|
| جانب من مناقشات مجلس الشعب المصري |
القرش صياد.. وحيد، لكن المليون جنيه شركة صيد. الذين ينظرون إلى قاعدة: "القرش بيجيب قرش" يحتاجون إلى أدوات تفسيرية أكثر لفهم الملايين التي تراق الآن من أجل الوصول إلى برلمان 2005.
الموضوع.. وكل موضوع في عالمنا المعاصر أكثر تعقيدا وسوف نرى. إنك لا تستحم في النهر مرتين بالماء ذاته، ولا حتى مرة واحدة؛ ولذلك فإن أهداف شركة الصيد المشار إليها تختلف من حقبة سياسية واقتصادية واجتماعية إلى أخرى، كما تختلف دوافعها باختلاف الأجواء والأشخاص والجغرافيا.
منذ عهد الرئيس جمال عبد الناصر ورئيس الحكومة يأتي في مرتبة تالية للرئيس، سابقا على رئيس البرلمان.. إشارة لها مغزاها، غير أن تدهور مكانة البرلمان المصري وسمعته لم يصل في أي وقت إلى ما وصل إليه راهنا؛ فلماذا تنفق شركة صيد (المرشح) هذه أو تلك، كل هذه الملايين للوصول إلى مجلس الشعب؟.
احتاج الأمر إلى أن أسأل أصدقاء من الثقات.. هم مفاتيح سياسية وانتخابية، في شبرا الخيمة وحلوان وبورفؤاد وأولاد طوق والنوبة وقصر النيل ومحرم بك والسيدة زينب وبني مزار وأسوان ومطروح (مدن مصرية)؛ لأعرف التجليات الجديدة للإنفاق المالي سعيا إلى "الكرسي".
الانتقال للرأسمالية الجديدة
علاقة المال بالسلطة أزلية، لكنها هنا تأخذ أشكالا عجيبة. لكل كتلة مالية في هذا البلد سلوك متفرد، غير أن الجديد أيضا أن الكتل تبحث عن بعضها عبر محاولة جنينية؛ لخلق طبقة من الرأسمالية الجديدة، ترث مكاسب الرأسمالية العشوائية والبيروقراطية، وتحل محلها في موقع القيادة.
المال هو اللاعب الأول في يدي الحرس الجديد بقيادة أمانة السياسات بالحزب الوطني الحاكم، مثلما كان مع قيادات الحرس القديم للحزب. غير أن الخيال التنظيمي والآليات مختلفة؛ فالثقافة الإدارية لأحمد عز (رجل الأعمال وقيادي بلجنة السياسات في الحزب الوطني) على سبيل المثال.. تختلف عن ثقافة الإدارة "المصطباوية" التي سار عليها قيادات الحرس القديم.
في انتخابات الرئاسة عام 2005، رتب أحمد عز -إمبراطور الحديد- لخروج عماله من المصنع للتصويت بحيث كان معروفا من الذي سيخرج في الوقت الفلاني، ومن أي بوابة، واسم الفرع الذي يعمل فيه، والقطاع المشرف عليه في المصنع، وفي أي أتوبيس سينقله، وهاتفه المحمول، واسم اللجنة التي سيتوجه إليها. في النموذج القديم كان كمال الشاذلي الأمين العام المساعد للحزب الوطني الحاكم يكتفي بالاتصال بـ"الحاج فلان أو علان" حامل "الزكائب الانتخابية"، وبرجال الشرطة ودمتم.
الخلاف التنظيمي المشار إليه يعكس طبيعة الخلاف في الطموح والأيديولوجيا. وفي زمن الحبر الفوسفوري وإشراف القضاة (النسبي) ستأخذ حركة المال أشكالا جديدة. صحيح أن البرلمان القادم لن يكون كله من إنتاج وتعبئة المال العصري، بسبب -والعهدة في ذلك على د.يحيى الجمل أستاذ القانون الدستوري- احتياج رجال الفكر الجديد إلى أهل القديم في اللحظة الوشيكة المقبلة التي قد يترك فيها الرئيس مبارك "العهدة" لوريث قبل إتمام الدورة بسنوات.
ولذلك فإن أموال الطفيلية التقليدية والأنشطة غير المشروعة التقليدية أيضا ستختلط بالأموال الحديثة الناتجة عن الاحتكار والمضاربات المالية والعلاقات العولمية والتمويل الدولي لإنتاج البرلمان المقبل. ومن الطبيعي أن بعض قوى المعارضة ستنفق هي الأخرى الكثير، ومن أموال معلومة ومجهولة المصدر، وبشكل ظاهر أو مستتر، غير أن ما ستنفقه لن يكون "عُشر" ما سينفقه مرشحو الحزب الحاكم "الأصليون" أو المستقلون "الاحتياطيون".
وكان أبرز ما لفتني أو صدمني هو افتتان الناخبين الفقراء أنفسهم في مواقع كثيرة بصاحب المال بغض النظر عن مصدره. إنه هو الذي يستطيع أن يكون أقوى من القانون، والقانون عند الناس ظالم لهم، وهم في اشتياق إلى رؤية فتوة ينتصر عليه. هذا الفتوة أو صاحب المال يستطيع أن "يرش" على أصحاب السلطة ويخضعها له، ولو لم يكن فيها!.
الدفع للفوز لا الأصوات
من وسط القاهرة تأكدت من جديد آخر؛ هو أن الذي يدفع أموالا الآن يدفع ليفوز، وليس ليأخذ أصواتا، ومن دون ذلك لا دفع. قال أحد أعضاء لجنة السياسات (ح.ب) بعفوية مؤخرا إنه يستطيع أن يحصي الأصوات التي سينجح بها أي نائب من الآن!.
في الكلام قدر من الصحة؛ فقد تم تضييق الملعب السياسي في مصر؛ بحيث لم يعد هناك ناخب - في هذا الوقت بالذات- مستعد أن يعطي صوته لله وللوطن، باستثناء المصوتين الواعين للمعارضة، كما لم يعد هناك مرشح مستعد أن ينفق لله وللوطن وللشهرة.. لا بد أن يتأكد من الفوز.
زمان كان المرشح يشتري اللجنة، أما الآن فعليه أن يشتري صوتا بصوت، ولذلك ابتكروا في محافظتي بورسعيد والإسكندرية "الصوت الدوار"؛ وهو عبارة عن ورقة تم "التعليم" عليها أعدها مرشح الوطني، ويدخل الناخب ليستلم واحدة من القاضي أو رئيس اللجنة، ويذهب خلف الستارة، ليطويها ويضعها في جيبه ويضع في الصندوق الورقة التي أخذها من المرشح، ثم يخرج ليسلم البطاقة الخالية ليتم التعليم عليها ومنحها لآخر.
وابتكروا أيضا تصوير التصويت بالموبايل، وفي الحالتين يكون نظام مقدم حجز الصوت أو فتح الكلام بكل قوة؛ بحيث يأخذ الزبون (محترف التصويت) حقه قبل أن يجف عرقه أي بعد الإدلاء بالصوت مباشرة. لا يثق الناس لا في المرشحين ولا في الحكومة، لكنهم يحاولون جلب أكبر قدر من المكاسب أيام "هوجة" الانتخابات.
ثمن الصوت الساري الآن 200 جنيه (الدولار= 5.80 جنيهات مصرية)، قد يتقاسمها الناخب والوسيط. بالصدفة فإن الوسطاء كانوا أعضاء في الغالب مخلصين في أحزاب قوية تعلموا فيها من قبل ومع موات السياسة في العهد الحالي انصرفوا إلى أكل العيش وإلى المتاجرة بالرءوس الانتخابية.
معارك الانتخابات المقبلة لن تكون بين الشرطة والناس، ولكن بين الناس والناس بسبب الفلوس. حتى حضور المؤتمرات أصبح له ثمن بلغ في شبرا الخيمة 5 جنيهات، وأصبح تعليق اللافتات يتم بالقطعة لا باليومية في كل موقع في مصر. وفي هذا المشهد يبرز "شمام البطايق"؛ أي الرجل الذي يتحسس رائحة البطاقة الانتخابية في كل بيت، ويصعد إلى أهله ليقاولهم عليها.
أغنياء حرب التوظيف
كل الناس أخبروني: فتش عن الصفقات وراء هذا الإنفاق المجنون على المقعد.. فتش عن الورقة التي يوقعها النائب وهو بجوار الوزير تحت القبة، فيحصل بها على قطعة أرض.. بنزينة.. ترخيص مخبز.. مدرسة خاصة.. مقاولة أو توريدة.
كما أن هناك نوابا يطلق عليهم "أغنياء حرب التوظيف"؛ أي الذين حصل كل منهم على مبالغ من 5 آلاف جنيه (المهنة خفير) إلى 10 آلاف و20 و30 و40 ألفا لوظائف قطاع الأعمال والإنتاج الحربي والتليفونات والكهرباء والبترول والشرطة والنيابة.
هذه المكاسب تختلف عن أيام زمان؛ فمنذ خمسة عشر عاما رأيت نائبا يقبل "لِبَش" (حِزَم) القصب وأجولة الأرز والبطاطا في شقته بطنطا، وكانت المأثرة التي أنجحته هي مساعدة الناس في إخراج موتاهم من المستشفيات العامة بسرعة.
لقد رسب في الدورة التالية، لكن لا بد من القول بأن هذا العصر "الطيب" انتهى، ونحن الآن بصدد نواب من عجينة "اليمين المحافظ العالم ثالثي". كل إلغاء لمحضر تعدٍّ أو إزالة أو تعلية أدوار له ثمن.. فهذا هو منطق "سبوبة الكرسي". أحد المحافظين كان قد سئم من اللعبة القذرة، فأوجد حلا مختلفا عليه؛ هو الإلغاء مقابل مبالغ للمحافظة تستخدم في تطوير المدينة.
قبل ثورة يوليو كانت قوة المجتمع المدني تتيح لصاحب "البيزنس" فرصة الضغط لصالح مجموع رجال الأعمال في حفلة "لصالح طبقة"، وكان اتحاد الصناعات نموذجا لذلك، ومن ثم لم يكن أي من رجال المال بحاجة إلى البرلمان لتوقيع أوراق من الوزير، وكان الاحتياج إلى المقعد ينبع من الإحساس بضرورته للمكانة الاجتماعية والوجاهة أو لدوافع مثالية، وأيضا حماية مصالح الطبقة، غير أن ذلك كان يقترن بتضحيات، وبصفة خاصة من أعيان الريف.
الآن يتهافت كل رجال الأعمال على مجلس الشعب -إلا ما ندر.. فرجل الأعمال نجيب ساويرس مثلا يظن أنه لا يقدم له شيئا، وأناس مثل يوسف علام يفضلون أن تعيش في الظلال- السبب: أن الرأسمالي لم يعد يثق في المندوب الذي كان يدفع له في البرلمان ليدافع عن مصالحه، ويهاجم خصومه، أو يحصل على توقيع على "الورقة"، ويود أن يفعل ذلك بنفسه؛ ربما لأنه رأى أن التكلفة قد تكون أقل، وإن ثمة مكاسب إضافية ستتحقق.
الطريف أن المال يشتري حتى مرشح العمال والفلاحين؛ ليجعله أداة دعاية متنقلة لمرشح الفئات؛ بحيث وجد في دوائر كثيرة أناسٌ لم يكن معهم حتى قيمة التأمين (1000 جنيه)، لكن ظهرت عليهم فجأة أعراض النعمة، بسبب إنعام مرشح الفئات عليهم؛ بل هناك من رجال الأعمال من يدفع بـ3 أو 4 مرشحين عمال في الدائرة الواحدة للهدف ذاته.
مكاسب بالملايين
أثمن ما سيحصل عليه الفائز في 2005 ليس هو المكاسب المباشرة المعروفة الناجمة عن توقيع الوزير على ورقة، لكنه: المعلومة. أن تكون أول من يعرف يمكن أن يجعلك تربح الملايين في سوق المال، وأن تحصل على أول ترخيص لنشاط جديد، أو أول إعفاء أو صفقة تجارية كبيرة، أو تضع أول قدم فيما كان ممنوعا على القطاع الخاص.
في الصعيد الذي لا تطبق فيه قاعدة شراء الصوت كوجه بحري، يكون الترشيح من أجل "العزوة". والقبيلة هناك أقوى من الفقر أحيانا، ولذلك كثيرا ما نسمع من يقولون: "عايزين يبقى لنا راجل في السلطة" (برلمان، شرطة، نيابة) ولو باعوا ما يملكون، أو بمعنى أدق لو قدموا حياتهم دون أن يقبضوا شيئا.
قد يقبل الصعايدة الفقراء أموالا أحيانا، لكن من واحد يعتبرونه "وضيعا" فهو مكسور، ولذا فلن يكسر أعينهم. زاد من تعقيد الدفع في الصعيد وبحري أن الناس أصبحور "فرطا"، فلا كبير الآن يستطيع حشد حتى أولاد أخيه من أجل مرشح دفع له، لا بد من السعي إلى صوت بصوت.
حصانة من أجل البيزنس
كان أول إطلاق لعبارة "الحصانة أو الزنزانة" قد جاء من محافظة بورسعيد، واليوم يمكن القول بأن البحث عن الحصانة يجري ليس لمجرد إخفاء جرم شخصي، أو ارتكاب جرائم جديدة في ظلها مع الإفلات، ولكن يتم لإيجاد حصانة للمجموع البزنسي كله.
زوجة أحد الوزراء الشرفاء السابقين قالت لي: "وأساتذة جامعة والله... وما يغيظ أن بعضهم (أي النواب) كان يدعي أنه يأخذ فلوسا لأنه يناولها للوزير!". إن من النواب في الأقاليم من يطمع في المواطن إلى حد أنه يحاسبه بعد المقاولة على أجرة التاكسي الذي يقول: إنه أخذه من محطة القطار إلى الوزارة!.
الحصانة تشبه "جواز السفر الأحمر" الذي يحصل عليه الوزراء والمسئولون، إنها تخلق حصانات معنوية تحيط بالنائب (الذي دفع من أجلها) في كل خطوة يخطوها، حتى ولو لم تكن في الغلط. القانون المصري يسمح بضبط النائب في حالة التلبس، لكن الحصانة تجعل النائب يخرج من أي دائرة مراقبة ابتداء. وإضافة للحصانة فبعض من كونوا المال والثروة يريدون البرلمان لاستكمال الأبهة.
في عدة دوائر أيضا تأكدت من دافع جديد للبحث عن المقعد؛ هو الاقتراب من رجال الأعمال وسيداتها (العرب)، والفوز بوكالة في مصر.. إنه أمر شائع بين النواب العمال ربما أكثر من الفئات في المحافظات الكبرى.
صاحب القرش الشريف
صاحب القرش الشريف لا يمكن أن يدفع رشوة لناخب، لكن المأساة أن أصحاب القروش الشريفة لم يعودوا راغبين في ترشيح أنفسهم إلا فيما ندر.
مرشح في كفر صقر (محافظة الشرقية) قال علنا: إنه أنفق خمسة ملايين جنيه، ليجلب خدمات لأبناء الدائرة؛ فما الذي يتوقعه؟. ومن أين جاء بكل هذه الملايين السهلة؟.
سكة لا يسد فيها إلا تاجر السلاح أو المخدرات أو... الحديد والموبايلات والإسمنت أو الأسهم والمعاهد الخاصة والأراضي والمهربات. إن مكافأة النائب الشرعية ثلاثة آلاف جنيه، يضاف إليها مائة جنيه عن كل جلسة و70 جنيها عن كل لجنة؛ فما الذي يجري؟. الله أعلم.
مساعد رئيس تحرير صحيفة الأهالي المصرية.
|