|
مع الاعتراف بأن هناك بعض القيود الدولية النابعة من البيئة العالمية، والتي تؤثر سلبيًّا على التفاوت الاقتصادي بين دول المؤتمر الإسلامي، خاصة في مجال التجارة البيئية، فإن العوائق الداخلية النابعة من دول المؤتمر الإسلامي نفسها وطبيعة نظرتها للمنظمة هي العوائق الأهم في هذا المجال؛ فلا يمكن إنكار أن التغيرات السياسية والاقتصادية العالمية في العقود الثلاثة الأخيرة، قد أدت إلى تآكل قدرة حكومات الدول الإسلامية والنامية عامة على تحديد وتقرير اتجاه الأحداث، وعززت القيود المفروضة على استقلالية صنع السياسة في هذه الدول، وزادت قابلية اقتصادياتها للتأثر، كذلك لا يمكن إنكار أن الثورة التكنولوجية الهائلة قد ساعدت على تآكل المزايا النسبية التقليدية للدول النامية في العمل والمواد الأولية، ومن ثَمَّ أضعف من موقفها التنافسي في التجارة الدولية، والذي ساهم في إضعافه أيضًا ما أسفرت عنه دورة أورجواي من اتفاقيات وما أفرزته الإقليمية الجديدة من تجمعات تضم دول رئيسية في التجارة العالمية. وأخيرًا لا يمكن إنكار الدور الذي تقوم به الدول الغربية للحيلولة دون الوصول إلى تكتل عربي إسلامي اقتصادي أو سياسي من خلال ما تطرحه من مبادرات مناقضة وهادمة لمثل هذا التكتل، ولكن على الرغم من كل ذلك تبقى المسئولية الأكبر واللوم الأعظم واقعًا على دول المؤتمر الإسلامي ذاتها. ومن هذا المنظور يمكن طرح المعوقات والمشكلات التالية:
غياب الوعي بوجود الأمة
إن المشكلة الأولى التي تواجه التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي وتشكل عائقًا حقيقيًّا أمامه، تتمثل في الافتقار إلى شعور بالوعي بوجود أمة إسلامية والانتماء إليها وغياب الإرادة السياسية.
فهذه الإرادة، إلى جانب الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، تمثل الأساس الطبيعي والضروري للتعاون متعدد الأطراف، والالتزام الأساسي بالتضامن الإسلامي الذي يقع في صميم التعاون بين الدول الأعضاء في المنظمة إنما يمثل القوة الدافعة لهذه الإرادة السياسية. ومن ثَمَّ تشكل الإرادة السياسية العنصر الحاكم والشرط الضروري لنجاح تحول جهود التعاون الاقتصادي بين دول المؤتمر الإسلامي إلى واقع ملموس، وذلك على عكس ما قد ينادي به البعض من ضرورة إبعاد السياسة عن التعاون الاقتصادي، حيث إن هذا التعاون يقف وراءه دائمًا قرار سياسي وإرادة سياسية. ومن ثَمَّ فإن غياب هذا العنصر النابع من الوعي بالتضامن الإسلامي من شأنه هدم أي محاولات حقيقية لتفعيل الآليات القائمة وتحقيق نتائج ملموسة.
تنوع وانتشار جغرافي
الاختلافات الواسعة فيما بين دول منظمة المؤتمر الإسلامي، التي صارت تضم 56 دولة تقع في ثلاث قارات: أفريقيا وآسيا وأوروبا. إلى جانب هذا الانتشار الجغرافي الواسع، فإن المجموعة أيضًا تتسم بدرجة عالية من التنوع من حيث هياكلها الإنتاجية، وخلفياتها الإثنية ونظمها السياسية والاقتصادية ومستويات ومراحل التنمية الاقتصادية. أكثر من ذلك؛ فإن هذه المجموعة تجسد اختلافات كبيرة من حيث علاقاتها الدولية والتزاماتها وميراثها الاستعماري. إن هذه الصورة، وخاصة تلك المتصلة بالعلاقات الدولية، يمكن أن تؤثر بشكل كبير على العمل الجماعي التعاوني في إطار المنظمة، فعلى الرغم من التزام دول المنظمة بقضية مشتركة تربطها مع بعضها البعض، فإنه عادة ما تبرز مواقف تتغلب فيها الالتزامات الدولية على أي التزام آخر تجاه المنظمة، ويبدو ذلك صحيحًا بصفة خاصة حينما يتعلق الأمر بنظام دولة معينة يعتمد بدرجة كبيرة للغاية على الدعم الغربي من أجل بقائه واستمراره. في ظل هذه الأوضاع؛ فإن أي تحرك جماعي قد يكون من شأنه أن يعرض للخطر بعض المصالح الغربية، يتم عادة مقاومته من داخل المجموعة نفسها، ونظرًا للاختلافات في النظم الاقتصادية، والمصالح، والأولويات ودرجة الاندماج في النظام الاقتصادي الدولي، تبرز الاختلافات واسعة النطاق في الرؤى بشأن أفضل الطرق التي ينبغي ولوجها، وكيفية التعامل مع المشكلات والقضايا الاقتصادية الدولية، ومن ثَمَّ فإن هذا العامل يمكن أن يفسر إلى حد كبير التقدم المحدود والمعدل البطيء للتعاون الاقتصادي الإسلامي حتى الآن.
ويرتبط بذلك أيضًا ما تلعبه الخلافات السياسية ونشوب الصراعات والحروب بين الدول الأعضاء من دور سلبي في مجال العلاقات الاقتصادية عامة، والتجارية خاصة، وينبغي هنا ملاحظة أن هناك درجة عالية من التأثير والتأثر المتبادل بين هذه الخلافات السياسية من ناحية وضعف العلاقات الاقتصادية من ناحية أخرى، فكما أن الخلافات السياسية تضعف من هذه العلاقات الاقتصادية، فإن ضعف العلاقات الاقتصادية من شأنه أن يبقي على هذه الخلافات السياسية ويعمقها، حيث ينعدم هنا الدافع الذي يمكن أن يقود هذه الدول إلى محاولة تسوية خلافاتها وتحسين علاقاتها، وتظل هذه الدول تدور في دائرة مفرغة من الخلافات السياسية وضعف العلاقات الاقتصادية.
مؤسسة فرعية في نظر الأعضاء
معظم الدول الأعضاء تشكل المنظمة بالنسبة لها مؤسسة فرعية، تظل أو تبقى ثانوية بالنسبة للمؤسسات والترتيبات الأخرى التي يقدرونها بدرجة أكبر بكثير. فمنظمة المؤتمر الإسلامي بالنسبة لمعظم أعضائها هي أداة سياسية ذات أهمية ثانوية، تستخدمها عندما تحتاج إليها من أجل ضمان تأييدها لقضايا ليست ذات صلة باهتمامات المنظمة، ولحسم مواقف نشأت في إطار المنظمة أو في إطار ظروف خارجة عن حدود نطاق وصلاحيات المنظمة.
والواقع أن طبيعة هذه النظرة تنعكس على الوضع المالي للمنظمة ككل ومؤسساتها بصفة خاصة، بما في ذلك السكرتارية العامة. فالدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي يتوقعون أن تقوم المنظمة بعمل العديد من الأشياء لها في كل مجال، ولكنها في نفس الوقت لا تريد أن تساهم بالكثير في ميزانيتها. وقد أصبح من قبيل القاعدة -لا الاستثناء- أن نجد دولاً كثيرة أعضاء تتأخر في دفع مساهماتها السنوية للمنظمة أو تدفعها بشكل غير منتظم. وعادة ما تصوت الدول الأعضاء بشكل روتيني ضد أي زيادات بسيطة في الميزانيات السنوية والتي تمثل أمرًا حيويًا لمواجهة الارتفاع المستمر في تكاليف البرامج والأنشطة القائمة.
المنظمة بديلاً للغرب!!
مشكلة أخرى هامة، تتمثل في أن الدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي ترفض الظهور كما لو كانت تريد قطع روابطها التاريخية القائمة مع شركائها الاقتصاديين في الغرب والنظام الاقتصادي العالمي ككل، ويعود ذلك إلى أن الكثير من الدول الإسلامية كانت مستعمرات سابقة لدول الغرب، وتشكلت أنماط تعاملاتها الاقتصادية وخاصة التجارية وفقًا لهذه العلاقة. ومن ثَمَّ تجد هذه الدول أنه من الصعب قطع هذه الروابط الموروثة. والواقع أن التعاون في إطار منظمة المؤتمر الإسلامي، سواء على مستوى المنظمة ككل أو في صورة برامج تعاون إقليمي، سوف يكون من شأنه استغلال المقدرات والموارد غير المنتفع بها، واستغلال فرص الاستثمار المتاحة، مما سيؤدي إلى زيادة الدخل وتوسيع الأسواق وتحقيق الرفاهية لدول المنظمة، وهذا من شأنه أن ينعش ويوسع من الروابط الاقتصادية التجارية مع الشركاء في الغرب، ولكن بعد أن تؤسس على أسس جديدة.
اختلال هيكل الإنتاج
أحد العوائق الهامة التي تعوق تطوير العلاقات البينية التجارية يتمثل في هيكل الإنتاج لدى المؤتمر الإسلامي، حيث تشير البيانات المتاحة إلى أن القطاع الخدمي يمثل نحو 44.2% من الناتج الإجمالي. وهو في الواقع قطاع غير ناضج وذو طبيعة جنينية في معظم الدول، ويبلغ نصيب الزراعة 38.9% وهو ما يوازي تقريبًا ضعف نصيب الصناعة. فالزراعة تمثل القطاع السائد في كل الدول التي تصنف على أنها أقل نموًا في إطار المنظمة، وذلك من حيث مساهمتها في التوظيف وتوليد العملة الأجنبية والدخل، أما بالنسبة للصناعة؛ فإن غالبية الدول التي تسود فيها الصناعة هي دول منتجة للبترول. ومن ثَمَّ كانت أهمية الأنشطة الصناعية المصاحبة لاستخراج ومعالجة البترول، حيث إن – ومع قليل من الاستثناءات – نصيب الصناعة التحويلية manufacturing من إجمالي الإنتاج الصناعي هو نصيب متواضع للغاية.
ونظرًا لطبيعة هذا الهيكل الإنتاجي؛ فإن غالبية دول المنظمة تشكل في النهاية دولاً منتجة للمواد الأولية، سواء كانت معدنية أو زراعية، ويترتب على ذلك أن قدرًا محدودًا من هذه المنتجات الأولية يصبح قابلاً للتصدير، مما يفرض قيدًا خطيرًا على العلاقات التجارية البينية مع الشركاء الآخرين داخل المنظمة، حيث تصبح دول المنظمة في النهاية غير قادرة على أن تقدم لبعضها البعض حاجاتها من السلع المصنعة المختلفة والمنتجات ذات التكنولوجيا المتقدمة. ومن ثَمَّ، فإن التجارة الخارجية لهذه المجموعة من الدول يسيطر عليها –فيما عدا استثناءات قليلة- نمط يتمثل في تصدير المواد الخام واستيراد المنتجات المصنعة. وفي إطار هذا النمط تصبح الدول المتقدمة المصدرة للمصنوعات والمستوردة للمواد الأولية هم شركاء التجارة الرئيسيين للدول الأعضاء في منظمة المؤتمر الإسلامي، ويساهم في الإبقاء على هذا النمط تخلف دول المؤتمر الإسلامي في المجال التكنولوجي، الأمر الذي يجعلها مستهلكة لإنتاج غيرها، ويضعف من قدرتها على المنافسة في الأسواق المختلفة سواء في داخل الدول الأعضاء أو في الأسواق العالمية.
المساعدات والفوائد المتبادلة فقط!!
إلى جانب ذلك؛ فإن طبيعة هياكل الإنتاج السائدة في دول المؤتمر الإسلامي ينعكس على مستوى الدخل ومستويات المعيشة لديها. ومن ثَمَّ يبرز التباين الواضح بين دول المجموعة، الذي ينعكس بدوره على نظرتها ورؤيتها لما يجب أن تكون عليه أنشطة التعاون بين دول المنظمة، فتشير الخبرة المتراكمة في هذا الإطار إلى أن الدول الفقيرة في منظمة المؤتمر الإسلامي تنظر إلى التعاون بالأساس من خلال زاوية المساعدات، في حين تنظر إليه الدول الغنية من زاوية الفوائد المتبادلة بما يشكل في النهاية عائقًا يمنع ويعوق المستويات الأكثر تقدمًا للتعاون.
ضعف رصيد العملات
كذلك يترتب على طبيعة الهياكل الإنتاجية السائدة أن مجموعة كبيرة من الدول الإسلامية تعاني من ضعف ومحدودية رصيدها من العملة الأجنبية؛ نتيجة اعتمادها على بيع عدد محدود من المواد الأولية. ومن ثَمَّ تصبح عملية تمويل تدفقاتها التجارية مشكلة حقيقية. فهذه الدول عادة ما تواجه بمشكلات حادة في حساباتها الجارية وموازين مدفوعاتها ويترتب على ذلك تحويلات هامة في التجارة، حيث إن المقاولين والتجار من القطاع الخاص، والذين يمثلون قطاعًا سائدًا في ظل نظام التجارة الحرة، يرفضون الدخول في ترتيبات مدفوعات طويلة الأجل أو متوسطة الأجل مع الدول غير القادرة على تمويل تدفقاتها التجارية.
إن مشكلة التمويل، إذ تشكل قضية أساسية ومشكلة حقيقية تواجه توسيع التجارة البينية في إطار العالم الإسلامي، وعلى الرغم من الدول الذي يضطلع به البنك الإسلامي للتنمية في مجال التجارة البينية إلا أن الأمر يحتاج إلى المزيد. وهنا تصبح مساهمة مؤسسات التمويل الإقليمية والقومية بصورة أكثر إيجابية وفعالية أمرًا ضروريًا- كما سبقت الإشارة إليه . وهذا الأمر ليس صعبًا في ضوء حقيقة مفادها أن الفوائض المالية لدى الدول العربية والإسلامية المودعة حاليًا لدى البنوك بالولايات المتحدة الأمريكية والدول الغربية تقدر بحوالي 800 مليار دولار أمريكي، وأن هذه الأموال خاصة ببعض الدول البترولية التي لا تقدر على استيعابها داخل أوطانها، في الوقت الذي توجد فيه عدة دول إسلامية أخرى لديها الحاجة والقدرة على استيعاب واستغلال هذه الفوائض في مشروعات مختلفة.
في ضوء ما تقدم، يتضح أن هناك العديد من المعوقات التي تواجه التعاون الاقتصادي عامة والتجاري خاصة بين الدول الإسلامية، وتحول دون بلوغ المستوى المؤهل من العلاقات الاقتصادية لقيام وإنشاء سوق إسلامية مشتركة. ولكن في مواجهة هذه المعوقات يمكن تلمس مجموعة من الإمكانات التي تشكل مقومات أساسية للنجاح في هذا المجال.
كلية الاقتصاد- جامعة القاهرة
*نشر هذا المقال بالتعاون مع حولية "أمتي في العالم"؛ وهو تقرير دوري يعنى بشئون العالم الإسلامي، ويصدر عن مركز الحضارة للدراسات السياسية بالقاهرة، ت : 002027356543
|