|
| جانب من مظاهرات القوى الإصلاحية في مصر
|
الحرية والخبز.. أيهما يقود للآخر؟ سؤال يحتار فيه المصريون كثيرا، وهم يرون حركات الإصلاح تتدفق في الشارع معلية من شأن المطالب السياسية بإطلاق الحريات على الشعارات الاقتصادية التي تجدها على استحياء في المظاهرات، رغم أن الهموم الأساسية للأغلبية الصامتة هي ذات طابع اقتصادي معيشي تبدأ من البطالة وتمر بالغلاء، وتنتهي بالفقر، وتدني مستوى الخدمات الأساسية وارتفاع كلفتها، مقارنة بالمرتبات الهزيلة لقطاعات كبيرة من الناس.
ورغم أن حركات الإصلاح وحتى الأحزاب المصرية تدرك أهمية الطرح الاقتصادي في اجتذاب الأغلبية الصامتة، فإن ثمة اتفاقا على أن التغيير السياسي هو مفتاح لتغيير كافة جوانب الحياة، سواء كانت اقتصادية أم اجتماعية أم ثقافية، غير أن هذا الاتفاق بدأ البعض يدرك مدى أهمية خرقه حتى يجتذب المنشغلين بهمومهم المعيشية.
"كفاية" تعترف..
الحركة المصرية من أجل التغيير "كفاية" التي كانت أولى القوى الإصلاحية نزولا للشارع خلال هذا العام (2005) تعترف على لسان منسقها العام جورج إسحق بتجاهلها للقضايا الاقتصادية، في بداية انطلاقها؛ وهو ما أفقدها تعاطف الأغلبية الصامتة من المصريين المتطلعين للتغيير الذي ينعكس على ظروفهم اليومية.
ويقول إسحق: "لدينا قناعة كاملة بضرورة تغيير نظام الحكم؛ لأنه احتكر السلطة ومارس الحكم منفردا بدون الرجوع الشعب؛ فوضع الخطط الاقتصادية الفاشلة، وطبق الإصلاح الاقتصادي من وجهة نظره، فضاعف من معاناة الفقراء، بينما ازداد الأغنياء ثراء".
وثمة اتفاق بين الخبراء الاقتصاديين على أن هناك تداعيات سلبية لعمليات الإصلاح الاقتصادي؛ فالمؤشرات الرسمية خلال عام 2004 تشير إلى أن معدل البطالة يصل إلى 10.5%، أما الفقر فيصل نسبته إلى 17%، كما لا يتجاوز دخل الفرد في مصر 1200 دولار سنويا، وهذه المؤشرات وغيرها تقول المعارضة إنها تجميلية وإن حقيقتها هي الضعف.
والسبب في عدم نجاح الإصلاح الاقتصادي في مصر من وجهة نظر إسحق هو غياب الشفافية والمساءلة؛ "لأن الجهات الرقابية والتشريعية تحت يد الحكومة والرئيس نفسه، وبالتالي كانت دعوتنا لتغيير النظام هي المقدمة الطبيعية لأي تغير آخر يحدث في مصر".
لكن "كفاية" يبدو أنها ستتحرك للاهتمام بالأبعاد الاقتصادية لجذب شرائح أخرى من المجتمع المصري، وقال إسحاق: "في الفترة القادمة سنتجه إلى إشعار الناس بخطر استمرار هذا النظام على لقمة عيشهم، خاصة بعد أن وقع في يدي آخر تقرير عن الموازنة العامة للدولة، كل أرقامها تشير إلى أن مصر مقدمة على حالة إفلاس؛ فالدين المحلي وصل إلى 370.6 مليار جنيه (الدولار= 5.80 جنيهات)، وهو ما يزيد على 90% من الناتج المحلي الإجمالي بسعر السوق، كما أن هذا النظام مسئول عن هروب 49 مليار جنيه من أموال البنوك للخارج خلال السنوات الأخيرة...".
واعتبر أن كل هذه المشكلات ترجع إلى غياب من يحاسب الحكومة على ما تفعله؛ الأمر الذي أكدته كفاية في بيانها التأسيسي الذي ركز على أنها حركة ضد احتكار السلطة والثروة، والاستبداد، والفساد بكل صوره.
وتدرك "كفاية" أن انحسار شعاراتها فيما هو سياسي سيجعلها نخبوية؛ وهو ما دفعها إلى الإعلان عن عقد مؤتمر موسع في نهاية يونيه 2005 يركز على الجوانب الاقتصادية في التغيير، وتم تكليف د.نادر الفرجاني، ود. مصطفى كامل السيد بإعداد الأوراق الرئيسية للمؤتمر، خاصة أنهما من أبرز معدي تقرير التنمية البشرية الذي أثار جدلا في كثير من الدول العربية.
الإخوان.. والاقتصاد
الإخوان المسلمون الذين نزلوا الشارع يرون أن التغيير السياسي هو المدخل الطبيعي لأي تغير في مصر، لكن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح عضو مكتب الإرشاد بالإخوان يعتبر أن الجماعة تنبهت للقضايا الاقتصادية منذ البداية، وطرحت مبادرة شاملة للتغيير تضمنت رؤيتها لعلاج الأوضاع الاقتصادية.
لكن كل الأفكار الإصلاحية -كما يقول أبو الفتوح- تنهار على صخرة سياسة النظام في التضييق، وممارسة الضغوط الأمنية، بالإضافة إلى سياسة الاعتقالات التي اعتاد على ممارستها ضد رموز الجماعة باستمرار.
ويعتبر القيادي الإخواني أن "ابتعاد أغلب المصريين عن الانضمام للحركات السياسية لا يرتبط بإغفال القضايا الاقتصادية من جانب المنادين بالإصلاح، بل يرجع إلى أن السلطة منذ عام 1952 عزلت المواطن عن الانخراط في العمل العام مستخدمة في ذلك كافة أساليب القهر والتخويف".
ويتفق أبو الفتوح مع حركة كفاية في أن غياب المساءلة أو المحاسبة وفر تربة خصبة للفساد السياسي والاقتصادي الذي أوصل مصر إلى حالة مستعصية في الإصلاح.
ويرجع عدم تركيز مظاهرات الإخوان على طرح القضية الاقتصادية ضمن دعاوى الإصلاح حاليا إلى أن هذه القضية ربما تكون محل جدل وخلاف في النظريات، وبالتالي لا نرغب في إثارة الخلاف حولها، بل الأهم من وجهة نظر أبو الفتوح هو البحث عن وفاق وطني بين كافة القوى السياسية المصرية المطالبة بالإصلاح.
ويقول القيادي الإخواني: "الإصلاح الاقتصادي من القضايا المؤجلة لما بعد التغيير السياسي، وبعدها يمكن فتح باب المناقشة بين كافة التيارات وصولا لوفاق وطني حول برنامج اقتصادي لإنقاذ مصر يلتف حوله كافة القوى".
ويؤكد أن المطالبة بالتغيير السياسي هي القاطرة التي تجر المجتمع إلى التغيير الشامل، ولعلنا رأينا "أن هناك حركات بدأت تدخل في المناداة بالإصلاح، مثل أساتذة الجامعات، والقضاة، الصحفيين وغيرهم؛ وهو ما سيؤدي في النهاية إلى كسر حاجز الخوف، ثم يستعد المجتمع إلى حالة من الإصلاح الشامل الذي يشمل الجوانب الاقتصادية التي تعد نقطة ارتكاز رئيسية بالنسبة لتحسين الأوضاع اليومية للمواطنين المصريين".
الأحزاب متهمة
الأحزاب السياسية المصرية هي الأخرى متهمة ليس من الناس فقط، بل من الحكومة بعدم وضوح أجندة اقتصادية لها، غير أن ضياء الدين داود زعيم الحزب العربي الناصري يرفض ذلك، معتبرا أن نظام الحكم هو السبب في تهميش دور الأحزاب من خلال تطبيق قانون الطوارئ على نشاطها، بحيث لا يسمح لها بعقد المؤتمرات العامة، ولا حتى المشاركة في مناقشة القضايا الوطنية، من بينها بالطبع الجوانب الاقتصادية.
ويضيف داود: "مع وصول الرئيس (حسني) مبارك للسلطة عام 1981 ركز كل اهتمامه على الإصلاح الاقتصادي، وكانت نتيجته أن كل القوانين والتشريعات جاءت في صالح فئات من رجال الأعمال، كما طبقوا برامج الخصخصة وبيع كل المنشآت العامة بأقل من ربع قيمتها في إطار صفقات سوداء تحيطه حكايات الفساد والنهب، وكان آخر إنجازات هذا النظام قانون الضرائب الذي يستفيد منه أصحاب رؤوس الأموال، والأثرياء".
وحول عدم وجود أجندة لدى الحزب الناصري للإصلاح الاقتصادي قال داود: "لدى الحزب برنامج متكامل يعتمد على مبادئ رئيسية توازن بين الأغنياء والفقراء، لكن النظام لم يوفر المناخ السياسي الذي يتيح لنا طرح برنامجنا للجمهور ومارس التضييق، واستغل الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تعاني منها الأحزاب المعارضة".
السبب أمني
ويتفق حسين عبد الرازق الأمين العام لحزب التجمع اليساري مع رأي ضياء داود في أن القبضة الأمنية وقانون الطوارئ أبعدت الأحزاب السياسية عن الالتحام بقضايا وهموم الجماهير اليومية، كما أنه حتى لو نجح حزب سياسي في عمل برنامج للإصلاح الاقتصادي، فلن يتمكن من تطبيقه.
ويضيف: "المطالبة بالتغيير السياسي نبعت من تمسك النظام بمبدأ الانفراد بالسلطة وتطبيق سياسات اقتصادية فاشلة أوصلت الغالبية العظمى من المصريين إلى حالة الفقر والبطالة؛ ولذلك على النظام تحمل المسئولية كاملة".
وفيما يتعلق بالسبب في أن حركات الإصلاح ما زالت ترفع شعارات لا تهم سوى نخبة معينة وأهملت قضايا الناس الحقيقية، قال عبد الرازق: إن هناك أولويات أمام القوى المطالبة بالإصلاح، فتبدأ أولا بإزاحة النظام الحالي عن السلطة، ثم تأتي في مرحلة لاحقة البحث عن الإصلاح الاقتصادي، خاصة أن من يسيطر على الأوضاع السياسية يتمكن من وضع السياسات الاقتصادية التي يراها تتمشى مع الواقع المصري الحالي.
الوفديون لا يختلفون كثيرا عن الإخوان أو حتى حزب التجمع اليساري في رؤيتهم أن التغيير السياسي يسبق أي تغيير اقتصادي، فيقول محمود أباظة نائب رئيس حزب الوفد الجديد: إن القضايا الاقتصادية دائما تتعلق بتوجهات الحزب الموجود في السلطة، لكن الواقع يثبت أن الحزب الوطني لم يتمكن من وضع سياسة تراعي التحولات التي يعيشها المجتمع المصري في السنوات الأخيرة، كما فشلت هذه السياسات في حل مشكلات المجتمع، وقد آن للقوى الأخرى أن تحصل على فرصة تقديم برامجها للجمهور، لكن هذا لن يتحقق في ظل النظام الحالي.
إنه فخ..!!
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156108135 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
| أبو العلا ماضي |
الأحزاب التي لم يتم الموافقة على تأسيسها، وتناضل من أجل ذلك ترى أن الطرح الاقتصادي في هذا الوقت يمثل فخا للتوافق الوطني بين حركات الإصلاح؛ فحمدين صباحي عضو مجلس الشعب مؤسس حزب الكرامة يقول: إن للقوى الوطنية حاليا جدول أعمال متفقا عليه، ويدور على أساس إحداث تحول ديمقراطي حقيقي، أما طرح القضايا الاقتصادية في هذا الوقت سيكون بذرة لبث الفرقة والاختلاف. ومن هنا فبعد التغيير السياسي، سندعو إلى مؤتمر قومي للوصول إلى اتفاق وطني حول برنامج شامل للإصلاح الاقتصادي متكامل.
بدوره يعتبر المهندس أبو العلا ماضي مؤسس حزب الوسط أن الحديث عن برنامج اقتصادي في الوقت الراهن بمثابة "فخ" سياسي يدفع به نظام الحكم بهدف ضرب الإجماع الوطني الذي استقرت عليه كافة القوى والحركات والأحزاب المطالبة بالإصلاح، إدراكا من النظام بأن القضايا الاقتصادية يمكن أن تكون محل خلاف بين القوى وفقا للتوجهات والأسس التي تنطلق منها هذه الحركات.
لكن بالرغم من أهمية القضايا الاقتصادية -كما يقول أبو العلاء- فإنها غير قابلة للمناقشة في ظل نظام يحتكر كل شيء، ويرفض مشاركة القوى الأخرى في السلطة.
ويضيف مؤسس حزب الوسط أن النظام ظل يضحك على البسطاء بشعار "الخبز قبل الحرية"، لكننا اليوم نقول "الخبز والحرية"؛ لأن كليهما مرتبط بالآخر، ولا يمكن فصلهما؛ لأن الشفافية والمحاسبة والديمقراطية هي الطريق الآمن لتطبيق الإصلاحات بكافة أنواعها.
إذن فثمة اتفاق بين حركات الإصلاح في مصر على تأجيل القضايا الاقتصادية؛ لأن اللحظة الحالية تتطلب إجماعا على التغيير السياسي بين هذه الحركات، وأن طرح القضايا الاقتصادية ربما يثير خلافات.
|