حول الأسعار التي تطرحها لتكلفة المشروع، وهذا يستلزم سفر أحد مندوبي الشركة إلى الدولة التي سيقام فيها المشروع ليجمع المعلومات عن كل صغيرة وكبيرة متعلقة بالمشروع، بدءًا من رصد الشركات المنافسة وأسعار المواد الخام والعمالة وتوفرها وعملية الشحن وتكلفتها. وتتكلف هذه العملية ما بين 150 إلى 200 ألف جنيه، ورغم ذلك فإن نسبة الفوز بالمناقصة لا تزيد عن 15 في المائة في أحسن الأحوال طبقا لمصادر بالمقاولون العرب. ويرجع ذلك إلى المنافسة الشرسة مع الشركات الفرنسية والأمريكية في هذه المناقصات التي تمول من جهات دولية.
والشاهد أن المنافسة مع هذه الشركات الأجنبية أمر صعب في ظل المساندة التي تلقاها هذه الشركات من حكوماتها، فإذا قارنا جهاز التمثيل التجاري المصري بنظيره الفرنسي لوجدنا أن هذا الأخير يقدم خدمات لا حصر لها لمستثمريه في أفريقيا، بدءًا من توفير المعلومات التفصيلية وحتى استغلال النفوذ عند الحكومات الأفريقية لترجيح كفة شركته، بل إن وزارة التجارة الفرنسية تقدم خدمة لشركاتها في كيفية إعداد ملفاتها المالية بطريقة دقيقة وبأسعار أقل من المنافسين.
يضاف إلى ذلك ارتفاع درجة المخاطر السياسية والأمنية في أفريقيا؛ وهو ما يجعل البنوك المصرية ترفض تمويل المشروعات الاستثمارية في هذه القارة، وحتى إن قبلت فهي تقبل بشروط تعجيزية تجعل أي مستثمر لا يقدم على دخول القارة؛ فالبنك يريد أن يضمن 100% بدون اعتبار لأهمية وجود هامش من المخاطرة، ومن هنا يصعب كثيرًا على المقاولون العرب القيام بأي استثمار مباشر في القارة الأفريقية، كما أنه يمنع على الشركات المصرية الحكومية إخراج عملة صعبة خارج البلد.
وثمة عامل آخر مؤثر يعرقل المقاولون العرب وهو عدم وجود أفضلية للشركات العربية، حيث تقصر كل دولة أو مؤسسة دولية أو إقليمية دخول أي مناقصات تطرحها على أعضائها وهو ما يفعله البنك الأوروبي والبنك الدولي. والمفارقة أن صناديق التمويل العربية بدلا من أن تقصر تنفيذ مشروعاتها في أفريقيا على الشركات العربية تتيح مناقصاتها لشركات أجنبية أو لدول غير أعضاء في هذه الصناديق، وهو أمر يحدث في صندوق التمويل الكويتي، وهو يضعف من فرص فوز الشركات العربية بهذه المناقصات، بل إن اللافت أن بناء السفارات المصرية في الخارج غالبا ما تنفذه شركات أجنبية وليست شركات المقاولات المصرية رغم أن متطلبات أمن السفارة توجب بناءها من شركة وطنية!!
سبل الخروج
ورغم هذه العراقيل فإن هناك اقتراحات محددة لزيادة رقعة استثمار المقاولون العرب في أفريقيا، وأهمها:
- تمويل الشركة بسيولة سريعة في حدود مليار جنيه، مع إسقاط الديون المتراكمة بسبب فوائد البنوك، وهو أمر سيساعد بالتأكيد الشركة على ارتياد مجالات التمويل المباشر لاستثماراتها في أفريقيا.
- تضافر جهود وزارة الخارجية المصرية ومكاتب التمثيل التجاري لتوفير معلومات تفصيلية ونوعية تساعد الشركة على فهم البيئة الأفريقية لاتخاذ قرارات استثمارية صحيحة.
ونذكر في هذا الصدد تجربة سفارتي مصر في بينين وتشاد حيث استطاع الدبلوماسيون المصريون في هاتين السفارتين توفير كافة المعلومات اللازمة للشركات الراغبة في الاستثمار؛ وهو ما أدى إلى أن تضع المقاولون العرب قدمها في الدولتين منذ عدة سنوات، بل إنه ارتفعت استثماراتها في بينين من 7.854 ملايين جنيه في عام 1998 إلى 32.479 مليون جنيه في عام 2001، ونفس الأمر في تشاد؛ حيث ارتفعت أعمال المقاولون العرب من 4.478 ملايين جنيه إلى 21.29 مليون جنيه.
- الاستفادة من الصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا، بمساهمته في تمويل دراسات الجدوى للمشروعات في أفريقيا.
- تمويل العمل من خلال مستحقات شركة النصر للاستيراد والتصدير لدى مؤسسات أفريقية؛ لتلافي عقبة إخراج العملة الصعبة بحيث تدفع بعد ذلك شركة المقاولون لشركة النصر من خلال المعاملات المحلية بالجنيه داخل مصر.
جدير بالذكر أن شركة النصر للاستيراد والتصدير تعد من كبرى الشركات المصرية في أفريقيا، وتملك فروعا كبيرة، غير أنها تواجه هي الأخرى أزمات في السوق الأفريقية.
- تنويع أذرع عمل شركة المقاولون العرب في أفريقيا بحيث يتم إنشاء شركات تجارية تستفيد من وجود فروع في هذه القارة، لا سيما أن السلع المصرية تملك ميزة نسبية في بعض الدول الأفريقية خاصة على صعيد السعر، غير أن مشكلة هذا الأمر هي أن بعض الشركات الخاصة استغلت عدم وجود رقابة في بعض الدول الأفريقية، وأدخلت سلعًا انتهت صلاحيتها مما شوه المنتج المصري وهو ما يستلزم رقابة صارمة على السلع المصدرة لأفريقيا.
الأمر المهم والأخير هو عدم وجود نظرة شاملة للاستثمار في السوق الأفريقية من قبل المؤسسات الحكومية المصرية أو العربية؛ فالكل يتعامل مع هذه القارة الواعدة بنمط "المقاولة السريعة" التي ما إن تنتهي حتى يخرج معها المستثمر المصري ليبحث عن مقاولة أخرى؛ وهو ما يستلزم تحركا جادا وحقيقيا من الحكومة المصرية بالتعاون مع رجال الأعمال لوضع خريطة للفرص الاستثمارية في أفريقيا وكيفية الاستفادة منها.. خاصة أن ذلك سيعضد من الدور السياسي والتاريخي لمصر في هذه المنطقة.
باحث وصحفي مصري.
|