|
| القانون السعودي طور مفهوم غسيل الأموال
|
الرياض- لم يكن مفاجئًا أن يأتي قانون غسيل الأموال في السعودية، في وقت تتصاعد الانتقادات الأمريكية للمملكة؛ بسبب الزعم بأن أموال الجمعيات الخيرية السعودية تورطت في دعم "الإرهاب".
فهذه الانتقادات ومعها أسباب أخرى مثلت البيئة التي خرج منها هذا القانون الذي جرم تمويل أي أعمال أو منظمات إرهابية جنبًا إلى جنب مع تجريم غسيل أموال الجريمة المنظمة. وهو الأمر الذي يثير استفهامات حول هذا القانون والظروف المختلفة التي أنتجته وتداعياته، خاصة في الجانب المتعلق بالجمعيات الخيرية وكذلك العوائق التي تنتظره؟
فحوى القانون
احتوى قانون غسيل الأموال الذي أصدره مجلس الوزراء السعودي الأسبوع الماضي على عدة بنود حاول من خلالها سد الثغرات أمام غاسلي الأموال، وأبرزها:
- تجريم أية عملية تحويل لأموال ناتجة عن نشاط إجرامي أو غير مشروع، وكذلك تجريم تمويل الأعمال والمنظمات "الإرهابية".
- إنشاء وحدة لمكافحة غسيل الأموال تسمَّى "وحدة التحريات المالية"، وضمن مسؤولياتها تلقي البلاغات وتحليلها وإعداد التقارير عن المعاملات المشبوهة. ولتلك الوحدة عند التأكد من الشبهة أن تطلب من الجهة المختصة بالتحقيق، الحجز التحفظي على الأموال والممتلكات والوسائط المرتبطة بجريمة غسل الأموال لمدة لا تزيد على عشرين يومًا.
- إلزام المؤسسات المالية وغير المالية شروطًا منها: عدم إجراء أي تعامل مالي أو تجاري أو غيره باسم مجهول أو وهمي والتحقق من هوية المتعاملين استنادًا إلى وثائق رسمية؛ والاحتفاظ مدة لا تقل عن عشر سنين من تاريخ انتهاء العملية أو قفل الحساب، بكل السجلات والمستندات لإيضاح التعاملات المالية والصفقات التجارية والنقدية.
تطور المفهوم وظروفه
اللافت في القانون السعودي أنه شهد تطويرًا في مفهوم مكافحة غسيل الأموال، فالمفهوم التقليدي لغسيل الأموال هو محاولة ناشطي الإجرام إخفاء أموال حصلوا عليها من أعمال غير قانونية (مخدرات، سلاح، تهريب...) في أعمال شرعية ليتمكنوا فيما بعد بالتمتع بهذه الأموال التي جنيت من غير أن تتعرض مصادر أموالهم لأي خطر.
غير أن ما أضافه القانون هو تجريم تمويل الأعمال والمنظمات الإرهابية، أي أن مفهوم غسيل الأموال امتد ليضم توجيه أموال نظيفة أو حتى غير نظيفة لتمويل الإرهاب، ومن هناك ربما يفهم لماذا تم التشديد أيضًا على تحويلات المؤسسات غير المالية بجوار المالية أيضًا.
غير أن هذه الإضافة في القانون جاءت نتاجا لظروف داخلية وإقليمية ودولية منها:
- أن السعودية تواجه منذ انفجارات 11 سبتمبر اتهامات مزعومة من الولايات المتحدة بأن جمعيات خيرية تابعة لها تدعم الإرهاب. وذلك رغم الدور الذي قامت به هذه الجمعيات في 50 دولة منها فلسطين ودول أفريقية وأوربية وآسيوية، ولم يثبت دليل على تورط هذه الجمعيات في أعمال أو دعم تنظيمات إرهابية.
وترافق مع هذه الاتهامات عمليات إرهابية ضد السعودية مثل تفجيرات الرياض في مايو 2003 التي طرحت تساؤلات حول من يمولها كما بدأت الشكوك تتجه إلى صناديق التبرعات التي لا تخضع للرقابة الصارمة.
- تعتبر السعودية ومعها دول خليجية أخرى مستهدفة من قبل عصابات غسيل الأموال خاصة المخدرات، لا سيما وأن دول الخليج تعتبر حلقة الوصل بين مراكز إنتاج المخدرات الخطرة (باكستان، وأفغانستان، وإيران، وتايلاند)، والدول المستهلكة لها والتي تشكل أسواقًا رئيسية (أوربا والولايات المتحدة)؛ بسبب موقعها الجغرافي المميز، كذلك فإن لدى دول الخليج مطارات وأنظمة مصرفية ومالية مرتبطة بالعالم تسهل عملية نقل الأموال وخلطها من خلال التحويل الإلكتروني.
- التوافق مع الاتجاه العالمي للحد من عمليات غسيل الأموال، فقد تم تأسيس اللجنة الدولية لمكافحة عمليات غسيل الأموال (FATF) في باريس عام 1989؛ وذلك للتطوير والمساعدة على أخذ موقف دولي موحد من عمليات غسيل الأموال. وعدد أعضاء (FATF) 29 دولة بالإضافة إلى المصارف الرئيسية للبلدان الأوربية، وأمريكا الجنوبية والشمالية وآسيا والاتحاد الأوربي والأمانة العامة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية.
- التنسيق مع الدول الخليجية الأخرى التي أصدر بعضها قوانين لمكافحة غسيل الأموال، وهذا التنسيق يمهد الطريق أمام المشروعات الاقتصادية الخليجية المشتركة.
غير أن الإدراك السعودي للعلاقة بين غسيل الأموال وتمويل الإرهاب لم يظهر فقط في القانون الجديد، بل سبقه جملة من التدابير في سياق الحملة العالمية لمكافحة الإرهاب وقطع مصادر تمويله.
وتضمنت الإجراءات التي أصدرتها مؤسسة النقد العربي السعودي (ساما) لاتخاذ وسائل لمكافحة غسيل الأموال في أعقاب نشر القائمة التي تضمنت أسماء الأفراد والمؤسسات المشتبه بارتباطهم في اعتداءات سبتمبر.
وطلبت (ساما) إلى البنوك تجميد أصول أي من أولئك الأفراد أو المؤسسات، كما أجرت البنوك تحقيقات حول تعاملات أجراها أشخاص محددون خلال السنوات الماضية، كما قامت البنوك السعودية بإنشاء لجنة إشراف ذاتي لتقوم بمهام المراقبة اللصيقة والتصدي للتهديدات التي يمثلها الإرهاب وتنسيق كافة الجهود لتجميد أصول الإرهاب.
التداعيات على الجمعيات الخيرية
غير أن هذه الحملة لمكافحة أموال تمويل الإرهاب نالت من الجمعيات الخيرية بعد الزعم الأمريكي بأن منفذي انفجارات سبتمبر يتخفون خلف مؤسسات إسلامية لتنفيذ مخططات إرهابية.
وعبثًا حاول مصرفيون سعوديون تبرئة ساحة الهيئات الخيرية من أية تهم تخص تمويل الإرهاب، مشيرين إلى أنه ينبغي عدم الإشارة إلى المصارف الإسلامية أو الجمعيات الخيرية الإسلامية التي تعمل في عمليات الإغاثة ونشر الدعوة، على أنها موضع شك أو اتهام؛ لأن كثيرًا منها يعمل وفق أسس ونظم تتيح مراقبة عملياتها بصورة واضحة ضمن كل نظام مصرفي تعمل في إطاره المصارف الإسلامية.
ولكن سرعان ما تراجع الموقف الرسمي من موقف الدفاع إلى موقف المشارك في عمل إجراءات تحول دون استخدام الأعمال الخيرية في تمويل مكافحة "الإرهاب"، وأبرز الإجراءات التي اتخذت في هذا الصدد ما يلي:
- أمرت السلطات كل الجمعيات الخيرية السعودية بإبلاغ وزارة الخارجية قبل البدء في مشروعات خارج المملكة.
- أسست السعودية هيئة عليا للرقابة على جميع الجمعيات الخيرية، والتبرعات والمساهمات وهي في المراحل النهائية لإعداد الإجراءات العملية لإدارة المساهمات والتبرعات إلى ومن الجمعيات الخيرية، بما في ذلك أعمالها في الخارج.
- صدر عن وزارة الداخلية السعودية في يونيو 2003 أمر تضمن مصادرة صناديق جمع التبرعات مع مجموعة أشخاص متهمين بالتورط في الإرهاب. وكانت سلطات المراقبة السعودية في مطلع عام 1996 قد أصدرت قرارًا يقضي بحظر ظاهرة نشر صناديق التبرعات الخيرية أمام المساجد والمحال التجارية. لكن اختراقات كثيرة لهذا التنظيم رصدت من قبل المؤسسات الخيرية نفسها.
- ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية في شهر أغسطس 2003 أن واشنطن والرياض اتفقتا على إنشاء لجنة تضم مسئولين وخبراء من الجانبين تهدف إلى مراقبة التحويلات المالية في المصارف السعودية لمنع أي تدفق للأموال إلى تنظيم القاعدة وأي تنظيمات إرهابية أخرى.
ومثلت كل هذه الإجراءات بيئة ضاغطة على عمل الجمعيات الخيرية السعودية البالغ عددها 264 جمعية التي بدأ بعضها يغلق أنشطته أو يحجم عنها، ليحرم بذلك أيتام الدول الإسلامية وغيرها من ملايين الدولارات من أموال أهل الخير التي أصبح ينظر لها -على محمل الشك- في دعم الإرهاب، فعلي سبيل المثال أغلقت مؤسسة الحرمين السعودية فرعيها في باكستان وأفغانستان بعد اتهامات أمريكية للجمعية بدعم أنشطة الجماعة الإسلامية في آسيا.
غير أن بعض الجمعيات لم تستسلم لفكرة تحجيم الدور وبدأت تبحث عن صيغة أخرى تمكنها من استمرار دورها والتعاطي مع متطلبات البيئة الجديدة، خاصة قانون غسيل الأموال وإجراءاته، فبعد أيام من صدور قانون غسيل الأموال، أعلنت هيئة الإغاثة الإسلامية العالمية في السعودية تنفيذ مشروع التبرع عن طريق شراء أسهم (سندات تبرع) بدءاً من العام المقبل. ويتم في هذا المشروع تحويل مشروعات الهيئة إلى أسهم ثابتة، إضافة إلى توزيع المشروعات على الدول، ويتم أيضًا طرح هذه الأسهم على المكاتب المحلية للاكتتاب فيها. ولا شك أن هذه الخطوة تضمن شفافية عالية عن المتبرعين، وتمكن من مراقبة أوجه إنفاق الجمعية بما يعني تلافي الضرر غير المباشر الذي يحمله قانون غسيل الأموال بالنسبة للجمعيات الخيرية.
عوائق عامة
لكن القانون السعودي يواجه عوائق أبرزها:
- ساهمت الأساليب التكنولوجية الحديثة في تسهيل الحصول على مستند رسمي لملكية الأموال بصورة قانونية، ومع تطور عمليات التحويل الإلكتروني للأموال أصبحت عمليات النقل السلكي أهم أساليب خلط الأموال، حيث تقل معها القدرة على تطبيق إجراءات القوانين.
- رغم أن القانون يمثل اتساقًا مع الأنظمة الدولية فإن الإجراءات الصارمة قد تجابه ببعض التحفظات من قبل رجال الأعمال، الذين بدورهم يطالبون بأن تكون جميع الأنظمة المالية مرنة بحيث تكون جاذبة للاستثمارات، دون الإخلال بالنظام العام، خاصة وأن السعودية تقوم بعملية خصخصة وفتح الباب أمام الاستثمار الأجنبي.
- مشكلة الحوالات، حيث تقدر تحويلات الوافدين في دول الخليج عام 2001 بحوالي 22.7 مليار دولار، منها 15.7 مليار دولار تم تحويلها من السعودية وحدها بخلاف التي يتم تحويلها عن طريق وسطاء وسماسرة الحوالات فتقدر بحوالي مليار دولار في السنة؛ ووفقًا لوجهة نظر البعض فقد تمكن غاسلو الأموال من استغلال نظام الحوالة هذا مثلما استغلوا النظام المصرفي من قبل، ومن المحتمل أن يستمروا في استغلال هذا النظام حتى لو تم الإلغاء الكامل للحوالة غير المصرفية.
إن التطور الحادث الذي أظهره قانون غسيل الأموال السعودية يؤكد حاجة الجمعيات الأهلية في السعودية والعالم العربي والإسلامي إلى تطوير آلياتها بما يضمن إعطاء المصداقية والشفافية؛ حتى لا تصبح أموال الخير في كفة واحدة مع المخدرات وتجارة السلاح.
|