English

 

السبت. نوفمبر. 27, 1999

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

قمة سياتل للتجارة الدولية..مواجهة لرفع الظلم عن الدول النامية

خالد محمود

Image

تشهد مدينة "سياتل" بالولايات المتحدة الأمريكية في الفترة من 30 نوفمبر إلى 3 ديسمبر99 الاجتماع الثالث لمنظمة التجارة العالمية(فيما يطلق عليه قمة سياتل التجارية). ويهدف هذا الاجتماع إلى: تعميق الاتفاقيات الاقتصادية، ومجابهة العوائق المتعلقة بالسلع الخاضعة وغير الخاضعة للتعريفة في التعامل التجاري، والموافقة على جدول أعمال جولة جديدة من مفاوضات تحرير التجارة؛ حيث تسعى منظمة التجارة العالمية(WTO) إلى أن يشمل التحرير قطاع الخدمات والقطاع الزراعي.

كما ستحاول قمة سياتل تحديد ماهية المفاوضات التجارية لجولة الألفية التي ستبدأ بعد أقل من شهر من اختتام الاجتماع الوزاري لدول منظمة التجارة العالمية في سياتل.

وجدير بالذكر أنه كانت هناك اجتماعات تمهيدية عُقدت بين 25 دولة في أواخر أكتوبر الماضي بمدينة لوزان الفرنسية حيث ناقش المجتمعون جدول أعمال قمة سياتل.

والأمر الذي سيكون مبعثًا للقلق في تلك القمة هو أن الدول النامية بدأت تشعر بأنها خُدعت على يد الدول المتقدمة؛ حيث لم تلتزم هذه الأخيرة بفتح أسواقها لمنتجات الدول النامية، بينما التزمت الدول النامية بما وقَّعته في جولة أورجواي؛ حيث تفتح أسواقها أمام منتجات الدول المتقدمة، مقابل وعود لم تُنفَّذ بحماية صناعاتها الوطنية ومنتجاتها الزراعية؛ مما أدى إلى تدهور اقتصاديات العديد من الدول النامية؛ فقد تراجعت صادرات الدول النامية بنسبة 7% وتراجعت كذلك أسعار المواد الأولية بنسبة تصل إلى 15% في الفترة من 1986 وحتى أواخر 1994 (فترة جولة أورجواي)، كما شهدت معظم موازين التجارة للدول النامية عجزًا ملحوظًا إلى جانب تراجع المساعدات والاستثمارات المباشرة المتجهة إلى الدول النامية، وفي المقابل جنت الدول المتقدمة أرباحًا طائلة من عمليات التجارة الدولية قدَّرها الاقتصاديون بحوالي 300 مليار دولار سنويًا.

وتأسيسًا على ما سبق فإن قمة سياتل ستشهد صراعات وخلافات لا مثيل لها، في جولات تحرير التجارة بين الدول المتقدمة والدول النامية، وهو الأمر الذي يستدعي استجلاء بعض الاستفهامات حول الآثار السلبية لعمليات تحرير التجارة والتي تشكو منها الدول النامية وكذلك مطالبها، وهل أعدت في حقيبتها الكثير من الأسلحة لقمة سياتل أم لا؟ علاوة على ذلك ماذا عن مطالب الدول المتقدمة خاصة الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي؛ حيث تشهد هذه القمة أيضا صراعات بينهما لا سيما وأن الاتحاد الأوروبي يخشى على اقتصادياته من الاختراقات الأمريكية. وهل هناك إمكانية لأن تستفيد الدول النامية من هذا الصراع؟.. كل هذه الاستفهامات سنحاول أن نلقي الضوء عليها.

آثار سلبية في الدول النامية !

الظلم هو الاصطلاح الرئيسي الذي ردده الكثير من اقتصاديي الدول النامية إبان تقييمهم للآثار السلبية لاتفاقيات الجات. فنظرة متأنية وفاحصة لتلك الاتفاقيات التي انتهت بإنشاء منظمة التجارة العالمية تكشف عن أن تلك المنظمة ليست إلا شعارًا اقتصاديًا جديدًا لعولمة المصالح الاقتصادية الغربية وزيادة الأرباح، ولرفاهية المواطنين الغربيين على حساب مواطني العالم الثالث الذي يعاني من أشد أنواع القهر الاقتصادي!!

ومن أهم الآثار السلبية التي ستعاني منها الدول النامية نتيجة اتفاقيات الجات ما رصده تقرير هام قام بإعداده المجلس الاقتصادي لجامعة الدول العربية، وأصدره في نهاية شهر أكتوبر الماضي نوجزها فيما يلي:

1-  إن اتفاقية الجات ستساعد على إلغاء دعم الدول المصدرة للمواد الغذائية، ويلحق الضرر بالدول المستوردة بسبب ارتفاع الأسعار العالمية، وضخامة واردات الدول النامية منها، والتي تصل أحيانا إلى نحو 20% من إجمالي استيرادها السلعي.

2 - ستؤدي الجات إلى تأجيل إطلاق حرية التجارة في قطاع منتجات النسيج بناء على إصرار الدول الصناعية مما يؤخر واحدًا من أهم العوائد التي ستحصل عليها الدول النامية والعربية، إضافة إلى أنه يحد من توسيع صناعاتها وصادراتها من المنسوجات والملابس.

3 - ستفتقد الكثير من الدول النامية من الأفضليات التي تتمتع بها في اتفاقياتها التجارية مع تجمعات اقتصادية للدول المتقدمة مثل: الاتحاد الأوروبي ودول صناعية أخرى، الأمر الذي يترتب عليه احتمال انخفاض قيمة صادراتها لهذه الأسواق؛ وبالتالي انعكاس ذلك بشكل سلبي على التنمية بها.

4 - تحمل الدول النامية لأعباء مالية كبيرة تدفعها للدول المتقدمة من جراء الالتزام بحقوق الملكية الفكرية. وكذلك زيادة تكلفة إنتاج السلعة المحلية؛ حيث تنص اتفاقيات الجات على حماية الأجانب ومعاملتهم كمواطنين بالنسبة للمؤلفات الفنية الصوتية والأفلام والعلامات المسجلة وبراءات الاختراع.

5 - احتمال أن تتعرض قطاعات الخدمات مثل: البنوك والتأمين والسياحة والنقل البحري والخدمات المالية والمقاولات والاتصالات إلى أضرار جسيمة لعجز هذه القطاعات على المنافسة مع المنافسين العالميين.

6 - زيادة صعوبة المنافسة في السوق العالمية للمنتجات الصناعية التصديرية غير التقليدية كصناعة الإلكترونيات والتكنولوجيا والحديد نتيجة ضعف الاتصالات والمعرفة والخبرة التسويقية والركائز في السوق.

7 - احتمال تسلُّـل شركات متعددة الجنسية إلى البورصات المالية لهذه الدول والمضاربة على أسعار عملتها الوطنية، حيث تتملك عن طريق الشراء أعدادًا هائلة من أسهم المؤسسات الإنتاجية التي يمكن أن تسبب انهيار الأسواق المالية لهذه الدول عن طريق البيع والشراء الفجائي، الأمر الذي يؤثر مباشرة على عملتها الوطنية، وبالتالي ينعكس أثره على حياة المواطن وعلى استقرار أنظمتها.

مطالب الدول النامية

استنادًا لهذه الآثار السلبية فإن بعض الدول النامية تنبهت لضرورة الاستعداد لقمة سياتل بمطالب محددة، وبالفعل ففي أغسطس الماضي عقدت مجموعة الـ 15 اجتماعًا في مدينة بنجالور الهندية لإعداد جدول أعمال مشترك يُطرح على قمة سياتل.

ورغم أن الاجتماع انتهى إلى عدم الاتفاق فيما بين أعضاء المجموعة على جميع الموضوعات التي ستطالب بها الدول النامية إلا أن ثمة مطالب عامة من المتوقع أن تطرحها الدول النامية في قمة سياتل وهي:

1 - السعي لمناقشة مدى تطبيق الالتزامات التي تم التوقيع عليها خلال جولة أورجواي عام 94، والتي أظهرت وجود سلبيات عديدة على اقتصاديات الدول النامية. والمطالبة بتطبيق المواد التي تكفل تحقيق التوازن في التجارة؛ كأن يتم تقديم مساعدات مالية للدول النامية لتأهيل نفسها لتطبيق اتفاقية حماية الملكية الفكرية.

2 - سوف تسعى أيضا الدول النامية إلى المطالبة بإجراءات وقائية قبل التوقيع على أي التزامات جديدة؛ خاصة بالنسبة لموضوع الأمن الغذائي لهذه الدول. والحق في حماية مصادر غذائها الرئيسية ضد منافسة الواردات.

3 - تحسين معدل التبادل التجاري لصادرات الدول النامية من المواد الخام التعدينية والسلع الزراعية، وكذلك فتح أسواق الدول المتقدمة لمنتجات البلاد النامية؛ لا سيما وأن الدول المتقدمة قد تحايلت على ما تقضي به اتفاقية أورجواي؛ حيث قامت -وتحت اسم مكافحة الإغراق- بفرض ضريبة على سلع ترى هذه الدول نفسها أن أسعارها خُفِّضت بطريقة اصطناعية. وبهذه الطريقة تستطيع أن تضع قيودًا مانعة أمام منتجات قطاعات بذاتها في البلاد الفقيرة تمكنها ظروفها الاقتصادية من التفوق فيها، ومن أمثلة ذلك منتجات القطاع الزراعي وقطاع المنسوجات وصناعة الملابس. وتبين إحدى دراسات البنك الدولي أن متوسط الرسوم الجمركية التي تفرضها الدول الصناعية الغنية على وارداتها الصناعية من البلدان الفقيرة يبلغ أربعة أضعاف ما يفرض على الواردات المماثلة من البلاد الغنية الأخرى! وقد انتهت دراسة قامت بها اليونكتاد (مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنسيق) أن صادرات البلاد الفقيرة يمكن أن تزيد بما يعادل 700 مليار دولار سنويًا بحلول سنة 2005 إذا ما قامت البلاد الصناعية المتقدمة بفتح أسواقها بصورة أكبر أمام منتجات البلدان الفقيرة (صحيفة العالم اليوم 2/11/1999).

4 - سوف تطالب البلاد النامية دعمها بالمعلومات والبيانات التي تمكنها من أن تصبح قادرة على التأثير فيما يدور من مفاوضات ومناقشات. وكذلك المعلومات الخاصة بكيفية رفع قضايا أمام منظمة التجارة. وبالفعل فإن هناك دولاً مثل: هولندا وكولومبيا أنشأت مركزًا استشاريًا لتُعرِّف البلاد الفقيرة بالقواعد التي احتوتها القوانين الخاصة بالمنظمة مع مساعدة تلك البلاد في رفع قضايا أمام منظمة التجارة العالمية.

صراع أوروبا وأمريكا..!

وعلى الجانب الآخر فإن الدول المتقدمة تدخل جولة سياتل وهي عازمة على زيادة أرباحها من عمليات تحرير التجارة. فأوروبا تدخل هذه الجولة وهي تري وقف الاختراقات الأمريكية لأسواقها، وفي هذا الصدد يقول: جاك أتالي -رئيس البنك الأوروبي للإنشاء والتعمير- إن المخاوف الأوروبية من اختفاء النموذج الأوروبي للتنمية ربما سيكون واردًا في غضون ثلاث سنوات؛ إذا ما أخذت مفاوضات جولة الألفية مجراها، حيث يجب الحذر من الهيمنة الأمريكية في مجال الاتصالات؛ لأن هذا الأمر سيُحدث دمارًا يُصيب المصالح الأوروبية. وسوف يحاول الاتحاد الأوروبي الضغط من أجل التوصل إلى اتفاق بشأن مستوى الأجور، وظروف العمل غير الملائمة في دول أخرى، حيث تؤدي إلى منافسة غير عادلة وغير متكافئة.

وبالنسبة للولايات المتحدة سوف تسعى لرفع القيود على الصادرات الزراعية الأمريكية، خاصة المنتجات المعدلة وراثيًا في مواجهة معارضة الاتحاد الأوروبي والدول الأقل تقدمًا.

كما يتوقع أن تناقش الولايات المتحدة براءات الاختراع فيما يخص الزراعة وجوانب الحياة الأخرى؛ خاصة مسألة حماية الصناعات المستقبلية مثل: الحاسب الآلي والإلكترونيات. ومن الممكن في ظل الضغط الأمريكي على أوروبا لكي تفتح هذه الأخيرة أسواقها أمام قطاع الزراعة أن تستفيد الدول النامية، إلا أنه من المتوقع أن لا يحدث ذلك الأمر نظرًا لوجود قوى اجتماعية وجماعات زراعية تكافح ذلك.

وحتى لو فتحت أوروبا أسواقها أمام قطاع الزراعة للدول النامية وأمريكا فإنها تفرض استثناءات تحمي هذا القطاع، وتفرغ مسألة تحريره من مضمونها.

قصارى القول: إن الدول النامية تدخل قمة سياتل وهي عازمة على ألا تتمادى في المزيد من التنازلات في عمليات تحرير التجارة، وفي المقابل فإن الدول المتقدمة ستسعى في هذه القمة لزيادة المزايا التي تحصل عليها من عمليات تحرير التجارة. وبين هذين الموقعين يظل لميزان القوى القول الفصل في تحقيق أي من رغبات كلا الطرفين، فعمليات تحرير التجارة ليست إلا ضلعًا من أضلاع مثلث الاقتصاد العالمي: البنك الدولي / صندوق النقد/ منظمة التجارة. الذي هو الخلفية الاقتصادية لحالة الهيمنة السياسية التي تمارسها الدول المتقدمة على الدول النامية في شتى الموضوعات


كاتب مصري يعيش في الخليج

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم