|
أقرّ 9 من وزراء النفط في منظمة الأقطار المصدّرة للبترول "أوبك" اتفاقًا لا يشمل كلاً من إيران والعراق يهدف إلى زيادة الإنتاج بمقدار 1.45 مليون برميل يوميًّا، اعتبارًا من أول أبريل 2000 المقبل، وذلك في ختام اجتماعهم الوزاري الـ (109) في فيينا (28 مارس 2000)، والذي استمرّ يومين للاتفاق على حجم الزيادة وتوقيتها، وبعدما انسحبت إيران من اتفاق زيادة الإنتاج، حيث اختلفت مع بقية دول الأوبك وفي مقدمتها السعودية حول مقدار الزيادة .. عاد وزير نفطها بيجان زنجانه وأعلن أن بلاده سترفع إنتاجها، مُلْمِحًا إلى أن مقدار الزيادة سيكون في ضوء الحصة التي كانت مقررة لإيران في الاتفاق الأخير.
وقد رحّب الغرب ممثلاً في الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ووكالة الطاقة الدولية بقرار زيادة الإنتاج؛ حيث اعتبره الرئيس الأمريكي بيل كلينتون تطورًا إيجابيًّا يتيح الحفاظ على التنمية الاقتصادية العالمية، وتأمين توازن أفضل بين العرض والطلب في مجال النفط، كما يرى وزير الطاقة الأمريكي بيل ريتشاردسون أن قرار الدول التسع بالعودة إلى مستوى الإنتاج الذي كان سائدًا قبل مارس 1999م إيجابي، وسيؤدّي إلى تراجع الأسعار إلى حدود 24 دولارًا للبرميل؛ لأن الزيادة الإجمالية الحقيقية للإنتاج ستبلغ ما مجموعه 2.8 مليون برميل يوميًّا، منها 1.45 مليون برميل أقرّتها الدول التسع، والبقية زيادة إنتاج كل من العراق وإيران والدول المنتجة خارج الأوبك، فضلاً عن تجاوزات الحصص والتي وصلت مؤخرًا إلى مليون برميل يوميًّا.
وكانت السعودية قد تقدّمت باقتراح زيادة مقدارها 1.7 مليون برميل يوميًّا، في حين كانت طهران تطالب بأن تكون الزيادة في حدود 1.2 مليون برميل يوميًا فقط، وبرّرت إيران رفضها قبول زيادة كبيرة في الإنتاج بعدد من الأسباب:
أولها: يتعلّق بسوق النفط؛ حيث ترى أن الطلب العالمي على النفط سينخفض في الربع الثاني من العام مع حلول فصل الصيف، إضافة إلى أن هناك زيادة فعلية في إنتاج أوبك تصل إلى مليون برميل يوميًّا في شكل تجاوزات في الحصص، وترى أن الزيادة التي أقرتها أوبك مؤخرًا ستؤدي إلى تراجع كبير في الأسعار.
وثانيها: يتعلّق بأسباب سياسية، وتتركّز في رفضها التام لمبدأ الانصياع للضغوط الأمريكية والغربية، لاسيما وأن الولايات المتحدة تفرض حظرًا على صادرات النفط الإيرانية إلى أسواقها.
الأوبك من الثبات إلى الزيادة
ورغم حالة الإجماع التي كانت تسبق الاجتماع بشهور قليلة على أن سقف الإنتاج لن يتم تجاوزه .. فقد تعدّلت الآراء على أن السوق يمكن أن تستوعب زيادة نسبتها 5% مع الاحتفاظ بالأسعار عند المعدّل المطلوب، والذي يتراوح بين 21 و24 دولارًا للبرميل، وتوصّلت المشاورات التي دارت على أعلى المستويات في الأيام الأخيرة بين دول أوبك إلى قناعة بأنه سيكون من الأفضل التوصل إلى اتفاق في الآراء، وإن لم يكن إجماعًا حول مقدار الزيادة فوق سقف الإنتاج الساري منذ أبريل 1999م، والبالغ 22.976 مليون برميل يوميًّا.
ويرجع التوافق داخل الأوبك على ضرورة زيادة الإنتاج إلى عدد من العوامل:
أولها: معرفة أعضاء أوبك الدقيقة والأكيدة بحاجة السوق إلى زيادة الإنتاج.
وثانيها: الضغوط الأمريكية والغربية التي سبق وطالبت أوبك بزيادة الإنتاج للتخفيف من حدة ارتفاع الأسعار التي تضاعفت أكثر من 3 مرات خلال أقل من عام؛ حيث قفزت من نحو 9 دولارات للبرميل في مارس من العام الماضي 1999م إلى حدود 33 دولارًا للبرميل في الآونة الأخيرة، وهو ما يعدّ الأعلى منذ حرب الخليج الثانية.
وأخيرًا: حسابات المصالح لكل دولة على حدة؛ فالسعودية ترى أن إحداث توازن في سوق النفط العالمية يأخذ في الاعتبار مصالح المنتجين والمستهلكين يعتبر وجهين لعملة واحدة، وهو نمو الاقتصاد العالمي الذي يفيد كافة الأطراف، أما الإمارات فتمتلك في الخارج أصولاً شبه سائلة تبلغ 350 مليار دولار؛ ولذلك فإن رغبتها الطبيعية بأسعار نفط مرتفعة تقابلها احتياجات الاقتصاد الأمريكي بشكل خاص والعالمي بشكل عام، لأنها تمتلك مصلحة كبيرة ومباشرة في كليهما، وهو ما ينطبق على معظم دول الخليج، فيما سبقت بقية الدول الأعضاء (عدا ليبيا وإيران والعراق) غيرها في تأييد مبدأ زيادة الإنتاج، وإن كان عند أرقام مختلفة.
أما بالنسبة لإيران فرغم أنها خرجت من الاتفاق .. إلا أنها استفادت من موقفها المتشدّد تُجاه زيادة الإنتاج في السابق في الضغط على الولايات المتحدة لتخفيف العقوبات المفروضة عليها، ويبدو أنها نجحت في ذلك، ومعنى ذلك أن تغير الموقف الإيراني من النفط زيادة وانخفاضًا ناتج -جزئيًا على الأقل- عن أسباب سياسية وليست نفطية بحتة.
الضغوط الغربية ووهم حرية التجارة
من الواضح أن التعامل الدولي مع تجارة النفط يضعها خارج إطار ما يُسمَّى بحرية التجارة الدولية؛ فالضرائب التي تفرضها دول الغرب على النفط ومشتقاته تعادل ثلاثة أمثال صافي العائدات التي تتلقاها الدول المنتجة، وقد ذهبت الولايات المتحدة أبعد من ذلك فاستصدرت تشريعًا من الكونجرس في 22/3/2000م بأغلبية 382 صوتًا مقابل 38 صوتًا يقضي بفرض عقوبات على دول أوبك التي ترفض زيادة الإنتاج.
وقد قام الغرب وعلى رأسه الولايات المتحدة بتحركات عديدة للضغط على أوبك والدول المنتجة الثلاث الأخرى المنضمة لها في اتفاق خفض الإنتاج، وذلك عن طريق:
- التهديد باستخدام الاحتياطي الإستراتيجي الأمريكي من النفط والبالغ 560 مليون برميل، رغم أنها لا تستطيع الاعتماد على هذا الإجراء على المدى الطويل، خاصة وأن هذا الاحتياطي - وإن كان يبدو ضخمًا إلا أنه - لا يكفي إلا لمدة 3 شهور على أحسن تقدير، كما أن إنتاج النفط الأمريكي يتناقص (انخفض من 10 إلى 5.5 ملايين برميل، ويتوقّع أن يصل إلى 4.5 ملايين برميل في المستقبل القريب)، مما يجعلها مضطرة لزيادة وارداتها.
- خفض الاعتماد على النفط الأجنبي والوقود المستورد مع خلق احتياطي من وقود التدفئة للولايات الشمالية الشرقية لتجنب تكرار الأزمة الحالية في الإمدادات.
- اعتماد مجموعة من الإجراءات المالية والضريبية التشجيعية التي تهدف إلى تعزيز استخدام سيارات المستقبل الأقل استهلاكًا للوقود، واستخدام المحروقات البديلة، ودعم تطوير الإنتاج النفطي الأمريكي، وأبحاث مصادر الطاقة البديلة للمنازل والمباني والمعدات.
- قيام الكونجرس بتمرير مشروع قانون يخول مجددًا للرئيس الأميركي الحق في قطع مبيعات السلاح والمعونات الأمريكية عن دول منظمة الأوبك والدول التي تؤثّر على أسعار النفط العالمية.
- المشاورات التي أجراها الرئيس الأمريكي بيل كلينتون مع عدد من قادة الدول المنتجة لحثّها على زيادة إنتاج النفط، وخاصة السعودية والإمارات وعُمان.
- جولة وزير الطاقة الأميركي بيل ريتشاردسون في عدد من الدول المنتجة للنفط ومشاوراته مع نظرائه في السعودية والكويت والإمارات وفنزويلا والنرويج.
- التحذير الذي وجَّهَه الاتحاد الأوروبي للأوبك بألا تهدّد النمو الاقتصادي العالمي برفع أسعار النفط عن طريق مد أجل التخفيضات.
أسباب التحرك الأمريكي وتأخره
ولاشك أن هناك العديد من العوامل التي دفعت الولايات المتحدة لاتخاذ هذا الموقف من الارتفاع الكبير لأسعار النفط، يأتي في مقدمتها أن الولايات المتحدة تشكل أكبر مستهلك للنفط في العالم؛ حيث يصل إجمالي استهلاكها إلى 20 مليون برميل من أصل 75 مليون برميل يحرقها العالم يوميًّا، وتشكل الواردات 51% من هذا الإجمالي، إلى جانب الزيادات الحادة في أسعار الوقود والديزل والتي وصلت إلى 50% وترتب عليها استياء عام للعاملين في مجالات عديدة، أهمها: النقل البري والبحري والجوي للدرجة التي أصبحت تهدد الأداء المالي لتلك القطاعات، وهو ما دفع عددًا كبيرًا منهم لتنظيم مسيرات احتجاج على رفع أسعار الوقود، فضلاً عن الدور الذي تلعبه الأجواء الانتخابية المسيطرة على الساحة السياسية الأمريكية حاليًا؛ حيث أجمع السياسيون على اختلاف أهوائهم على مطالبة الحكومة الاتحادية بالتصدّي لما يعتبرونه أزمة مقبلة، والأهم من ذلك هو مخاوف الاحتياطي الاتحادي الأمريكي من أن تؤدِّي أسعار النفط إلى زيادة معدّل التضخم وبالتالي الأجور، وهو ما يتطلّب رفع الفائدة بنسبة أعلى مما يتوقَّعها الكثيرون، وسيؤدي هذا بدوره إلى جعل أسهم التكنولوجيا تبدو أعلى بكثير من قيمتها، وهو ما يُعرِّض بورصات الأسهم لانهيار محتمل.
ويرى العديد من المحللين أن التحرك الغربي لدرء ارتفاع الأسعار جاء متأخرًا عن المتوقع؛ وذلك لوجود اعتقاد سائد بأن الآثار الاقتصادية للقفزة في أسعار النفط أقل حدة مما كانت عليه في العقود السابقة، وخاصة في السبعينات؛ن فمن جهة يأتي الارتفاع مباشرة بعد الانهيار الحادّ للأسعار في بداية 1999م عندما كانت الأسعار عند أدنى مستوى لها (بعد حساب التضخم) منذ عام 1972م وحتى بعد هذا الارتفاع الأخير.. لا تكاد الأسعار الحقيقية تصل إلى نصف مستواها عام 1981م، والنقطة الثانية هي أن الاقتصاديات الغنية باتت أقل اعتمادًا على النفط نتيجة توفير الطاقة (بفرض الضرائب المرتفعة)، والتحوّل إلى أنواع أخرى من الوقود، وتراجع الصناعات الثقيلة في الوقت الذي نمت فيه الصناعات التكنولوجية التي تستهلك طاقة أقل؛ حيث انخفضت كمية النفط المستخدمة مقابل دولار حقيقي من الناتج إلى النصف في البلدان الغنية منذ أوائل السبعينات وحتى الآن، والنقطة الثالثة هي أن ارتفاع الأسعار جاء هذه المرة في فترة تراجع الضغوط التضخمية العالمية.
عوامل تراجع الأسعار
ومن البَدَهي أن أسعار النفط هي التي ستحصد النسبة الكبرى من نتائج قرار زيادة الإنتاج وبالطبع ستتراجع الأسعار، خاصة وأن التكهنات بزيادة الإنتاج سبق وأن أدّت إلى تراجع الأسعار بنسبة 20% في الأسبوعين السابقين على الاجتماع، إلا أن حجم التراجع سيتوقف على عدد من العوامل أهمها:
- الكمية التي سينخفّض بها الطلب العالمي على النفط في الربع الثاني من العام الجاري، نظرًا لقدوم فصل الصيف وتراجع الطلب على الوقود، ولاسيما وقود التدفئة.
- تأثير النفط العراقي؛ فرغم أن التوقعات تشير إلى أن تأثيره سيظل محدودًا خلال الفترة المقبلة؛ حيث تنتج بغداد 2.2 مليون برميل يوميًّا هي مجمل طاقتها الإنتاجية، ولا تستطيع زيادتها إلا إذا حصلت على قطع غيار جديدة، وهو ما يصعب في ظل الحظر المفروض عليها.. إلا أن احتمالات قيام الولايات المتحدة بتخفيف الحظر المفروض عليها لازالت واردة.
- طريقة تقسيم الزيادة في الإنتاج على الدول الأعضاء؛ فرغم أن الاتجاه العام هو أن يتم توزيعها طبقًا لحجم إنتاج كل دولة .. إلا أن هناك احتمالات بأن بعض الدول ستطلب استثناءها من تلك القاعدة.
- نسبة التزام الدول المنتجة بحصص الإنتاج المقررة لكل منها؛ حيث تراوحت تلك النسبة خلال الأحد عشر شهرًا الماضية، والتي شهدت اتفاق خفض الإنتاج بين 80 و90% طبقًا للتقارير الدولية المختلفة؛ خاصة وأن خروج إيران عن الاتفاق الأخير يحمل في طياته احتمالات عديدة؛ فالبعض يرى أن اعتراضها على الزيادة سيكون مدعاة لتجاوز حصتها التي ستعلنها فيما بعد من طرف واحد، والبعض الآخر يرى أن السعودية بحصتها الضخمة والتي تتجاوز الـ7.5 مليون برميل يوميًّا يمكن أن تلعب دور المنتج المرجَّح، وتستطيع إيجاد التوازن المطلوب في الأسواق بما يكفل تحقيق الأسعار المستهدفة، حتى وإن حدثت تجاوزات في الحصص من إيران وغيرها.
- مدى قبول المقترحات الخاصة بإنشاء آلية لمراقبة الأسعار وآلية أخرى لنشر إحصاءات فورية وصريحة؛ خاصة الإنتاج والاستهلاك حتى يمكن الاعتماد عليها في التقليل من الفجوة بين العرض والطلب، والتخفيف من حدة تقلبات الأسعار.
ويرى المحللون أن السعودية قد استطاعت تحقيق هدفها في تحقيق كمية الزيادة التي كانت تقترحها، بعدما عادت إيران وأعلنت أنها سترفع إنتاجها في حدود الزيادة التي كانت مقررة لها في الاتفاق الأخير والتي تصل إلى حوالي 350 ألف برميل يوميًّا
|