English

 

الثلاثاء. مايو. 1, 2007

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عالمية

 
   
روابط من إسلام أون لاين

حصار العولمة في "مصنع الأفكار"!!

نبيل شبيب

Image

كان حديث القائمين على منتدى دافوس 2001 إلى الإعلام، يركّز على نقطة رئيسية، هي سبل تقليص الفجوة بين الثراء والفقر، وتخفيف أضرار العولمة على البلدان الأضعف اقتصاديًّا وماليًّا، ثم انتهى المؤتمر فكانت النقطة الرئيسية البارزة في حصيلته والتي ركّز الإعلام عليها هي أن المجتمعين خففوا درجة التشاؤم المنتشر على صعيد الاقتصاد "العالمي"، والمقصود كالمعتاد هو الاقتصاد الغربي، فالخبراء يقولون: إن الركود الاقتصادي الذي بدأت معالمه بالظهور في الولايات المتحدة الأمريكية لن يكون "ركودًا شديدًا"، ولن يؤثّر سلبيًّا على الازدهار الاقتصادي الذي تحرّكت بوادره في أوروبا، وإن كان يوجد خطر ما، فهو صادر عن عجز اليابان حتى الآن عن الخروج من أزمتها المالية وعن استمرار ضعف انتعاش الوضع الاقتصادي بعد الأزمة الشديدة في جنوب شرق آسيا.. وطغى هذا الموضوع على ما سواه، كالحديث عن آفاق التطوّر في مستقبل التقنية الرقمية، وأبعاد القلق على مصير مسيرة أوسلو التي يعتبر منتدى دافوس من مرتكزاتها الأساسية.

اقرأ في الموضوع:

1 - مقاييس "دافوس"

2 - احتجاجات المعارضين.. أشكال ودوافع

3 - الدور المرفوض

4 - انحياز دافوس.. والبديل

مقاييس "دافوس"

غاب السؤال المحوري الجوهري كما كان يوصف، بصدد مصير غالبية البشر في ظلّ ما أفرزته العولمة من سلبيات ومخاطر لم يَعُد ينكر وجودها أشدّ المنتفعين من العولمة انتصارًا لها، وبقي التناقض القائم على هذا الصعيد محصورًا في نطاق التنويه بضرورة المراعاة "وليس ممارسة المراعاة الفعلية العملية" لأسباب القلق والانزعاج من جانب المعترضين، وقد ازدادت أعدادهم في هذه الأثناء حتى في "بلدان المنشأ" للعولمة في الغرب، وتردّد ذلك التنويه في كلمات افتتاح المنتدى.. ولكن لم ينعكس على أرض الواقع إلا في الإجراءات الأمنية.

ثم أين هي الاقتراحات العملية التي يُفترض أن تصدر عن "مصنع الأفكار" كما توصف منتديات "دافوس" لتوجيه الفعاليات السياسية والاقتصادية في دول العالم ومنظماته توجيهًا يضمن إيجاد بعض التوازن بين سكانه، بعد أن أصبح عدد كبير من المفكرين في الغرب، يحذّر من عواقب مسيرة العولمة، ويتنبّأ بسقوط الرأسمالية نتيجة تحرّكها في المجتمعات بأسلوب متجبّر؟!..

لقد ورد الحديث في دافوس عن الوسائل المناسبة لتهدئة الغاضبين والمحتجين، وورد أكثر من تنبيه على استفحال الأضرار المترتبة على تعميق الهوة الفاصلة بين الثراء والفقر، وبين التقدّم والتخلّف، ولكن جميع ذلك كان في عبارات جانبية فيما ألقاه صانعو القرار الاقتصادي والمالي عالميًّا، أما التركيز عليه فكان في الكلمات التي ألقاها مَن يتحرّكون خارج دائرة صناعة القرار، من زعماء بعض دول الجنوب المنكوب بنفسه وبأطماع الشمال وهيمنته عليه، وفي كلمات بعض ممثلي المنظمات غير الحكومية، بينما بدا للمراقبين أن دعوة هؤلاء وهؤلاء إلى المشاركة في المنتدى، لم تكن من أجل الاستماع إلى ما يقولون والاستفادة منه، ناهيك عن فتح الأبواب أمام إسهامهم فعلاً في إيجاد "أرضية مشتركة" لصناعة القرار الاقتصادي والمالي عالميًّا، إنّما كانت الدعوة للمشاركة تستهدف الحصول على ما يشبه شهادة براءة مزوّرة، عبر الإشارة إلى وجودهم في دافوس؛ للترويج إعلاميًّا أن خيوط الحوار بين المهيمنين والمتضرّرين في عالم العولمة موصولة ولم تنقطع. أمّا من أراد تقدير ثقل هذه المشاركة تقديرًا قويمًا، فتكفيه المقارنة العددية بين الفريقين ومَن يمثلونهم، أو ما يمثلونه.. أي بين ستين شخصًا وثلاثة آلاف شخص من المشاركين في منتدى دافوس، وهذا رغم اسمه الشامل للبشرية نظريًّا: المنتدى الاقتصادي العالمي، فمن الواضح أن الأصوات المتحدّثة فيه لا تمثّل النسب المئوية لتوزيع البشر باعتبار مصالحهم واحتياجاتهم الاقتصادية والمعيشية، بل تمثّل النسب المئوية لتوزيع عنصر المال كعنصر قوّة أساسي، وتوزيع أسباب السيطرة المادية بين البشر، وهذا على غرار تطبيقات أخرى لأسلوب تفكير غربي مادي محض، كما هو معروف مثلاً عن نظام التصويت في الشركات المساهمة على حسب الحجم المالي للإسهام، أو في مؤسسات دولية كصندوق النقد الدولي والمصرف المالي العالمي، وفق حصة المشاركة المالية فقط.

وسيّان ما يقال بهذا الصدد وما يُطرح من تبرير منطقي أو غير منطقي، فالمهمّ هو الحصيلة، والحصيلة هي أن منتديات دافوس لا تناقش كيفية تحسين أوضاع الإنسان الفرد من الغالبية العظمى من البشر، بل تناقش كيفية تحسين الدخل المادي المحض لفئة محدودة تهيمن على أسباب حياة البشر المعيشية؛ ولهذا لا يسري تقويم الأوضاع المالية والاقتصادية العالمية على أساس مقاييس تراعي نسبة من ارتفع دخلهم، أو مدى تحسّن الخدمات التعليمية والصحية والسكنية وغيرهم بالنسبة إليهم، بل تسري بدلاً من ذلك مقاييس النجاح والإخفاق في "الاقتصاد العالمي" كما يوصف، على أساس أرقام الميزانيات المالية والعائدات والأرباح والاستثمارات، ونسب النمو الاقتصادي في بعض دول العالم وشركاتها فقط.. دون النظر في مفعول ذلك في العلاقات البشرية والحياة الإنسانية.

ولهذا أيضًا لم يكن من المهم في تقويم حصيلة منتدى دافوس 2001، أنه تابع طريقه السابق فلم يتحقق فيه شيء ممّا يقال منذ سنوات عديدة بشأن تخفيف هُوّة الثراء والفقر، بل كان العنصر المهمّ في التقويم هو تقدير مستقبل دورة "الازدهار والركود" في شبكة الشركات والمصارف المالية الرأسمالية في الدول الصناعية، وإن كان من المنغّصات وجود فريق من المعارضين لهذه المسيرة الغربية.. داخل الغرب نفسه!..

احتجاجات المعارضين.. أشكال ودوافع

لا يستهان بالمظاهرات الاحتجاجية التي لم يَعُد ينعقد مؤتمر دولي على طريق العولمة إلا وباتت تشغل - رغم انزعاج المؤتمرين "الكبار" - أضواءَ عدسات وسائل الإعلام، وتلقي بظلال سوداء على المناقشات، على أنه في الوقت نفسه لا يصحّ التهويل من شأن مفعولها على تلك المؤتمرات، فمعايير نجاح المؤتمرات وإخفاقها بعيدة عن ذلك، إنما يحدّدها حجم الاختلافات الآنية المتقلّبة بين القوى الاقتصادية والمالية الرئيسية بصدد "اقتسـام الغنيمة" العالمية، وهو ما برز للعيان في مؤتمر سياتل للتجارة الدولية أكثر من سـواه، بعد اسـتفحال تضارب المصالح التجارية الأوروبية - الأمريكية، ثم كان هذا التضارب من الأسباب التي ساهمت في فسح المجال بصورة أوضح لإبراز التناقض المعروف بين الدول الصناعية عمومًا والدول النامية.

يسري شبيه ذلك على منتدى دافوس الأخير، فمعظم ما صدر من مواقف وتصريحات وما ألقي من محاضرات وعقد من ندوات، وكان يمس قضايا "العالم الثالث" أو قضايا الفقر والثراء وقضايا التخلّف والتقدم عمومًا، بقي – كما في السنوات الماضية - في الحدود النظرية، ولئن وصل بعض ذلك إلى مستوى مشاريع إنمائية ينظّمها المنتدى أو يشجّع عليها في نشاطاته الدائمة، فهذه كما هو معروف عنها في البلقان أو بعض البلدان العربية مثلاً، ترتبط أولاً بأغراض سياسية محضة، من ذلك ما يوصف بمشروع الروّاد أو القادة الشباب بهدف إيجاد أكبر عدد ممكن من الأشخاص في مواقع صناعة القرار غدًا، على أن يكونوا من المرتبطين بصورة ما بشبكات تعاون منظم، يجمع عناصر مختارين من عدة بلدان عربية ومن الأرض المغتصبة، وفق مخططات "مركز بيريس للسلام" المشرف على مشاريع دافوس بهذا الصدد، ولكن بغض النظر عن الغرض السياسي المرفوض، فإن المشاريع ذات الصفة الإنمائية الغالبة موضوعة أيضًا وبالموازين الاقتصادية المحضة بصورة تحقق مصالح فئة على حساب أخرى، وبما يخدم الشركات الغربية القائمة عليها أكثر من البلد المعني نفسه.

على أن الانحراف الشديد في مسيرة العولمة لا يقتصر على العلاقات بين الشمال والجنوب، بل يمتد إلى داخل المجتمعات الغربية، وهذا بالذات ما برز في الأعوام الأخيرة بصورة واضحة، ووصل إلى ذروة جديدة في منتدى دافوس 2001؛ إذ أصبحت فئات محدودة العدد داخل البلدان الصناعية قادرة على فرض الضغوط لتنفيذ إرادتها وتحقيق منافعها الذاتية، ليس على المستوى العالمي فقط، بل "وطنيًّا" أيضًا مستفيدة من فعاليات العولمة نفسها، فالقدرة على التحكم بمزيد من الأسواق الاستهلاكية والاستثمارية عالميًّا، تعني ازدياد قوة الموقع المسيطر الذي تحتله الشركات والمصارف المالية في الوطن الأم أيضًا، وهذا ما عزّز مظاهر ما يسمّى الرأسمالية المتشدّدة، وسبب ضغوطًا شديدة على القوى العاملة والضمانات الاجتماعية، جنبًا إلى جنب مع ازدياد تأثير قوّة المال على صناعة القرار السياسي. وكثيرًا ما تُستخدم حجّة ازدياد "حدّة المنافسة الدولية" لتبرير القرارات السياسية التي تحقق مصالح رجال المال والأعمال ومطامعهم، هذا مع ملاحظة أنهم هم أنفسهم من يصنعون مع أمثالهم وعبر شركاتهم العابرة للحدود، أجواء تلك المنافسة ويزيدون من حدّتها فيما بينهم، ثم يجعلونها حجّة لمزيد من الميزات لصالحهم وطنيًّا.

على أن السؤال الذي تطرحه الأحداث المرافقة لمنتدى دافوس الأخيرة هو عن طبيعة الاحتجاجات الرافضة من داخل الغرب وما يترتّب عليها وما يشابهها، ممّا يرافق المؤتمرات الدولية، وهل يمكن استشراف تغيير ما قد ينبني عليها في المستقبل المنظور. ربّما أفلحت الاحتجاجات كما أعطى مثال منتدى دافوس 2001 في أن تكشف الأمور كما هي أمام الرأي العام، وأن تنزع عن الهيمنة قناع ادّعاء الإنسانية والمصلحة العامة المشتركة، وقد تصل في أقصى الحالات إلى اضطرار صانعي القرار بصدد مسيرة العولمة إلى التحرّك وراء المتاريس الأمنية كما ظهر في دافوس بصورة استعراضية، ومثل هذه "التوعية" يمكن أن يكون منطلقًا في المستقبل لإحداث تغيير ما، ولكن هل يمكن للاحتجاجات بأبعادها الراهنة أن توجد بديلاً عن الخلل القائم حاليًا؟..

الاحتجاجات التي دفعت المسؤولين في سويسرا إلى تحويل بلدة دافوس ومقرّ اجتماعات المنتدى الدولي الكبير إلى سـجن محاط بمختلف أسباب العزلة والحماية معًا، هي من صنع مجموعة متباينة من المنظمات غير الحكومية، فمنها من يتحرّك بدافع مصالح مادية للفئة التي يمثلها، كروابط المزارعين الأوروبيين والنقابات العمالية، ومنها من يتخذ مواقف الدفاع عن "البلدان النامية" نتيجة اقتناع ذاتي أصبحت تصنعه المخاوف من نتائج مستقبلية وخيمة في العلاقات الدولية، أو تصنعه المشاعر الإنسانية المحضة، كما هو الحال في أوساط كثير من منظمات أنصار حقوق الإنسان.

وفي إطار المنظمات المستقلة التي تتحرّك بدوافع إنسانية محضة، وبتأثير ما تتابعه من نتائج الفقر والتخلف والاستبداد الدولي والمحلي على أوضاع الإنسان والأوضاع المعيشية اليومية في البلدان النامية، يلاحظ أنها بطبيعة تكوينها تنطلق فيما تضعه من صياغة لمطالبها ومواقفها من دائرة قيم وأفكار غربية الجذور والتصورات، وهذا ما يؤدي إلى حصيلة تتفق في بعض جوانبها فقط مع الاحتياجات الحقيقية في المنطقة المعنية نفسها وتتناقض في الوقت نفسه مع دائرة القيم والأفكار السائدة فيها، وهي في سائر الأحوال لا تؤدي إلى تغيير جذري في صياغة الأرضية التي تقوم العولمة الاقتصادية والمالية عليها كمرحلة "متقدّمة" من مراحل الرأسمالية الغربية.

وسيّان ما هي الاعتبارات والمصالح المحرّكة لمواقف الاحتجاج والرفض في نطاق الدول الصناعية نفسها، وما هو حجم الالتقاء والافتراق بين مطالب المنظمات والقوى الفاعلة من ورائها، فقد كانت موجودة في فترات زمنية سابقة، ولكن ما أبرزها للعيان في الوقت الحاضر هو صعوبة تجاوزها في ظلّ إمكانات التواصل والإعلام الحديثة، والتي تعطيها قوّة متصاعدة حجمًا وتأثيرًا، فلم يَعُد يتحرّك كل فريق منها على انفراد، ولا عاد تنظيم الحملات المشتركة بينها يتطلّب جهودًا تنظيمية تتجاوز طاقاتها، فتضاعفت نسبة ظهورها نوعيًّا على هامش المؤتمرات الدولية العملاقة بصورة خاصة، كما تضاعفت نسبة تأثيرها عبر اهتمام وسائل الإعلام المتطورة بنشاطاتها، وبالتالي في انتشار أصداء تلك النشاطات أفقيًّا على مساحة جغرافية واسعة.

ويمكن اعتماد إمكانات التواصل التقنية ذاتها لإيجاد قدر ما من التنسيق بين الناشطين في الدول الغربية من تلك المنظمات والفئات المصلحية، وبين الناشطين - أو من يفترض أن ينشطوا - في البلدان العربية والإسلامية؛ لتبنّي قضايا إنسانية واقتصادية حية مشتركة، كالدفاع عن مصالح الفلاحين والعمال وأصحاب المصانع الصغيرة وشركات التصدير والمهنيين وغيرهم من الفئات المتضرّرة أكثر من سواها من سلبيات العولمة في البلدان النامية عامة.

وفي الاحتجاجات داخل الغرب ضدّ دور منتدى دافوس في نطاق العولمة إشارة إلى ارتفاع مستوى الوعي بهذا الدور، رغم أن اللقاء السنوي بحدّ ذاته لم يَعُد بعد ثورة تقنية الاتصال، أكثر من فرصة إضافة للقاء مباشر، وتظاهرة إعلامية كبيرة، تحقق أغراضًا إضافية على هامشها، أمّا مهمة المنتدى الرئيسية فهي ما يصنعه على مدار السنة، وليس في لقائه السنوي فقط، بل إن النشاطات الدائمة هي التي تصنع اللقاء السنوي وليس العكس، والقاسم المشترك بينها هو "صناعة المستقبل عبر تأهيل قيادات شابة جديدة" تتبنى وجهات نظر القائمين على المنتدى.

الدور المرفوض

صحيح أن البداية كانت بأستاذ جامعي هو "كلاس شفاب"، ولكن أمر المنتدى في قبضة رجال المال والأعمال منذ زمن طويل، و"صندوق دافوس" القائم على تمويل أعمال المنتدى وسائر نشاطاته، يضم الآن زهاء مائة شركة عالمية، من بينها عدد كبير من الشركات العملاقة الستين التي تتحكم بالعصب المالي في هيكل النظام الاقتصادي الدولي الراهن.

وليس صحيحًا أن العولمة ظاهرة تشغل المنتدى حديثًا، فالواقع أنها بدأت مسيرتها أو المرحلة المعاصـرة منها مع نهاية الحرب العالمية الثانية ماليًّا واقتصاديًّا، وإن شاع استخدام اسمها الحديث بعد انهيار الشيوعية، ولم يظهر ما يشير إلى أنها ستبدّل الخطّ العام لهذه المسيرة في الفترة المقبلة، أي أن ما يتوقع اقتصاديًّا وماليًّا واجتماعيًّا إذا استمرّت التطورات تجري بقوّة دفعها الحالية، ووفق إرادة القوى الموجّهة لها في الوقت الحاضر، فلا ينتظر أن تكون النتائج بعد بضعة عقود مختلفة في جوهرها وإن اختلفت في حجمها وتأثيرها، عـن النتائج التي تحققت في العقود الماضية.. وكان منها إلى مطلع التسعينيات وبدء الهجمة الجديدة، أن وسطي الدخل الفردي في الشمال كان في عام 1960 يعادل 7 أضعافه في الجنوب، فأصبح في عام 1990 يعادل أكثر من 20 ضعفًا، وكان نصيب الشمال من حركة التجارة العالمية يعادل 70% فأصبح يعادل 87%، وأصبح في الإمكان أن ينفق الشمال زهاء 450 دولارًا سنويًّا على الفرد الواحد وسطيًّا في الميدان الصحي، و490 دولارًا في الميدان التعليمـي، بينما يهبط هذا الرقم السنوي الوسطي في الجنوب إلى 11 دولارًا في المجال الصحي و 28 دولارًا في مجال التعليم!..

والغريب أن يوجد في بلادنا المتضرّرة من يهوّن من شأن الأخطار المرتبطة بالعولمة – ولا ينبغي التهويل من شأنها أيضًا - لا سيّما وأن هذه الأخطار باتت مرئية، ليس فيما تعكسه الاحتجاجات المشار إليها فقط، بل وعلى ألسنة كثير من المفكرين الغربيين، الذين يحذّرون من أخطار مضاعفة، بعد الأخطار التي تشير إليها الأمثلة المحدودة المذكورة من العقود الماضية، وهي أمثلة من فترة من عولمة الرأسمالية كانت قبل أن يساهم سقوط الشيوعية في مسارعة خطاها ومضاعفة طاقاتها، آما الآن فقد ظهرت معالم وجهها الرأسمالي المطلق، وهو ما وصفته الكاتبة الفرنسية "فيفيان فور ستر" بتعبير "إرهاب الاقتصاد" وجعلت من ذلك عنوانًا لكتاب أصدرته عن المادية الرأسمالية، التي "لم تشهد البشرية من قبلها خطرًا أكبر يهدّد أصل وجودها" كما تقول فور ستر، وهو خطر عالمي شامل في نظر مجموعة من العلماء يتزعّمها عالم الاقتصاد الإيطالي "ريكاردو بيتريلاّ"، وهذا الخطر ينتشر بسرعة طائرة نفاثة أو أن الرأسمالية نفسها باتت "رأسمالية نفاثة" على حدّ تعبير المنظّر العسكري "إدوارد أوتواك"، وهي تقود "جيشًا جديدًا من رؤوس الأموال والحكومات الفاسدة، يتقدّم للسيطرة بأسلوب التدمير، وبما يقضي على البشرية"، كما سبق وَوَرَد في تقرير صدر عن اجتماع اختصاصي انعقد في المكسيك عام 1995، وضمّ عددًا من المفكرين الغربيين الذين يسيطر القلق عليهم إزاء الظاهرة الرأسمالية برداء العولمة الجديد الذي لبسته!..

هذه نماذج من عدد ضخم من الشهادات التي وردت وترد على ألسنة مفكرين غربيين، معظمهم ممّن لا يحسب على اليسار الغربي بالضرورة إطلاقًا، بل يمضي إلى ما يمضون فيه من النقد – ولغايات لا مجال لبيانها هنا - رجل من طراز المضارب السيّئ الصيت "سوروس"، وهي شهادات تقابلها أقوال أولئك الذين يدافعون عن ظاهرة العولمة، وينتقدون الأقلام القلقة إزاء ما أصبحت تجتاحه من بقية باقية من حواجز تجارية أو جمركية أو فكرية أو حتى نفسانية داخل بلادنا العربية والإسلامية، ثمّ يزعمون أن العولمة ظاهرة اعتيادية ليس علينا إلاّ التلاؤم معها وخوض غمارها كما يصنع سوانا!..

ونعلم أن الأصل هو التعامل مع ظاهرة العولمة، دون تشنّج، ودون تهويل من شأنها.. ولكن لا يمكن أن يكون هذا التعامل قويمًا عند التهوين من حقيقة أمرها أيضًا.. بل إن إنكار طبيعة الهيمنة الراسخة في جوهرها، تبسيط ساذج وخطير، فهو أشبه بمن يدعو إلى دخول ساحة حرب بسيوف من خشب!..

انحياز دافوس.. والبديل

لقد أصبح في الوجه المالي والاقتصادي لظاهرة العولمة ما يمثل خطرًا على المجتمع الغربي نفسه، وهو القائم على الرأسمالية والديمقراطية معًا، فالمفروض أن السلطة في هذه المجتمعات هي "سلطة الشعب".. ولكنها لم تَعُد كذلك منذ زمن بعيد، فجوهر الديمقراطية هو أن يحدّد الشعب عبر ممثليه "الضوابط " القانونية وغيرها، التي من شأنها ضمان استمرار فعالية قيم معينة، مثل المساواة، والحرية الشخصية، وحماية الأسرة، وما شابه ذلك.. ولكن ممثلي الشعب هؤلاء فقدوا على أرض الواقع زمام تثبيت الضوابط أو تعديلها، ولم تَعُد منظومة تلك القيم هي التي تتحكم في القرار، بل تتحكم فيه منظومة المصالح المادية لأصحاب المال والأعمال، ويتجلّى ذلك بصورة مباشرة - وعلى الدوام - في سائر القوانين المرتبطة بالضرائب والتأمينات الاجتماعية، ولكنّه يتجلّى أيضًا في عملية تبديل القوانين ذات العلاقة بمضامين القيم الخلقية والاجتماعية، وذلك باتجاه تلبية مصلحة الترويج لبضاعة جديدة مثلاً لأغراض الربح المادي، وإن أدّى ذلك إلى تحطيم قيمة أخرى من منظومة القيم..

وتبقى الحصيلة دومًا في صالح ازدياد سلطان أصحاب المال والأعمال، فيزداد تأثيرهم هم على صناعة القرار، وإن بقي تسويق القانون يعتمد رسميًّا وإعلاميًّا على الحديث عن المصلحة الوطنية أو القومية المشتركة، وكأنّها انحصرت في رفع نسبة النمو الاقتصادي مثلاً، أو في زيادة حجم التبادل التجاري الخارجي مثلاً آخر، أو ما شابه ذلك من عناوين اقتصادية تعرفها المدرسة الرأسمالية منذ القدم، وتكفي نظرة متأمّلة واحدة فيها لرؤية ما تعنيه في واقعها النظري والتطبيقي لصالح فئة الرأسماليين وليس لصالح عامة السكان بالضرورة.. إلا في فترات الازدهار الاقتصادي كما يسمّونه، أي عندما يتحقق عبر "التجارة والاستثمارات الخارجية" فائض كبير على حساب دول وشعوب أخرى، فتصل الأرباح الصافية لصالح الرأسماليين إلى مستويات قياسية، تسمح بأن يحصل العمال منها على نصيب ما!..

إن تبنّي منتدى دافوس الذي يعتبر نفسه شاملاً على المستوى البشري، ويحمل وصف "المنتدى الاقتصادي العالمي"، مسيرة الهيمنة الرأسمالية عالميًّا، يعني على أرض الواقع الانحياز إلى جانب ما يستحق وصف "غول العولمة" بدلاً من العمل على تخفيف أضراره؛ لتتخذ العولمة - كظاهرة صحية في الأصل لتطوير التواصل البشري - مسارًا قويمًا، ولهذا أصبحت صناعة المستقبل في دافوس تركّز الجهود على صناعة الإنسـان نفسه، وفق تصوّرات من يهيمن على البشرية عبر عصب المال عالميًّا، كي يجدوا أرضية مناسبة لتحقيق مصالحهم الأنانية.

وهنا لا ينبغي اختزال متابعة مصانع الفكر في الشمال على متابعة إلقاء كلمة أو مشاركة في ندوة، فنشاطاتها أبعد تأثيرًا من ذلك بكثير، كذلك لا ينبغي اختزال أهميتها على متابعة مواجهات كلامية مؤقتة بوقت المؤتمرات، بل لا بدّ إلى جانب المتابعة والمشاركة من ردود عملية من المنظور العربي والإسلامي، أي لا بد من التغلّب على العقبات السياسية وغير السياسية، ووضع مشاريع عربية وإسلامية مشتركة لصناعة زعامات المستقبل على أرضية أخرى غير أرضية تهيمن علينا عولمتها بدعوى الانفتاح أمام استثمارات شركات عملاقة غربية.

إن البقاء في ذيل قافلة من يصنعون المستقبل على هواهم.. والانقياد لما يضعون من مشاريع تصنع المستقبل.. مقابل الوهم الزائف بأننا نسير معهم ويسيرون معنا لمجرد الجلوس في لقاءات "حوار".. هذا أسلوب لا يوصل العرب والمسلمين إلى أكثر من عتبة من العتبات في بناء مستقبلي تشيّده القوى التي تفرض هيمنتها مالاً واقتصادًا وأمنًا، عالميًّا وإقليميًّا.

المطلوب مشاريع صناعة المستقبل التي تكسر العقبات الراهنة فيما بيننا وبين دولنا، وفعاليات المجتمع لدينا، ومراكز البحوث، ومعاهد العلم، وروابط المصالح المادية المختلفة داخل أرضنا من أبناء أمتنا، بما يشمل مشاريع صناعة الكوادر العاملة والمتخصصة، وصناعة الإمكانات وتطوير المتوفر منها، وصناعة الأفكار والمبتكرات، وغير ذلك، وفق التصورات العربية والإسلامية، ولخدمة المصلحة العربية والإسلامية، وانطلاقًا من المعطيات العربية والإسلامية، ولتحقيق الأهداف العربية والإسلامية.. ثم لا يحضر ما يقوم على أساس ذلك من لقاءات، ولا يشارك فيما ينفذ من مشاريع أحد من خارج النطاق العربي والإسلامي، إلا إذا كان ضيفًا ملتزمًا باحترام قيمنا، أو مؤيدًا مناصرًا يعطي ما يكفي من الأدلة على صدق دعمه لها، أو شريكًا نزيهًا في التعامل على أساس المصالح المتبادلة فعلاً لا قولاً، وجميع ذلك لا يعدو بعض ما كان منتدى دافوس ينادي به كفكرة وليدة قبل بضع وثلاثين سنة، وإن انحرفت مسيرته في اتجاه تغلب عليه العناصر الثابتة في تكوين البنية الهيكلية للحضارة الغربية الحالية، بين مادة مهيمنة، وعنصرية مستمرة، وجدلية صراع لا ينقطع.


  كاتب ومفكر عربي مقيم في ألمانيا

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم