|
آثار عدة ومتشابكة يتوقع أن تلي الانفجارات التي هزت مدينة شرم الشيخ المصرية فجر السبت 23 يوليو 2005، وأسفرت عن مقتل وإصابة العشرات، لا سيما أن الرسائل التي تبعثها تتجاوز مجرد ضرب قطاع السياحة، إلى الإضرار بالاقتصاد المصري وبالنظام الأمني والسياسي ككل، خاصة أن تلك المدينة ليست منتجعا سياحيا فحسب، بل منطقة سياسية يلتقي فيها الرئيس المصري حسني مبارك بالزعماء السياسيين.
فهذه هي المرة الثانية التي يوجه فيها ضربات موجعة للسياحة في سيناء، خلال أقل من 9 أشهر، حيث تمت تفجيرات في السابع من أكتوبر 2004 طالت فندق طابا شمال سيناء ومدينة نويبع أسفرت عن مقتل 34 شخصا معظمهم من السياح الإسرائيليين.
وعندما تحدث تلك التفجيرات في شرم الشيخ جنوب سيناء بعدد أكبر من ضحايا أحداث أكتوبر الماضي، وبنفس أسلوب السيارات المفخخة، فإن هذا يشير إلى قصور أمنى، لا سيما في ظل تواجد أمني مكثف بالمدينة، إلى حد إجبار بعض الشباب القادمين إليها للبحث عن عمل على مغادرتها، خاصة أن شرم الشيخ قد نالت سمعة دولية في اتخاذها مكانا للعديد من المؤتمرات الدولية.
وتبدو خطورة القصور الأمني في أن السياحة، بل وعملية جذب الاستثمار لمصر اتخذت من الاستقرار رسالة إعلامية في الأشهر الماضية للحصول على شريحة من السياحة والاستثمار الدولي لدفعها للتحول إلى مصر كمقصد، خاصة بعد أحداث تسونامي بجنوب شرق آسيا، والانفجارات المتتالية في لبنان بداية من مقتل رفيق الحريري في فبراير 2005، والتي بلغت حتى الآن 9 حوادث، إلى جانب بعض العمليات الفدائية في إسرائيل، وأخيرا انفجارات محطات المترو في لندن.
إلا أن تلك الرسالة الإعلامية قد نسفتها تفجيرات شرم الشيخ، بل لقد امتدت لتطال ثمار رحلة وزير السياحة المصري إلى الصين، وقللت من جدواها ونفس الأثر لقوافل الترويج السياحي المصري في دول الخليج العربي خلال الشهور الأخيرة.
ضرب سياحة الشارتر
ويمكننا تصور مدى الضرر البالغ الذي سيحيق بالسياحة المصرية إذا علمنا أن مدينة شرم الشيخ مشهورة بسياحة الشارتر القادمة أساسا من دول غرب أوربا، وهي الدول التي تشكل نصف عدد السياح القادمين إلى مصر، فإذا أضيف إليهم سياح شرق أوربا البالغ نسبتهم 16% من عدد السياح القادمين إلى البلاد، فإن صورة الأثر السلبي تتضح أكثر بقوة لهذه الانفجارات.
ولعل هذا الأثر سينتقل إلى الاقتصاد المصري، خاصة أن السياحة هي المورد الثاني للعملات الأجنبية بعد الصادرات السلعية حيث بلغ نصيبها النسبي من الموارد الأجنبية 18.2% لتحتل المركز الثاني خلال السنوات الخمس الأخيرة بشكل مستمر. وإذا كانت موارد السياحة قد بلغت 5.4 مليارات دولار خلال العام المالي 2003/2004، فإن تلك الموارد قد بلغت 4.9 مليارات دولار خلال الشهور التسعة الأولى من العام المالي 2004/2005 وهي آخر أرقام رسمية معلنة.
قطاعات أخرى مضارة
وستتجاوز آثار التفجيرات قطاع السياحة إلى قطاعات أخرى مرتبطة بعلاقات تشابكية أمامية وخلفية معه، مثل: المواد الغذائية والنقل والمفروشات والمقاولات وغيرها؛ وهو ما سيلقي بظلاله على أزمات تتزايد أصلا في المجتمع كالبطالة، وإغلاق كثير من المصانع بالمدن الجديدة أبوابها، إلى جانب عشرات المصانع التي تعمل بجزء من طاقتها الإنتاجية وتحجم البنوك منذ 5 سنوات عن تمويلها.
وقد تمتد التأثيرات إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة والتي يتم التعويل عليها لاستيعاب جانب من العمالة، إلى جانب فقد مصر جانبا من إنفاق المصريين العاملين بالخارج الذين كانوا يقصدون الأماكن السياحية المصرية لقضاء إجازات الصيف في شرم الشيخ وغيرها من المدن الساحلية المصرية.
بدائل.. بدائل
إن هذا التأثير المتوقع للانفجارات الأخيرة لا بد أن يدفع للتفكير بشكل إستراتيجي في بدائل مصرية أكثر استقرارا في توليد النقد الأجنبي لمصر من السياحة؛ حتى لا نظل بعد كل حادث أو انفجار ننتظر التداعيات السلبية المحتملة على اقتصادنا الوطني.
كما أن وجود قطاع مستقر سيؤدي لمواجهة العجز الذي طال ميزان المدفوعات المصري خلال السنوات السبع الأخيرة باستثناء عام واحد؛ حيث يعاني الاقتصاد المصري من خلل مزمن بالميزان التجاري، خاصة مع استيراد الجانب الأكبر من المواد الغذائية.
وبالإضافة إلى السياحة، تتحدد موارد النقد الأجنبي لمصر في قطاعات رئيسة هي: الصادرات السلعية والبترولية، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، وقناة السويس، وخدمات النقل البحري والجوي، والمعونات الأجنبية، والمنح، والمتحصلات الحكومية، والاستثمارات الأجنبية سواء على شكل مشروعات أم الاستثمار بالبورصة.
لكن معظم تلك الموارد تتأثر أيضا بالظروف الخارجية، ويلحقها التذبذب نتيجة ذلك؛ فصادرات البترول تتأثر بالأسعار العالمية له، ومعدل ارتياد السفن لقناة السويس يرتبط باستقرار وانتعاش التجارة الدولية، وتحويلات المصريين الذين يعمل معظمهم بالخليج العربي تتأثر بالاستقرار بتلك المنطقة، كما يرتبط حجم المعونات الأجنبية التي يتركز معظمها من الولايات المتحدة الأمريكية بمدى تناغم السياسة المصرية الداخلية والخارجية مع رؤى الدول الكبرى.
الصادرات هي الأمل
إلا أن هناك عوامل إيجابية يمكن التركيز عليها لتكون مصدرا أكثر استقرارا للنقد الأجنبي، وتتمثل في زيادة الصادرات المصرية خلال السنوات الأخيرة حتى بلغت 6.5 مليارات دولار خلال العام المالي 2003 -2004 مقابل 3.4 مليارات قبل 6 سنوات، كذلك زادت قيمة صادرات البترول مع زيادة الأسعار العالمية له لتحقق 3.9 مليارات دولار مقابل مليار واحد قبل 6 سنوات.
وتعول مصر على زيادة الموارد الأجنبية من تصدير الغاز الطبيعي الذي بدأ بخط الغاز العربي إلى الأردن، وسوف يمتد إلى سوريا ثم إلى تركيا وأوربا، كما تعول أيضا على تصدير الغاز المسال إلى أسبانيا، وسيمتد خلال فترة وجيزة إلى الولايات المتحدة ثم فرنسا.
وما زالت الجهود مستمرة لتعميق المجرى الملاحي لقناة السويس لاستيعاب الناقلات العملاقة، وإن كان لا يزال مطلوبا زيادة استفادتها من تقديم الخدمات البحرية للسفن العابرة، وعدم الاكتفاء برسوم العبور فقط.
أما تحويلات المصريين بالخارج فتعاني من تراجع معدلاتها في السنوات الأخيرة، حتى بلغت 3 مليارات دولار مقابل 3.8 مليارات قبل 6 سنوات؛ وهو ما يتطلب الاهتمام بتطوير تلك العمالة، ومساندتها في الولوج إلى أسواق جديدة.
وتسعى الحكومة لزيادة نصيب مصر من الاستثمارات الأجنبية المباشرة التي شهدت تراجعا خلال السنوات الخمس الماضية لتصل إلى 407 ملايين دولار مقابل 1.7 مليار قبل 6 سنوات من خلال تخفيف الأعباء الضريبية على المشروعات، لكن ما زالت هناك عوامل طاردة للاستثمار مثل البيروقراطية والفساد يجب مواجهتها. أما استثمارات الأجانب بالبورصة المصرية فقد حققت عائدا سلبيا خلال العامين الأخيرين بلغ 631 مليون دولار، وهي استثمارات قصيرة الأجل تنتقل ما بين الأسواق الدولية، وما زال حجمها محدودا.
وشهدت عوائد ودائع البنوك المصرية بالخارج تراجعا في حصيلتها لتحقق 485 مليون دولار مقابل 1.9 مليار قبل 6 سنوات؛ بسبب تراجع أرصدة تلك الودائع وانخفاض أسعار الفائدة، وتحقق المتحصلات الحكومية المتمثلة في رسوم الخدمات التي تقدمها القنصليات المصرية بالخارج مبالغ محدودة بلغت 179 مليون دولار، ولم تصل إلى الثلاثمائة مليون دولار خلال السنوات الخمس الأخيرة.
ويبقى تصدير الخدمات -إلى جانب تصدير السلع- هو المجال المطلوب التعويل عليه في الفترة القادمة كمصدر مهم للنقد الأجنبي، خاصة خدمات التشييد والبناء بالمنطقة العربية والأفريقية، وخدمات الاتصالات في ظل امتداد نشاط القطاع الخاص المصري في مجال الاتصالات إلى عدد من الدول.
وما زال مجال الخدمات المصرفية بحاجة إلى جهد في ظل قلة عدد فروع البنوك المصرية بالخارج، والأمر نفسه لأنشطة الأوراق المالية في البورصات؛ حيث يمكن استثمار إنشاء البورصة العربية الموحدة قريبا لزيادة فاعليتها.
إن المواجهة الفعالة لانفجارات شرم الشيخ المصرية تتجاوز وضع خطة لإنعاش السياحة إلى التفكير في بدائل حقيقة حتى لا يرتهن اقتصادنا بتلك الانفجارات.
صحفي اقتصادي، نائب مدير تحرير صحيفة الأهرام المصرية
|