|
| هل تتحقق أحلام الزعماء؟
|
لم يرد بذهن الأديب العالمي "شارلز ديكنز"- حينما ألف روايته الشهيرة "قصة مدينتين" التي خرجت للنور في بدايات القرن الماضي- أن هناك قصة أكبر ضخامة سيجرى تأليفها في بدايات القرن الحادي والعشرين هي "قصة أمريكتين" التي يسعى الرئيس الأمريكي "جورج بوش" لوضع اللمسات الأخيرة لفصولها الرحبة كأكبر منطقة حرة على كوكب الأرض، وذلك تحت عنوان عريض (منطقة التجارة الحرة الأمريكية).
وقصة الأمريكتين لم تنته فصولها بعد؛ إذ لا يزال قادة وزعماء دول 34 دولة- بعد اجتماعهم الأسبوع الماضي 27/4/2001 في إقليم كيبك الكندي- يدرسون حبكتها الدرامية وفق تسلسل أحداث، ربما يفضي في نهاية الأمر إلى خروج أجرأ وأكبر فكرة تكتل إلى النور لخلق منطقة تجارة حرة عملاقة تضم تحت عباءتها أكبر اقتصاد في العالم وأكبر عدد من الدول في تكتل واحد.
لكن منطقة التجارة الحرة الأمريكية (فتا)- التي أعلن عن تأسيسها- لا زالت مجرد أوراق تحمل أفكارا قيد التنفيذ، تتأرجح بين الحلم والواقع؛ بهدف تكوين أوسع منطقة تجارة حرة، وأكبرها تعدادا وحجما، بتعداد يتجاوز 800 مليون نسمة، وبنواتج محلية إجمالية لأربعة وثلاثون دولة تفوق 11 تريليون دولار.
وترمى بنود المنطقة الحلم، التي ظلت رهينة الأدراج سبع سنوات، إلى إزالة القيود الجمركية وغير الجمركية في حركة التجارة بين كافة دول قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية- باستثناء كوبا التي لم تشارك في اجتماع كيبك بكندا وجويانا التابعة للسيادة الفرنسية- إلى معدلات تكاد تكون منعدمة؛ نظرا لضآلتها، بخلاف اتخاذ إجراءات تدرجية من شأنها إزالة أنظمة الحصص الاستيرادية والدعم وغيرها من المعوقات التجارية التي تحول دون انسياب الحركة التجارية بين الدول الأعضاء.
ويفتح الاتفاق الباب أمام المضي قدما في خطوات تحرير التجارة في الخدمات بجانب التجارة السلعية بين الدول الأعضاء، علاوة على توليف القواعد الاستثمارية بما يسمح بتدفق الاستثمارات بين الدول الأعضاء دون قيود، فضلا عن خلق آلية للتحكيم التجارى؛ للفصل بين المنازعات التجارية التي قد تنشأ بين الدول الأعضاء في المنطقة الحرة.
ويسرع الرئيس الأمريكي "جورج بوش" في خطاه صوب حشد التأييد والمساندة لدخول الاتفاق حيز التنفيذ على أرض الواقع؛ منطلقا من عدة عوامل يأتي في مقدمتها ذلك العجز التجارى الفادح الآخذ في الاتساع عاما بعد عام، بعد أن أصبح مرضا مزمنا في وقت تباطأت فيه معدلات نمو الاقتصاد الأمريكي، ووصلت إلى أدنى مستوياتها منذ عشر سنوات تقريبا، واتسع فيه عجز الميزان التجارى الأمريكي ليصل في عام 2000 إلى مستويات فلكية، مسجلا 9ر368 مليار دولار بنسبة 2ر39 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.
محاولة لاستعادة المكانة
ويلح الرئيس الأمريكي على تمرير الاتفاق بخلق منطقة تجارة حرة في الأمريكتين؛ لاستعادة مكانة الولايات المتحدة في محيطها الإقليمي- بعدما تربعت على عرش العالم- حيث اعتادت وتعايشت منذ عقود طويلة مع مبدأ مونرو الذي ينظر إلى أمريكا اللاتينية باعتبارها محمية أمريكية يحظر على الأطراف الخارجية الاقتراب منها.
وتتحرك الإدارة الأمريكية الجديدة وكأنما تستحضر روح مبدأ مونرو الذي تم إقراره في الثاني من ديسمبر لعام 1823، أي قبل 178 عاما، حين لجأ الرئيس الأمريكي الخامس "جيمس مونرو" إلى توجيه رسالة قوية إلى الإمبراطورية الروسية البريطانية، وغيرها من الأطراف الأوروبية؛ لحثها على إسقاط أمريكا اللاتينية من حساباتها التوسعية (الاستعمارية)؛ مطالبا تلك القوى بأن تنأى بنفسها عن الانغماس في تلك المنطقة التي تعتبرها أمريكا منطقة يحظر الاقتراب منها.
وأبدت الإدارة الأمريكية الجديدة التي يترأسها "جورج دبليو بوش" -الرئيس الثالث والأربعون للولايات المتحدة- حرصا شديدا على الإسراع في خطى إتمام الاتفاق بعدما لمست تحركا نشطا من جانب الأطراف الأوروبية التي سعت حثيثا لتوطيد علاقاتها التجارية من خلال اتفاقات تجارة حرة مع بلدان لاتينية وأخرى في أمريكا الشمالية كالمكسيك؛ مما زاد من انزعاج واشنطن.
كما عكست تلك التطورات إخفاقا من الإدارات الأمريكية المتعاقبة في مسألة احتواء البلدان اللاتينية، وانتهاج مسيرة الاتحاد الأوروبي، ويرى بعض المحللين أن واشنطن فشلت على مر العقود الماضية من مجرد الاقتراب إلى نموذج تجارى مماثل للكتلة الأوروبية.
وجسد الممثل التجارى الأمريكي "روبرت زويليك"- المكلف بالعمل في ذلك الملف خلف الستار- تلك الرؤية بقوله خلال زيارة أخيرة إلى "شيلي": "إن السياسة (التجارية) الأمريكية انحرفت في السنوات الأخيرة .. وليس هناك أحد يلام سوى أنفسنا، وهناك ثمن يتعين دفعه نتيجة تأخرنا".
مقامرة كبرى
وتلقى الولايات المتحدة بثقلها السياسي والاقتصادي كأكبر اقتصاد في العالم في ملعب أمريكا اللاتينية، فيما ينظر البعض إلى ذلك بأنها مقامرة كبرى من جانب واشنطن؛ مشككين في مدى قدرة الأطراف في القارتين الأمريكيتين على التوافق والانسجام إلى حد يسمح بانسياب التجارة على نحو سلس.
ولم تكتف الولايات المتحدة لمواجهة عالم التكتلات الذي تشكلت ملامحه بالفعل في السنوات الأخيرة على كوكب الأرض بمجرد الرضا بتكوين منطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا (نافتا) التي دخلت حيز النفاذ اعتبارا من عام 1994 وتضم معها كندا والمكسيك.. بل زاد طموح واشنطن إلى حد إحياء مبدأ مونرو التجارى بشكل يتواءم مع مقتضيات القرن الجديد.
وبميزان القوى الاقتصادية في القارتين الأمريكيتين نجد أن الولايات المتحدة تشكل ما يقرب من تسعة أعشار النواتج المحلية الإجمالية للقارتين بناتج قومي إجمالي بلغ 966ر9 تريليون دولار في عام 2000، وهو ما يراه المحللون بمثابة أهم عامل لإغراء البلدان اللاتينية التي ستفتح أمام منتجاتهم أسواق أكبر اقتصاد في العالم.
فالمكسيك- على سبيل المثال- تنامت صادراتها ثلاثة أمثال منذ تطبيق اتفاقية نافتا في عام 1994، وتذهب نسبة 88 في المائة من الصادرات المكسيكية إلى الأسواق الأمريكية.
ومن جانبها، ترمى الإدارة الأمريكية بنظرها إلى النتائج التي أسفرت عنها تجربة منطقة التجارة الحرة لشمال أمريكا (نافتا)؛ إذ تشير أحدث الإحصاءات إلى أن حجم التبادل التجارى بين الولايات المتحدة والبرازيل تجاوز الـ 29 مليار دولار في عام 2000، وتأمل الولايات المتحدة أن يتضاعف حجم التجارة أو يصل إلى أضعاف حجمها الراهن بمجرد تنبي اتفاق منطقة تجارة حرة.
وكشفت إحصاءات وزارة التجارة الأمريكية توافر إمكانات هائلة لزيادة حجم التبادل التجارى بين البلدان الأمريكية في الشمال والجنوب مستندة في ذلك إلى أن 22% من حجم صادرات الولايات المتحدة ذهب إلى بلدان لاتينية في عام 2000، وإن كان أغلب تلك الصادرات اتجهت إلى الأسواق المكسيكية التي تدخل تحت مظلة (نافتا)، غير أن الوزارة الأمريكية تعتبر تلك النتائج تطورا جديرًا بالاعتبار والاهتمام.
صعوبات تعترض الحلم
ولا تخلو المسألة- رغم الصورة الوردية التي ترنو إليها الإدارة الأمريكية- من مصاعب تعترض طريق التحرير الكافي للتجارة، وهو ما أسهبت مجلة "بيزنيس ويك" في كشفه، واكتفت باستعراض موقف البرازيل أكبر اقتصاد في القارة اللاتينية بناتج إجمالي بلغ 1ر595 مليار دولار عام 2000؛ حيث يعبر مسئولو البرازيل عن ترحيبهم بالصفقة بعقل متفتح، إلا أنهم رهنوا ذلك بموافقة واشنطن على إزالة القيود الحمائية المفروضة على الصادرات البرازيلية الرئيسية.
فمصنعو الصلب البرازيليين يجأرون بالشكوى من الحمائية التي تفرضها عليهم واشنطن، وهو الأمر الذي يكلفهم سنويا 186 مليون دولار في صورة مبيعات ضائعة نتيجة لقيود الإغراق التي أقرتها الولايات المتحدة ضد واردات الصلب من عدة دول من بينها البرازيل.
وبعيدا عن البرازيل؛ فالعديد من البلدان اللاتينية الصغيرة في منطقة الكاريبي يساورها الشكوك في مدى قدرتها على الصمود في وجه التعديلات التي تفرضها خطوة تبني مفاهيم منطقة التجارة الحرة.
فدولة مثل جاميكا- تعتمد بصفة جوهرية على حاصلاتها من الجمارك- وقعت حكومتها في حيرة من أمرها بشأن سبل تدبير موارد لموازنة الدولة إذا شرعت في إجراءات خفض تدريجي للتعريفات الجمركية.
وعلى الجانب الآخر، تقف السلفادور بهواجس أقل تجاه التجمع الأمريكي الجديد، وتنظر الحكومة السلفادورية إلى الاتفاق بنظرة إيجابية نوعا ما؛ حيث تعتبره أقل تهديدا، باعتباره أداة لجذب الاستثمارات، وهو الأمر الذي سيساهم في تخفيف حدة اعتماد السلفادور على تحويلات العاملين بالخارج.
ورغم القرارات، فإن قصة الأمريكتين لم تكتمل بعد؛ إذ لا زالت هناك مخاوف وهواجس بين بعض الأطراف، بخلاف الخطوات التشريعية وضغوط جماعات المصالح الصناعية في الولايات المتحدة لعدم فتح الأسواق، فضلا عن الخلافات المبدئية بين الشمال والجنوب الأمريكي حول قضايا الهجرة، وحرية انتقال الأيدي العاملة، والمعايير البيئية، والإصلاحات المالية والاقتصادية اللازمة لمواكبة تطورات المنطقة.
صحفي اقتصادي
|