|
| صلاة إنرون ..حداد علي الجهاز المصرفي الأمريكي
|
تعددت تلك الفضائح التي طالت نزلاء البيت الأبيض الأمريكي طوال السنوات الماضية، وتنوعت بين اقتصادية (مالية) وجنسية واجتماعية، وإن كان الطابع الغالب عليها هو الطابع المالي، فما زال العالم يتذكر فضيحة "وترجيت" و"مونيكا جيت"، وكذلك فضيحة "وايت ووتر" التي تعلقت بضلوع الرئيس الأمريكي السابق "بيل كلينتون" في مضاربات عقارية قبل دخوله البيت الأبيض.
في الأيام الأخيرة بدأت معالم فضيحة مالية أخرى تتكشف في الأوساط السياسية والاقتصادية الأمريكية، وهي فضيحة "شركة إنرون" الأمريكية الشهيرة في مجال الطاقة، وذلك بعد أن أعلنت هذه الشركة عن إفلاسها في الثاني من ديسمبر 2001.
قد تكون هذه الفضيحة أكثر خطورة من غيرها، وذلك لعدة أسباب أولها: أنها تطول الرئيس الأمريكي نفسه، كما تطول كبار الشخصيات في الإدارة الأمريكية. والثاني: أنها تطول البنوك الأمريكية، وخاصة أشهر بنوك "وول ستريت". والثالث: أنها تكشف عن هذا الترابط الخفي بين السياسة ورجالها والاقتصاد ورجاله في دولة الحرية الاقتصادية. والرابع: أنها تضع مزيدًا من الشكوك وعلامات الاستفهام على هذا النظام الرأسمالي الحر الذي يتغنون به وبنزاهته وبنزعته الأخلاقية.
من هنا، فإن كل التوقعات ترى أن هذه الفضيحة سيكون لها بالغ الأثر على مستقبل الإدارة الأمريكية، وفي مقدمتها الرئيس الأمريكي، كما ستلقي بظلالها على الثقة في الجهاز المصرفي الأمريكي، وستهز الاعتقاد بقدرة النظام الرأسمالي على التغلب على الانحرافات الاقتصادية وتصحيحها ذاتيًّا، فضيحة شركة "إنرون" خيوطها.. أطرافها.. آثارها الاقتصادية هي موضوع السطور التالية…
إنرون.. أكذوبة اقتصادية
المتتبع للتاريخ الاقتصادي لشركة "إنرون" يتشكك في الأسس الاقتصادية التي قامت عليها الشركة وصنعت تاريخيها، حتى أصبحت أكبر شركة للطاقة في ولاية تكساس الأمريكية، حيث انتعش المركز الاقتصادي لهذه الشركة بناء على ترويج الازدهار المصطنع للشركة عن طريق الكذب وتلفيق الحسابات والتلاعب بها؛ فهذه الشركة دائمًا ما كانت تعلن عن أرباح كبيرة لم تكن في الحقيقة أرباحًا حقيقية وإنما كانت مجرد أرباح ورقية، وكانت قيادات هذه الشركة والمتواطئون معها يستغلونها لتحقيق مكاسب شخصية عن طريق المضاربة في أسهم الشركة في بورصة الأوراق المالية؛ تلك الأسهم التي كانت أسعارها ترتفع بدون مبررات اقتصادية فعلية.
ويضاف إلى ما سبق أن إدارة الشركة أقنعت العاملين بها على شراء أسهم الشركة من أجل تحقيق مكاسب وأرباح مجزية عند التقاعد عن العمل، وحظرت على العمال بيع هذه الأسهم، فما كانت هذه الأسهم سوى وهم ابتاعه عمال الشركة، أما كيف احتلت هذه الشركة المكانة في سوق الطاقة الأمريكي فيجيب عنه العلاقات التي ربطت الشرطة مع أعضاء مجلس الشيوخ ومع رؤساء أمريكا والانتخابات الأمريكية.
الشركة والإدارة الأمريكية
يمكن تفسير الوضع الاقتصادي الذي تمتعت به شركة إنرون رغم عدم استناد هذا الوضع على أرضية حقيقية من خلال تاريخ علاقة الشركة مع الإدارة الأمريكية؛ فهناك دلائل تشير إلى أن الشركة كان لها علاقة بالرئيس الأمريكي وأسرته في ولاية تكساس، وترجع هذه العلاقة إلى نحو 15 عامًا.
ومن خلال هذه العلاقة تمكنت الشركة أن تفوز على الشركات المنافسة لها وتحتكر سوق الخدمات والطاقة، بل وتصبح المسيطرة على تجارة الطاقة داخل تكساس، وتفوز بمسئولية تنظيم قطاع الطاقة في الولايات المتحدة بأكملها، ولتكون أكبر شركة لتجارة الطاقة في العالم، وبذلك يمكن القول إن الشركة تمكنت من الوصول إلى ما وصلت إليه من خلال علاقة إدارتها مع الإدارة الأمريكية؛ هذه العلاقة التي نسجتها التبرعات للأعمال الخيرية والحملات الانتخابية، سواء كانت انتخابات مجلس الشيوخ أو الانتخابات الرئاسية نفسها.
وقد نشرت جريدة "تكساس مانثلي" أرقامًا للمعونات والتبرعات التي قدمتها الشركة منذ عام 1989 وحتى نهاية عام 2001، وهي المبالغ الموضحة في الجدول التالية:
|
المبالغ المقدمة ($)
|
الجهة التي قدمت لها الشركة التبرعات
|
|
532.000
|
الحزب الديمقراطي الأمريكي
|
|
113.000
|
حملة انتخاب جورج دبليو بوش
|
|
95.000
|
حملة انتخاب بوب دول
|
|
13.750
|
حملة انتخاب آل جور
|
|
13.000
|
حملة انتخاب جورج بوش الأب
|
|
11.000
|
حملة انتخاب بيل كلينتون
|
|
100.000
|
حملة انتخاب غيل جرام حاكم تكساس
|
|
794.000
|
الحزب الجمهوري
|
وقد بلغت إجمالي مساهمات الشركة في الحملة الانتخابية الأخيرة أكثر من 6 ملايين دولار، إلى جانب مساهمات شخصية لرئيس الشركة بلغت أكثر من 979.600 دولار قدمت لكلا الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
ومما يؤكد قوة علاقة الشركة بمجلس الشيوخ الأمريكي فقد قيل بأن 70 من كل 100 عضو من أعضاء المجلس قد تلقوا مساعدات لتمويل انتخاباتهم من الشركة، ومن هنا يتضح التقارب غير الحميد بين رجال الاقتصاد ورجال السياسة في الاقتصاد الأمريكي، وهو نفس التقارب الذي ساهم بالنصيب الأكبر في الأزمات الاقتصادية التي لحقت بالعديد من الدول وفي مقدمتها جنوب شرق آسيا، والتي كانت تعيبه عليها الولايات المتحدة الأمريكية في وقتها.
البنوك.. شريك في الفضيحة
مع فتح ملف التحقيق في إفلاس شركة "إنرون" اتجهت الأنظار وأصابع الاتهام إلى "وول ستريت"، وبدأت لجنة الأوراق المالية والبورصة التحري عن علاقة البنوك والبورصة بهذه الشركة، وهي اللجنة التي تتولى التحقيق، حيث بدأت اللجنة في مراجعة خطوط التمويل التي قدمتها البنوك للشركة، وقد تأكدت علاقة بنكين من أكبر البنوك الأمريكية بالشركة، وهما: "بنك جي بي مورجان"، وبنك "سيتي جروب"؛ حيث قدما حوالي 3.6 مليارات دولار كمساعدات لهذه الشركة رغم أنهما لم يعلنا عن هذا الرقم الحقيقي، وهو ما أضر بحملة الأسهم، وحملهم خسائر كبيرة إلى جانب خسائر شركات التأمين التي يجب أن تدفعها بعد إعلان الشركة عن إفلاسها لحمايتها من الدائنين، وهي تعد أكبر شركة تعلن إفلاسها في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية، وهكذا فإن البنوك الأمريكية وشركات الأوراق المالية تعد ضالعة في هذه الفضيحة المالية، وذلك بسبب مساهماتها في خلق بنية مالية ومركز مالي غير حقيقي للشركة أدى إلى صعودها بشكل مذهل ثم هبوطها هبوطًا مدويًّا وسريعًا.
الآثار والدلالات
بعدما تكشفت أبعاد هذه الفضيحة المالية وفاحت رائحتها داخليًّا وعالميًّا، فإن الأمر الذي يؤكد عليه معظم المحللون أن هذه القضية لن تمر دون أن تلوث سمعة الإدارة الأمريكية بكاملها، وتطول الرئيس الأمريكي شخصيًّا، وتؤثر على مستقبله السياسي، وبغض النظر عن كون ذلك مؤكدًا من عدمه، فإن الأمر الذي أصبح أكثر تأكيدًا هو أن هذه الفضيحة المالية رغم عدم انكشاف كافة أبعادها قد تركت على الساحة الأمريكية والدولية مجموعة من الدلالات الاقتصادية المهمة التي لا يمكن التقليل من أهميتها، وأهم هذه الدلالات ما يلي:
1- التقارب بين رجال الاقتصاد ورجال السياسة والسلطة أصبح قضية لا شك فيها في أكبر دولة في العالم، وأن هذا هو بوابة الفساد الكبيرة، والمسمار الأساسي في نعش النظام السياسي والاقتصاد الأمريكي.
2- إن رجال الاقتصاد وأصحاب سلطة المال قد يستهويهم التقرب وإقامة العلاقات مع رجال السياسة والسلطة من أجل الجمع بين المال والسلطة السياسية، ولكن الخطورة في ذلك أن هذا التقرب يتم على أسس غير اقتصادية من جانب رجال الاقتصاد، وهذا ما فعله رئيس شركة إنرون "كينيث لاي"، وهو ما يؤدي إلى كوارث اقتصادية يكون أول ضحاياها العمال، وحملة الأسهم والاقتصاد الوطني عمومًا، في حين يكتفي رجال السياسة بالقفز من السفينة قبل غرقها كما تفعل الفئران، وهو ما فعله رجال الإدارة الأمريكية حينما تجاهلوا الطلبات والاتصالات المتعددة التي قام بها مدير الشركة بالإدارة الأمريكية لمساعدة الشركة وإنقاذها من الإفلاس رغم "أفضال" الشركة على الجميع طوال سنوات عديدة.
3- إفلاس شركة إنرون الأمريكية قد سفه كل ما يقال عن الاقتصاد الأمريكي كاقتصاد حديث بالغ الشفافية، ويتمتع بمؤسسات مستقلة القرار، وأكد أن هذا الاقتصاد رغم كل ما يقال لا يختلف كثيرًا عن غيره، والقائمين على إدارة أهم مؤسساته يمارسون الفساد بل غارقون فيه أحيانًا.
4- إذا كانت الأحداث الدولية على صعيد حركة العولمة وبعد أحداث 11 سبتمبر قد زادت الشكوك في مستقبل النظام الرأسمالي كأيديولوجية اقتصادية توصف بالتفوق الأخلاقي والقدرة على التصحيح الذاتي، فإن إفلاس شركة إنرون قد قطع هذا الشك باليقين كحالة أمريكية داخلية، وهنا يقال: "وشهد شاهد من أهلها..".
|