English

 

الاثنين. يناير. 21, 2002

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 

بريطانيا.. طفل متمرد على أسرة اليورو!

مغاوري شلبي

"ننتظر ثم نرى".. سياسية تبنتها بريطانيا تجاه اليورو

يثير الموقف البريطاني من العملة الأوروبية الموحدة فضول الجميع؛ لمعرفة أبعاد هذا الموقف والعوامل التي تقف من خلفه؛ حيث فضلت بريطانيا البقاء خارج هذه العملة، رغم الوفاء بشروط الانضمام إليها، وقد تبنت بريطانيا سياسية "ننتظر ثم نرى"، وأكثر ما يثير الفضول في الموقف البريطاني هو وجود آراء مؤيدة وأخرى معارضة للانضمام إلى اليورو، سواء على المستوى الرسمي أو مستوى القطاع الخاص والشركات البريطانية.

وبسبب تعود أوروبا على التمرد البريطاني على الأسرة الأوروبية الموحدة في النواحي السياسية والاقتصادية والثقافية وقيامها بدور الطفل الأوروبي المنشق والمتعقب لظل القطب الأمريكي سياسيًا واقتصاديًا؛ فإن أوروبا قررت البدء في استخدام عملتها الموحدة بدون بريطانيا، رغم ثقلها الاقتصادي الكبير داخل البيت الأوروبي.

ولا تستطيع بريطانيا تجاهل انطلاق هذه العملة الموحدة في الأجل القصير أو الطويل، وفى هذا يقول رئيس الوزراء البريطاني: "إن بريطانيا ستكون على درجة كبيرة من الغباء لو حاولت الهروب من مواجهة حقيقة اليورو"، ويشير إلى أن معارضي اليورو في بريطانيا يدفنون رؤوسهم في الرمال متجاهلين ما حدث ويحدث حولهم من تغيرات هائلة.

ومن المعروف أن حكومة بلير بها اتجاهان: أحدهما مؤيد لانضمام بريطانيا لليورو، والآخر معارض لذلك، وكل منهما له أسانيد ومبررات منطقية، ولكن من الناحية الاقتصادية قد لا تستطيع بريطانيا البقاء خارج نادي اليورو لمدة طويلة، وقد تضطر إلى المسارعة بالانضمام رغم وجود تيار معارض لذلك على المستوى الحكومي والقطاع الخاص.

أبعاد الموقف البريطاني من اليورو، ومستقبل هذا الموقف وإمكانية تغيره، والعوامل التي ستدفع بريطانيا للدخول إلى اليورو، هذه القضايا وغيرها موضوع السطور التالية…

عوامل الدفع

الملاحظ أن تخلف بريطانيا عن الانضمام لليورو ليس بسبب عدم استكمال شروط الانضمام إلى العملة الجديدة أو بسبب سوء أدائها الاقتصادي، ولكن على العكس من ذلك؛ فهناك أداء اقتصادي جيد في بريطانيا خلال السنوات الماضية، ولكن عدم الانضمام يعود إلى أسباب سياسية وإستراتيجية.

ومع بداية ظهور اليورو كوحدة حسابية في أوائل عام 1999 كانت هناك العديد من التخوفات من تخلف بريطانيا عن الانضمام إلى اليورو، وقد حذر العديد من الخبراء من تعرض الشركات الدولية التي تعمل في بريطانيا لبعض المتاعب بسبب عدم انضمام بريطانيا لليورو؛ وذلك بسبب إمكانية فقْد هذه الشركات لقدرتها التنافسية في الأسواق الأوروبية أمام الشركات التي تعمل في الدول الأوروبية الأعضاء في اليورو؛ حيث إن الشركات التي ستعمل في بريطانيا ستتحمل نفقات إضافية متمثلة في تحويلات العملة وغيرها من التكاليف غير المنظورة، إلى جانب ذلك هناك تخوف من تأثر العلاقات التجارية وحركات رؤوس الأموال إلى بريطانيا مع دول اليورو والدول غير الأوروبية.

ويرى الخبراء أن الدول التي انضمت إلى اليورو سوف تكون أكثر قدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وسوف يكون ذلك على حساب نصيب بريطانيا من الاستثمارات الأجنبية، خاصة القادمة من الولايات المتحدة الأمريكية، وكندا، واليابان، وتعتبر بريطانيا المستفيد الأول من هذه الاستثمارات.

وساعدت هذه الآراء والتخوفات على تعزيز موقف رجال الأعمال والسياسيين الراغبين والمؤيدين لانضمام بريطانيا إلى اليورو، ومن المعروف أن حزب المحافظين البريطاني يؤيد الانضمام إلى اليورو، وقد شكل جبهة للضغط على الحكومة من أجل سرعة الانضمام إلى اليورو، وبالتالي فإن العوامل الاقتصادية والمصالح الاقتصادية على المستوى القومي الكلى في بريطانيا ستدفع نحو خيار الانضمام لليورو.

استطلاع الشركات مخيب للآمال

أجرت وكالة "موري" استطلاعها بين الشركات البريطانية حول عضوية بريطانيا في العملة الأوروبية الموحدة "اليورو"، نشرته صحيفة "الفاينانشيال تايمز" في ديسمبر 1999، وشمل الحصر 1000 شركة من الشركات البريطانية.

وأوضحت نتائج الاستطلاع أن نحو 500 شركة تؤيد من حيث المبدأ انضمام بريطانيا إلى الوحدة النقدية الأوروبية، وأن 52% من الشركات الكبرى من حيث ثقلها الاقتصادي التي شملتها عملية الاستطلاع تؤيد إحلال العملة الأوروبية الموحدة "اليورو" محل الجنيه الإسترليني، كما أيد الانضمام نحو 49% من الشركات الموظفة لأكبر عدد من العمالة، وفي حالة أخذ الشركات الصغيرة في الحسبان تنخفض هذه النسبة إلى 37% مما شملهم الحصر، وأبدى نحو الثلث رأيهم في أن تتريث بريطانيا إلى أن تتحقق من نجاح اليورو قبل اتخاذ قرار بالانضمام.

وقد علق المحللون على نتيجة الاستطلاع بأنه مخيب لآمال "توني بلير" رئيس وزراء بريطانيا لعدم نجاح سياسته المبنية على إتاحة الفرصة لقيادات الأعمال في بريطانيا للقيام بدور قيادي لحث الرأي العام البريطاني لتأييد انضمام بريطانيا إلى عضوية اليورو.

ودلت نتائج الاستطلاع الذي أُجري في نوفمبر 2001 على أن الحماس لانضمام بريطانيا إلى اليورو قد انخفض بين الشركات البريطانية الكبرى إلى 52%، وذلك بالمقارنة بالاستطلاع السابق.

كما أوضحت البيانات التفصيلية المستخلصة من الاستطلاع أن الشركات البريطانية قد خيبت آمال الطرفيْن (المؤيد والمعارض) لعضوية بريطانيا في "اليورو"؛ حيث أيدت نسبة 10% من الشركات فقط انضمام بريطانيا بعد الانتخابات العامة (2002) وفى خلال فترة البرلمان القادم، كما أيدت نحو 5% رأي المعارضين بقيادة "وليم هيج" زعيم حزب المحافظين بقاء بريطانيا خارج منطقة اليورو خلال عمر البرلمان الحالي والقادم، ولكن 80% من الشركات أيدت سياسة الحكومة البريطانية التي تقضي بأن قرار عضوية بريطانيا في الوحدة النقدية يجب أن يكون مبنيًا على أسس اقتصادية، ومن ناحية أخرى تعتقد معظم الشركات التي شملها الحصر (76%) أن قرار الانضمام في نهاية الأمر سيكون قرارًا سياسيًا.

وقد وجد كلا المعسكرين (المعارض والمؤيد) ما يعزز موقفيهما؛ فالمؤيدون يرون في نتائج الاستطلاع أنه تأييد للانضمام وفقًا لمعايير الاختبار التي وضعتها الحكومة، والمعارضون يرون أن الاستطلاع قد أوضح بجلاء أن الانضمام إلى عضوية اليورو لا يتمتع بتأييد أغلبية الشركات البريطانية.

ومن الاستخلاصات الهامة من الاستطلاع أن 80% من الألف شركة التي شملها الاستطلاع قرروا أن مسألة الانضمام إلى اليورو لا تؤثر على سياستهم الاستثمارية.

خطة رسمية للانضمام

بعد صدور اليورو وتداوله في الحياة اليومية في يناير 2002 أصبح الرأي العام البريطاني أكثر ميلاً لتأييد الانضمام إلى اليورو بعد أن سمع كثيرًا عن أضرار عدم الانضمام والعزلة البريطانية عن الوحدة النقدية الأوروبية، وقد أصدرت نقابات العمال البريطانية تقريرًا أوضحت فيه أن بريطانيا ستحقق أضعف معدل نمو في أوروبا مع وجود خطر حقيقي للانكماش، كما ستزيد البطالة إلى 400 ألف حالة سنويًا، وخاصة في قطاع الصناعة بسبب إحجامها عن الدخول إلى نادي اليورو.

وقد يزيد تأييد البريطانيين للانضمام لليورو بسبب السفر إلى الدول الأوروبية الأخرى التي تستخدم اليورو، وكذلك بسبب إجراء العديد من التعاملات باليورو داخل بريطانيا بما فيها ماكينات المشروبات والأطعمة التي تقبل الدفع باليورو.

أما الحكومة البريطانية فما زالت تتبنى الموقف القائم على المقولة "ننتظر ونرى"، ولكن الوحدة البريطانية المعروفة باسم "وحدة الاستعداد لليورو" التابعة لوزارة المالية قد أصدرت تقريرًا وضعت فيه خطة للانضمام إلى اليورو، وتتلخص في الخطوات التالية:

1- اتخاذ قرار حكومي بالانضمام إلى اليورو أولا.

2- القيام بإجراء استفتاء شعبي لتأييد الانضمام إلى اليورو، وذلك خلال ثلاثة أشهر من صدور القرار الحكومي.

3- الانضمام رسميًا إلى اليورو بعد مرور خمسة أشهر على الاستفتاء الشعبي المؤيد للانضمام إلى اليورو.

4- المرور بفترة تحول تستمر لمدة 25 شهرًا قبل طرح العملات الورقية أو المعدنية لليورو في التداول في الأسواق البريطانية، وتنتهي فترة الانتقال إلى اليورو خلال ستة أشهر، يجري خلالها عرض الأسعار بالعملتين اليورو والإسترليني.

وهذا يعكس أن هناك استعدادًا على المستوى الرسمي في بريطانيا للانضمام إلى اليورو، على الرغم أن هناك من يرى أن التقارب البريطاني مع الولايات المتحدة الأمريكية هو السبب في إحجام بريطانيا عن الانضمام إلى اليورو، وأن هذا المدخل تسلكه الولايات المتحدة من أجل عدم اكتمال الوحدة النقدية الأوروبية، ولكن هذه الاتهامات الموجهة إلى الولايات المتحدة، وبالرغم أن فيها شيئا من الصحة فإنها تفتقد إلى دلائل الإقناع والإثباتات الكافية، ومع استبعاد هذه الاتهامات فمن المتوقع أن تظل بريطانيا خارج نادي اليورو لفترة قد تتراوح بين 2-5 سنوات، وبعدها سوف تقرر بريطانيا موقفها، وفي الغالب سوف يكون لصالح الانضمام إلى اليورو لأسباب اقتصادية أكثر منها سياسية.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم