|
حينما تكون في موقع أو طريق ما، وتقوم قوة أو طرف ما بحصرك، ودفعك بشدة في اتجاه قد لا ترغب في سلوكه أو حتى دفعك بسرعة لا ترغب فيها، لك الحق أن تتساءل: لماذا يدفعني هذا الطرف؟ وماذا سيجني من ذلك؟
هذا ما يجري -الآن- في العالم؛ حيث يُدفع بشكل متسارع في اتجاه العولمة حتى أصبحت العولمة تيارا جارفاً لا يمكن لبلدان العالم بشكل عام والعالم الثالث بشكل خاص أن تبقى خارجه، أو أن تقاومه رغم أضرارها المحتملة والتحفظات المختلفة عليها.
والسمة الأساسية للعولمة -كما يبرز حتى من تسميتها- هي أن يصبح كل شيء عالمياً " global"، ورفع القيود والحواجز أي التحرير"liberalization"؛ وذلك وصولاً إلى المنافسة الحرة والعادلة بين جميع الأطراف الدولية، والتي يمكننا أن نشبهها بالنسبة للدول النامية بسباقِ رَكْضٍ، يجري تنظيمه في ظل مبدأ "تكافؤ الفرص" بين شخصين؛ أحدهما يشارك برجليْه وقدميْه الحافيتيْن، والآخر يشارك راكبًا سياراته ذات العشرين حصاناً ميكانيكياً، والمشاركة مكفولة في هذا السباق في ظل تنافس شريف؟!
- ولكن ما هي العلاقة بين العولمة والاقتصاد الأمريكي؟
لقد استمر عجز الميزان التجاري الأمريكي في الاتساع بفعل العجز التجاري، ووصل إلى مستويات عالية لم يسبق لها مثيل؛ سواء في قيمته المطلقة أم فيه كنسبة من الناتج الأمريكي؛ فعلى سبيل المثال، لكي يتم تخفيض العجز الأمريكي بصورة ملموسة على مدى سنتين، لا بد أن تنمو الصادرات الأمريكية بضعف معدلها السائد خلال التسعينيات؛ حيث كان متوسط النمو لتلك الفترة 7.5%، وفي نفس الوقت لا بد أن تنخفض الواردات بمعدل النصف (من 11% إلى 5.5% سنويا).
وصار السؤال ملحاً: إلى متى ستستمر الولايات المتحدة الأميركية في البقاء في وضع يطالبها فيه العالم بأكثر مما تطالبه هي به؟؟
وأطلق التحذير التالي: ((بدون إجراء إصلاحات هيكلية في الولايات المتحدة وفي الخارج، وبدون تخفيض مُهم لقيمة الدولار، وبدون إجراء تغييرات هيكلية في دور الأعمال، سيستمر العجز التجاري، وعجز الحساب الجاري في الاتساع حتى يبلغ مستوى لا يمكن تحمله، ربما بعد سنتين أو ثلاثة)).
عجز متزايد وتوصيات ملحة
وقد ساهم تدفق رؤوس الأموال إلى الولايات المتحدة الأمريكية، والاستثمار في السندات الأمريكية - في ازدياد العجز؛ فقد بلغت قيمة السندات الأمريكية غير المسددة خلال العام الماضي حوالي "تريليون ونصف دولار"، وبلغ صافي خدمة الدَّين الأمريكي حوالي 25 مليار دولار. وفي ظل معدلات سعر صرف الدولار السائدة، ومع افتراض معدل نمو ثابت للاقتصاد العالمي حتى 2005 يُقدر ما سيكون عليه العجز في الحساب الجاري الأمريكي –حينئذ- حوالي (600) مليار دولار؛ أي ما يزيد على 5% من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وهي نسبة لم يسبق لها مثيل.
والتوصيات المقدمة في هذا الشأن تشمل القيام بإصلاحات وتغيرات داخلية وخارجية. وما يعنينا أكثر هنا هو الإصلاحات الخارجية، التي تتضمن الحد من الحواجز التجارية وتحرير الأسواق، خاصة في مجال الخدمات التي توصف الآن بأنها "ضرورية أكثر من أي وقت مضى". باختصار، إنه حل العولمة، وهو حل لم يأتِ من فراغ؛ فلقد استفادت الولايات المتحدة –بالفعل- من بوادر العولمة، ويرجع لها الفضل في تأخير الوصول إلى نقطة عدم الاحتمال فيما يخص العجز الأمريكي حتى الآن.
ففي دراسة لمعهد "ماك ماكنيزي العالمي" تبين أن إنتاجية العمل في الولايات المتحدة الأمريكية تفوق نظيرتها في ألمانية واليابان وبريطانيا بنسبة 30% إلى 40% في القطاع المصرفي، وبنسبة تتراوح من 10 إلى 50% من قطاع البيع بالتجزئة، ويُرجع الخبراء نسبة من هذا التطور في الإنتاجية إلى العولمة؛ حيث تُعد "الولايات المتحدة الأمريكية" أكبر مُصدِّر للخدمات التجارية والمهنية؛ إذ ساهم قطاع الخدمات بحوالي 76 مليار دولار من صافي التجارة مع العالم. وقد أسفرت تجارة السلع عن عجز يُقدَّر بحوالي (345) مليار دولار خلال عام 1999.
تمثل حصة الخدمات في الصادرات الأمريكية إلى دول أوروبا المتطورة حوالي 35%، رغم أن حصة الخدمات في الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول تقدر بـ 70%، كما تمثل حصة الخدمات في الصادرات الأمريكية إلى دول أمريكا الوسطى والجنوبية حوالي 25%، في حين تبلغ حصة صادراتها من الخدمات إلى الهند والصين 18% فقط، ويُتوقع أن تتزايد حصة الخدمات في صادرات الولايات المتحدة، ومن هذا الصدد يُعوَّل كثيرا على أن التحرير المتعدد الأطرف لقطاع الخدمات في العالم سوف يساعد في استمرار العجز التجاري الأمريكي في حدود محتملة.
تمس الإصلاحات الداخلية والخارجية المقترحة –أول ما تمس- شركاء الولايات المتحدة الاقتصاديين، ولكنها ستنال الاقتصاد العالمي أيضاً؛ نظراً لكون الولايات المتحدة أكبر اقتصاد في العالم، كما أنها ستفرض على بلدان العالم النامي –خاصة- القيام بإجراءات مواكبة للتغيرات التي تطرأ؛ كالاحتفاظ بأرصدتها الأجنبية في شكل سلة من العملات والذهب -وليس الدولار فقط- تفادياً للخسائر التي قد تنجم عن تخفيض قيمة الدولار، تقوية وتطوير قطاع الخدمات المحلي الناشئ، والذي سيواجه منافسة شديدة من الخارج بسبب سياسات التحرير، والقيام بإصلاحات داخلية تجعل من الأصول المحلية أكثر جاذبية للمستثمرين المحليين والأجانب، وتشكل بديلاً للأصول الأمريكية في مَحَافظ المستمرين.
وفي النقطة الأخيرة فائدة مشتركة لكلٍ من الولايات المتحدة وباقي الدول؛ حيث تستفيد الأخيرة من تدفق رؤوس الأموال والاستثمار الأجنبي، وتستفيد الأولى من انخفاض قيمة الدولار بسبب انخفاض الطلب عليه، وهو ما يحقق تحسنا في الميزان الأمريكي. ورغم كون اقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية أكبر اقتصاد في العالم ويعتبر في كثير من الأحيان عصب الاقتصاد العالمي فإنه ليس من السهل على الولايات المتحدة الأمريكية بمفردها القيام بالإصلاحات المطلوبة خارجياً وداخلياً؛ لتحسين الميزان الأمريكي دون تعاون الآخرين، وهو ما يفرض عليها التعامل في ظل أُطُر دولية؛ مثل مجموعة الدول الصناعية، ومنظمة التجارة الدولية وغيرها، والتي لا يجب على الدول النامية أن تكون بمنأى عن التعامل معها وطرح وجهة نظرها فيها.
|