|
يبدو أن التفاؤل الذي ساد أوساط الدول النفطية سواء داخل أو خارج "أوبك" على إثر الارتفاع الذي شهدته الأسعار منذ الاتفاق على خفض الإنتاج بمليوني برميل يوميًا في مارس 1999، بدأ يتراجع إثر إعلان الوكالة الدولية للطاقة في مطلع شهر أكتوبر الماضي أن أعضاء من منظمة "أوبك" رفعوا إنتاجهم بما يعادل 400 ألف برميل خلال شهر سبتمبر 1999 فزاد بذلك المعروض النفطي، وحدثت ذبذبات في أسعار النفط.
ورغم أن وزير النفط الإماراتي أكد أن هذا التذبذب في أسعار النفط شيء طبيعي وغير مستغرب نظرًا لحساسية أسواق النفط العالمية، وأنه من الضروري دعم أسعار النفط من خلال التزام قوي باتفاق خفض الإنتاج بين داخل وخارج أوبك، إلا أنه من الواضح أن هذا التذبذب السعري للنفط أشاع جوًّا من عدم الثقة لدى العديد من الدول الخليجية والنفطية الكبرى؛ مفاده أن اتفاق "فيينا" أضحى قابلاً للاختراق مع رغبة بعض الدول في جني مكاسب من وراء ارتفاع الأسعار، وهو الأمر الذي دفع "عبد الله العطير" رئيس منظمة أوبك- إلى التحذير من العواقب الوخيمة الناجمة عن انهيار ضبط معدلات الإنتاج في الأسواق العالمية، كما أن القلق من هذا التذبذب دفع إلى الإعلان عن اجتماع لوزراء نفط السعودية والمكسيك وفنزويلا في 17 نوفمبر الجاري بالرياض لدراسة التذبذب الأخير لأسعار النفط، والتأكيد على التزام الدول النفطية باتفاق "فيينا" الذي ينتهي في مارس 2000.
ويعيد هذا التذبذب السعري للنفط لأذهان الاقتصاديين السنوات العجاف الأليمة التي مرت بها الدول المنتجة للنفط حينما وصل سعر البرميل إلى ما دون الـ 10 دولارات. وماذا عن اقتصاديات الدول التي تعتمد بشكل رئيسي على النفط (مثل الدول الخليجية) هل لديها استراتيجية ثابتة تُنجيها من هذا التذبذب السعري؟ أم أنه قد يعرضها لصدمات اقتصادية؟
تذبذب أسعار النفط
العامل الأول: يأتي المخزون العالمي على رأس العوامل المؤدية لتذبذب أسعار النفط، فمن المعروف أن ضعف الأسعار العالمية في الأعوام الماضية أدى إلى تكوين وبناء مخزون كبير من النفط لدى الشركات الإنتاجية الكبرى والدول المستهلكة.
حيث تعمل وكالة الطاقة الدولية على زيادة المخزون الاستراتيجي من النفط لكل دولة عضو (90 يومًا من الواردات النفطية الخاصة بكل دولة) ووضع خطة طوارئ لمشاركة الدول الأعضاء في الاحتياجات النفطية المتوافرة لديها، وقد تجاوز المخزون الاستراتيجي في بعض هذه الدول ذلك الكم كثيرًا بحيث وصل في كندا مثلاً إلى 342 برميلاً يومياً.
وكان لهذا المخزون الفضل في إحداث تغييرات هيكلية في سوق النفط لصالح الدول المستهلكة، ومكَّنها من تخفيض الطلب العالمي على النفط طوال عقد الثمانينات من 294.84 مليون طن من الزيت عام 1986 مقابل 3141.7 مليون طن زيت عام 1979.
وقد كان التحسّن الذي شهدته الأسعار النفطية في بدايات عام 1999 راجعًا أساسًا إلى انخفاض المخزون العالمي بنسبة كبيرة، خاصة بعدما التزمت دول أوبك بتخفيض حصص إنتاجها.
وبالنسبة للتذبذب الأخير للأسعار، والذي يحمل قدرًا من الخطورة فقد أشارات صحيفة "وول استرتيث جورنال الأمريكية" أن السبب وراء هذا التذبذب الأخير يرجع إلى تحرك وكالة الطاقة الدولية لزيادة مخزون دولها لتقليل الطلب على البترول، ومن ثم زيادة المعروض فتتراجع بذلك أسعار النفط مرة أخرى.
العامل الثاني: الذي يساهم في تذبذب أسعار البترول هو عدم التزام الدول -سواء داخل منظمة أوبك أو خارجها- بقرارات الحماية الخاصة بأسعار النفط الخام وكمياته المعروضة في الأسواق في محاولة منها لتحقيق بعض المكاسب بشكل فردي.
وقد ساهمت تلك المشكلة في زعزعة قوة منظمة "أوبك" وإضعاف قراراتها، ومع بداية عام 1999 وعلى إثر التدهور الخطير في أسعار البترول نتيجة عدم الالتزام بقوة الإنتاج المحدودة، سعت دول داخل أوبك مع دول خارجها إلى إبرام اتفاق يتم الالتزام بمقتضاه بسقف إنتاجي محدود، وقد حدث ذلك بالفعل في مؤتمر فيينا مارس 1999 وانتهى الأمر إلى تخفيض قدره مليونا برميل وصلت بسببه الأسعار إلى 18 و19 دولار، والتذبذب السعري الأخير جاء نتيجة خرق بعض الدول للاتفاق المشار إليه، فقد انخفضت نسبة الالتزام بالاتفاق في شهر سبتمبر إلى 92.5% حيث رصدت صحيفة القدس العربي عدد 7 أكتوبر -نقلاً عن تقرير اقتصادي أوروبي- ارتفاعًا في الإنتاج إلى 3.65 مليون برميل يوميًا في أغسطس مقارنة بالحصة الإنتاجية المقررة وهي 3.35 مليون برميل يوميًا، كما سجلت ارتفاعات طفيفة في إنتاج الكويت والإمارات وقطر وإندونيسيا وليبيا والجزائر بمقدار إجمالي 400 ألف برميل.
وقد يتعجب البعض من أن تؤدي هذه الزيادة الطفيفة إلى تذبذب سعري إلا أن ذلك يعود إلى نظرية هامة في السوق النفطية وهي نظرية المعروض الهامش، والتي تؤكد أن أهم متغير يؤثر في سعر النفط هو تغير العرض الهامش، إن آخر برميل من النفط يضاف إلى إجمالي المعروض أو ينتقص منه يشكل مزيدًا من الضغط على أسعار النفط أكثر من التدفق الأساسي للنفط ذاته.
العامل الثالث: العامل الثالث: والذي لا يجب أن يُهمل هو دور الولايات المتحدة الأمريكية في تذبذب الأسعار النفطية؛ فرغم أنها خارج "أوبك" إلا أنها تمارس نفوذًا أو تأثيرًا كبيرًا على السوق النفطية؛ سواء فيما يتعلق الإنتاج أو الأسعار. والولايات المتحدة أكبر المستهلكين للنفط فهي تستهلك يومياً 17.5 مليون برميل وتستورد 8.5 مليون برميل، وفي الوقت نفسه هي أكبر المنتجين للنفط حيث تنتج يوميا 7.1 مليون برميل يوميًا واستراتيجيتها في مجال النفط هي الإبقاء على سعر البرميل عند حد لا يزيد على 20 دولار.
وذلك لأكثر من سبب منها؛ أولا: هو أن انخفاض سعر البترول يعني أن الدول الخليجية ستقل وارداتها من أمريكا؛ وهذا سيضر كثيرًا بالاقتصاد الأمريكي. وسبب آخر هو أن انخفاض السعر سيقلل من شراء الدول الخليجية على وجه التحديد للأسلحة والصواريخ من الولايات المتحدة، ومن هنا كان قلق أمريكا وضغطها على الشركات والدول النفطية حتى تستعيد أسعار النفط توازنها.
لذلك لا يعد غريباً أنه بعد استقرار أسعار النفط عند مستوى 17، 18 دولارًا تواكب معه جولات الوزير الدفاع الأمريكية "كوهين" في منطقة الخليج للترويج لمبيعات جديدة للأسلحة الأمريكية (القدس العربي 20/10/1999) كما تواكب مع التذبذبات الأخيرة لأسعار النفط تحذيرات وضغوط أمريكية على الدول النفطية لكي تلتزم بحصصها الإنتاجية.
كاتب مصري يعيش في الخليج
|