English

 

الاثنين. مارس. 31, 2003

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 

الصمود.. يرفع فاتورة العدوان

خليل العناني

Image

"الحرب على العراق ربما تطول أكثر مما كنا نتوقع".. كانت هذه كلمات الرئيس الأمريكي جورج بوش في نهاية الأسبوع الأول للعدوان على العراق، تعليقاً على الخسائر التي منيت بها قوات الغزو الأمريكي البريطاني، إثر الصمود العراقي الذي لم يتوقعه خبراء السياسة أو الاقتصاد الأمريكيون في إطار تقديراتهم لتكلفة الحرب ومدتها.

وهذه ليست هي المرة الأولى التي يخفق فيها الأمريكيون في توقعاتهم، سواء لتكلفة الحروب أو مدتها؛ ففي عام 1966 وضعت وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون) تقديراً لتكلفة الحرب على فيتنام بنحو 10 مليارات دولار، إلا أنه في عام 1973 تم الكشف عن أن التكلفة في هذه الحرب ارتفعت بمقدار 90% حتى وصلت 111 مليار دولار.

وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد قدرت ميزانية الحرب بنحو 75 مليار دولار تتضمن منحًا وقروضًا بمليارات الدولارات لمن تسميهم شركاء وأصدقاء في الشرق الأوسط، بينهم إسرائيل والأردن ومصر.. فمن المتوقع أن تكون التكلفة الحقيقية أضعاف هذا المبلغ، خاصة مع الصمود العراقي الذي سيرفع بالتأكيد فاتورة العدوان.

وتخشى الإدارة الامريكية الإعلان عن الرقم الحقيقي لتكلفة العدوان؛ لسببين: أولهما- لأنها ستفقد بذلك ثقة الرأي العام الذي يدفع الجزء الأكبر من هذه التكاليف من جيبه (دافعو الضرائب) بعدما دخلت واشنطن هذه الحرب بلا ممول.

أما السبب الثاني فهو عدم القدرة على تحديد المدى الزمني للحرب، خاصة في ظل المقاومة الشرسة التي تتلقاها القوات المعتدية من جانب القوات العراقية حتى الآن؛ وهو ما دفع بالجميع إلى توقع طول فترة الحرب لأكثر مما خططت له الإدارة الأمريكية.

فاتورة ميدانية

ويمكن ببساطة الوصول لحقيقة أن الصمود العراقي سيرفع تكلفة الحرب إلى أضعاف ما هو معلن باستعراض جزء من فاتورة الحرب الميدانية، وفقا للمعلومات التي ذكرتها كريستيان ساينس مونيتور مارس 2003:

- وصلت تكلفة إرسال الجنود الأمريكيين لمنطقة الخليج حتى بدء الحرب إلى نحو 2.5 مليار دولار.

- تكلفة إلقاء القنابل تتراوح ما بين 10.000 و15.000 دولار في الساعة، وبافتراض أن عمليات إلقاء القنابل تستمر نحو 9 ساعات يوميًّا تصبح التكلفة اليومية ما بين 90.000- 135.000 دولار يوميًّا، وذلك في أقل الظروف، وبافتراض أن الخطة تسير وفقاً لما هو محدد سلفاً، وهو ما لم يتوافر حتى الآن في الحرب على العراق، حيث ما زالت مفاجآت المقاومة تنهال على رءوس الإدارة الأمريكية؛ وهو ما يعني تكثيف الغارات على المدن العراقية.

- تبلغ تكلفة الوجبة للجندي الواحد نحو 6.77 دولارات، وبافتراض أن عدد الجنود الموجودين في أرض المعركة نحو 250.000 جندي، وأن يأكل الجندي وجبتين كاملتين في اليوم كمتوسط، تصبح التكلفة الإجمالية للوجبات في اليوم الواحد نحو 3.385.000 دولار. وسوف تزاد هذه التكلفة مع القوات الإضافية الأمريكية التي يصل عددها 120 ألف مقاتل لمواجهة المقاومة العراقية.

- تبلغ تكلفة تحويل عمليات توجيه الضربات من استخدام الرادار الأرضي لاستخدام الستالايت الجوي نحو 21 ألف دولار، ولنا أن ندرك حجم الضربات اليومية التي تقوم بها قوات الغزو.

- نحو مليون دولار لكل صاروخ "توماهوك" يتم إلقاؤه، وقد كان معدل الصواريخ الملقاة على العراق نحو ألف صاروخ خلال الأيام الثلاثة الأولى للحرب، ومن المتوقع أن يتزايد العدد كلما ازدادت المقاومة العراقية شراسة؛ وهو ما يعني زيادة تكلفة العمليات العسكرية.

- تبلغ تكلفة حاملة الطائرات داخل أرض المعركة نحو 3 ملايين دولار يوميًّا.

وتعتبر الأرقام السابقة مجرد إشارة بسيطة لمدى تكلفة العمليات العسكرية التي تتم حاليًّا الحرب ضد العراق، هذا فضلاً عن الخسائر البشرية المستمرة التي تعني فقدان أشخاص محترفين تم صرف مئات الآلاف من الدولارات لتدريبهم وتأهيلهم لخوض مثل هذه الحرب.

ولذا لم يكن غريباً أن ترفض الإدارة الأمريكية الكشف عن التكلفة الحقيقة لحربها على العراق، خاصة في ظل تردد الأنباء حول إمكانية أن يطول أمد الحرب ليصل لستة أشهر. وفضلت إدارة بوش الإعلان فقط على ميزانية للحرب قدرها 75 مليار دولار وتتضمن مساعدات لأصدقاء أمريكا المتضررين من العدوان، ويرى البعض أن هذه الميزانية لا تكفي إلا لشهر واحد فقط وربما ثلاثة أسابيع.

عبء.. وظروف صعبة

إذا كانت تكلفة العمليات العسكرية للحرب على العراق لن تتعدى -وفق أكثر التقديرات الأمريكية تشاؤماً- الـ 150 مليار دولار؛ فإن ذلك يعد رقماً صغيراً لا يتعدى 1.5% من حجم الناتج المحلي الإجمالى للولايات المتحدة الذي يقدر بنحو 10 تريليونات دولار.

لكن رقم التكلفة العسكرية يصبح عبئاً كبيرا على الاقتصاد الأمريكي في الظروف الحالية الصعبة التي يمر بها. ولتوضيح الصورة أكثر نشير إلى بعض ما يمكن أن تتركه هذه الحرب وارتفاع فاتورتها على الاقتصاد الأمريكي:

1-استمرار العجز في الموازنة العامة فمن شأن الحرب على العراق أن تضيف أعباء جديدة على الموازنة التي هي بطبيعتها مثقلة بالعجز، وتزداد هذه الأعباء مع طلب الإدارة الأمريكية تخصيص 75 مليارا لتغطية تكاليف الحرب، وهو من شأنه رفع عجز الموازنة الأمريكية لعام 2003 إلى نحو 385 مليار دولار، وهو رقم قياسي يتجاوز بكثير ما حدث عام 1992 حين وصل العجز إلى 290 مليار دولار. وإذا ارتفعت الفاتورة إلى الرقم التشاؤمي فإن ذلك يعني مزيدا من العجز للموازنة العامة. وهناك بعض الآراء التي تشير إلى احتمالات أن تلجأ الولايات المتحدة إلى الاقتراض لتمويل نفقات الحرب على العراق؛ نتيجة لذهابها للحرب بقرار منفرد. وجدير بالذكر أن العام الحالي شهد ارتفاعا في موازنة البنتاجون بنسبة بلغت 15%، علماً بأن هذه الزيادة تُعد هي الكبرى التي تخصص لوزارة الدفاع الأمريكية منذ نحو 20 عاماً.

2- التأثير على الأوضاع الاقتصادية العامة؛ حيث إنه من الثابت تاريخياً أن الولايات المتحدة تدخل في مرحلة من الركود بعد انتهاء أي حرب تدخل فيها؛ فعلى سبيل المثال خسرت الولايات المتحدة نحو 37% من إجمالي ناتجها المحلي عقب الحرب العالمية الثانية عام 1943، وكذلك الأمر بعد حرب فيتنام أواخر الستينيات؛ حيث دخل الاقتصاد الأمريكي في ركود طويل.

كما كانت حرب الخليج الثانية 1991 سبباً في عدم فوز بوش الأب لولاية رئاسية جديدة نتيجة لتأثير الحرب على الاقتصاد الأمريكي، على الرغم من أن الولايات المتحدة لم تتحمل سوى 7 مليارات دولار من تكلفة الحرب التي بلغت آنذاك 61 مليار دولار.

 لذا فمن المتوقع أن تؤدي الحرب على العراق إلى دخول الاقتصاد الأمريكي في مرحلة ركود، وكذلك انخفاض في معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي؛ وهو ما يمكن أن يترتب عليه انخفاض في عدد الوظائف المتاحة، ووفقاً لدراسة الباحث الأمريكي "ويليام نوردهاس" عن تداعيات الحرب على الاقتصاد الأمريكي؛ فإن أي انخفاض في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 1% سيقابله انخفاض بمقدار 0.6% في فقدان الوظائف.

3- استمرار الارتفاع في أسعار النفط، وعلى الرغم من أن هذا الارتفاع خلال أيام العدوان ليس كبيرا كما كان متوقعا؛ فإن طول الحرب قد يدفع بالأسعار إلى الارتفاع بشكل كبير، بما يشكل أزمة للاقتصاد الأمريكي، وهنا يذكر البعض أن أسوأ حالتي ركود مرت بهما الولايات المتحدة جاءتا في أعقاب الأزمات النفطية؛ حيث حدث ذلك في السبعينيات خلال عامي 1974-1975، وأوائل الثمانينيات خلال عامي 1981-1982.

- تكلفة المساعدات الخارجية؛ فقد اقترحت واشنطن ضمن ميزانية الحرب مساعدات مالية وعسكرية لدعم حلفائها المتضررين من الحرب، منها: مليار لإسرائيل، و700 مليون دولار للأردن، و300 مليون لمصر. وإذا طالت الحرب فيعني ذلك أن الإدارة الأمريكية سترصد مبالغ إضافية لدعم هؤلاء الحلفاء، وتقدرها مصادر أمريكية بما يتراوح بين 10 و18 مليار دولار.

هل سيتحملون العبء؟

في المقابل نجد أن الاقتصاد الأمريكي يئن تحت ضغوط هائلة؛ مما قد ينبئ بأن الحرب قد تصبح بمثابة القشة التي تقصم ظهره، خاصة على المدى الطويل.

وما يزيد الأمر سوءاً هو أن هناك تيارا داخل الإدارة الأمريكية الحالية يرى في الحرب على العراق مخرجاً للتباطؤ الذي يشهده الاقتصاد الأمريكي، وليس أدل على ذلك من تصريحات مسئولي الإدارة الأمريكية بأن الحرب على العراق يمكن استرداد تكلفتها خلال أقل من عامين بعد انتهاء الحرب من خلال التعويل على مكاسب إعادة الإعمار والنفط العراقي.

لكن الواقع يشير إلى أن الاقتصاد الأمريكي لن يمر بهذه الصورة الوردية التي يرسمها ويروج لها أهل البيت الأبيض، بل على العكس قد تؤدي الحرب إلى تفاقم الأوضاع أكثر مما هي عليه الآن، وذلك من منطلق الدلائل التالية:

- إن الإدارة الأمريكية لم تستطع حتى الآن أن تقدر التكلفة الحقيقية للحرب المحتملة.

- ستتسبب الحرب في زيادة عجز ميزان المدفوعات الفيدرالي الأمريكي الذي وصل حاليا أكثر من 350 مليار دولار، ولعل ذلك ما دفع مسئولي الإدارة الأمريكية إلى محاولة تهيئة الرأي العام الأمريكي لتقبل الحرب، ومحاولة عمل تخفيضات ضريبية وصلت إلى نحو 600 مليار دولار، وذلك من أجل ضمان التأييد المحلي.

وحقيقة الأمر فإن هذه الاقتطاعات لها تأثير سلبي أكثر من الإيجابي؛ حيث من شأنها أن تقلل من عوائد الميزانية التي تنفق على الخدمات الاجتماعية، فضلاً عن أنها تصب بالأساس في خدمة الأغنياء وحملة الأسهم، وليس المواطن الأمريكي العادي.

- إن الكونجرس الأمريكي قد بنى ميزانيته للعام الحالي على أساس أن الناتج المحلي سينمو بنسبة لا تقل عن 2.9%، ثم تتسارع وتيرة النمو لتصل 3.6% في العامين التاليين، وأن متوسط النمو في الأعوام الست القادمة سيصل إلى 3.3%، ولكن الواقع يؤكد عكس ذلك؛ ففي آخر توقعاته لاحتمالات نمو الاقتصاد الأمريكي أشار صندوق النقد الدولي إلى أن معدل النمو لن يتعدى 2.4% لهذا العام، ومن شأن خسارة نصف نقطة فقط من النسب التي اقترحتها ميزانية الكونجرس أن تكبد الموازنات المالية للسنوات العشر القادمة نحو 1.2 تريليون دولار.

خلاصة القول: إن الحرب على العراق تظل مرتفعة التكلفة بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، كما تزيد هذه التكلفة مع استمرار صمود العراقيين.. فهل يقوى الاقتصاد الأمريكي على مواجهة هذه الرياح العاتية، أم ستشكل الحرب على العراق القشة التي ربما تقصم ظهره؟ نترك الإجابة للشهور، وربما السنوات القليلة القادمة.


  خبير اقتصادي مصري 

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم