|
| إنه الاقتصاد!
|
السويد- هل تصدقون كل ما يقوله بوش عن الحرب القادمة؟ وتصدقون كذلك ما يقوله خبراء الاقتصاد الأمريكيون عن الانتعاش الاقتصادي القادم في أمريكا؟! اقرءوا معنا...
في أواخر الستينيات وبداية السبعينيات عندما كان "جورج دبليو بوش" في أيام شبابه الأولى، كان الشبان الأمريكيون يهربون من جحيم حرب "فيتنام" إلى عالم الخيال المتمثل في موسيقى الروك والمخدرات والجنس.
أما اليوم فيبدو أن الهروب يتم بشكل معكوس إلى الأمام من "واقع مر" إلى "عالم حرب خيالي" ضد "قوى شريرة" من بقايا عالم الأساطير التي حاكها "الكبار" من قبل.
يقول البعض: إن بوش تلقى نصائح من دوائر مقربة منه، مضمونها أن الطريقة الوحيدة لتعبئة الشعب الأمريكي وتجاوز الحديث عن الأزمة الاقتصادية والمالية الخانقة والفضائح المرتبطة بها هي الاستمرار في "الحرب ضد الإرهاب"، ومحاولة جمع ما تبقى في قعر الخزانة الأمريكية للمجهود الحربي والصناعات العسكرية.
ويقول البعض الآخر مثل "روبرت نوفاك" من صحيفة واشنطن بوست بأن استخدام مصطلح "محور الشر" قد تم وضعه في الخطاب دون استشارة مساعدي بوش في البيت الأبيض. ووصف نوفاك إعلان الحرب هذا بأنه "سيئ التعريف" و"سيئ التحضير"، حيث عكست مقالته يوم 31 يناير وجود معارضة شديدة داخل الإدارة والجيش.
وأضاف نوفاك: "يدرك أعضاء على درجة كبيرة من الاطلاع في لجان القوات المسلحة الأمريكية أن هنالك عجزا في الأسلحة البالغة الدقة الغالية الثمن التي ذكرها بوش"، وأضاف أن "الجيش الأمريكي ليس في وضعية تؤهله لمهاجمة أي شخص".
هنا مربط الفرس.. فالاقتصاد الأمريكي غير قادر على التعبئة لحرب طويلة الأمد ضد أكثر من دولة من جهة ووجود صراع أجنحة شرس جدا في واشنطن من جهة أخرى. وبوش يمشي على حبل متوتر يحاول التوازن وحماية إدارته من السقوط، حتى وإن كانت نية بوش صادقة في الذهاب إلى حرب قريبا، فإن هنالك عوامل عملية في أرض الواقع لن يمكن تجاهلها إطلاقًا. صحيح أن بإمكان الصناعة الحربية الأمريكية أن تصنع بضع مئات من الصواريخ "الذكية" خلال مدة قصيرة لا تتجاوز بضعة شهور، وتوفير تمويل طارئ لها من الكونجرس إذا استمرت خطابات الحرب أو هوجمت الولايات المتحدة أو قواتها، لكن الحديث عن حرب طويلة ضد ثلاث دول مجموع سكانها أكثر من 130 مليون نسمة وتدعمها قوى كبرى مثل روسيا والصين هو من وحي الخيال.
ومن بعدي…؟
هنالك خطران ماثلان أمام بوش حاليا. أولهما سياسي اقتصادي مباشر والآخر اقتصادي غير مباشر؛ فإفلاس شركة "إنرون" للطاقة الذي يعتبر أكبر حالة إفلاس في تاريخ أمريكا يلقي بظلال ثقيلة على أسواق المال الأمريكية وعلى الإدارة والكونجرس. إذ اتضح كما ذكرنا في الصيف الماضي في مقالة عن أزمة الطاقة في الولايات المتحدة أن هذه الشركة التي أصبحت من عمالقة الشركات في أمريكا والعالم كانت تمارس عملية نهب منظمة للاقتصاد الأمريكي، وتغطي عليها برشاوى سياسية ضخمة تقدر بمئات الملايين من الدولارات لكل من حملات جورج بوش الابن والحزب الجمهوري وأطراف كثيرة أخرى مقربة من الإدارة الحالية.
لقد أصبحت إنرون إحدى أكبر الشركات الأمريكية "على الورق" في الأعوام الأخيرة؛ بسبب سياسة إعادة الهيلكة لقطاع الطاقة في الولايات المتحدة. وقد دفعت شركة إنرون وشركات أخرى ملايين الدولارات لحملات دعائية وتبرعات لسياسيين من مختلف الاتجاهات داخل الكونجرس وفي الولايات لتمرير قوانين إعادة الهيكلة. هذه القوانين مكنت هذه الشركة وغيرها من السيطرة على سوق الطاقة الأمريكية وأيضا في مناطق أخرى من العالم. لكنها لم تبنِ أية محطات طاقة جديدة أو شبكات كهرباء، بل قامت ببناء ناطحات سحاب في ولاية تكساس لتحوي مئات السماسرة والمضاربين في سوق الطاقة؛ فعمل هذه الشركة كان "السمسرة" في قطاع الطاقة.
وبسبب الدعاية الهائلة وهالة المجد التي وضعت حول الشركة ورئيسها "كينيث لاي" (الذي قد ينتهي به الأمر إلى السجن كأي لص قريبا إن لم ينتحر قبل ذلك) في العامين الماضيين من قِبل وسائل الإعلام، ونتيجة لاحتكارها تسعير الطاقة في ولايات عديدة ارتفعت قيمة أسهم الشركة بشكل خيالي. وقام الموظفون فيها بوضع كل ما يملكون في هذه الأسهم التي لا قيمة كبيرة لها في الواقع. فأين ذهب كل ذلك المجد؟ تحول إلى نمر من أوراق مفرومة يحاول المحققون تلصيقها لعلهم يكتشفون بعض أدلة الإدانة.
هذا هو واقع الاقتصاد الأمريكي عموما في السنين الأخيرة (فليس المهم ما تنتجه وما تقدمه من سلع وخدمات. المهم هو كم هي قيمة أسهمك في البورصة، ومدى قدرتك على دفع الأموال لوسائل الإعلام والمعلقين الاقتصاديين والسياسيين لدفع قيمة هذه الأسهم، ثم تضرب ضربتك الكبرى ومن بعدك الطوفان!) وقد رأينا أسهم شركات عديدة تسقط 90% وأكثر في فترات قياسية. فأين ذهبت التسعون في المائة من تلك القيمة؟!
جبل الجليد
ليس من المبالغة أن نقول بأن شركة إينرون هي مجرد رأس الجبل الجليدي، وربما ستتوالى حالات الإفلاس الكبرى تحت مسميات عديدة. فقيام "البنك الأيرلندي المتحد" (ألايد آيريش بانك) بإضاعة مئات الملايين من الدولارات في مضاربات في تجارة العملة العالمية، تحول إلى "عملية احتيال" من قبل أحد سماسرة البنك البسيطين في أحد فروعه في الولايات المتحدة. وهذه القصة تكررت أكثر من مرة، مثل خسارة بنك "بارينج البريطاني" لمليارات الدولارات بنفس الطريقة، وتم تسميتها "عملية احتيال"، ولبست التهمة "نيك ليسون" أحد الموظفين في فرع البنك في سنغافورة. فبدلا من الاعتراف الخطير بأن معظم النظام المصرفي والمالي العالمي مبني على لعبة قمار كبرى والمخاطرة بانهيار أكثر بنوك العالم الكبرى التي تمارس هذه اللعبة، يتم إلصاق التهمة بموظف بسيط.
المشكلة الأخرى غير المباشرة نسبيا التي تواجه بوش هي أن الانتعاش الموعود لم يأت ولن يأتي لا في هذا العام ولا في العام المقبل وربما لن يأتي أبدا. يضاف إلى ذلك أن الاقتصاد الفعلي الأمريكي المتمثل في الصناعات الإنتاجية الفعالة مثل صناعة المكائن وصناعة السيارات والحديد والصلب في تراجع حاد، والبطالة تزداد بشكل متسارع؛ إذ ارتفعت إلى حوالي 8,5 ملايين في نهاية عام 2001 ولا تزال في ارتفاع.
أما فائض الميزانية المفترض فإنه قد بدأ في التلاشي؛ بتلاشي قيم أصول شركات الاقتصاد الجديد التي على أساسها وضعت هذه الافتراضات للنمو الاقتصادي السحري في العامين الماضيين. هذا الواقع هو الخلفية التي يجب وضع خطاب بوش فيها. لذلك يشعر بوش بحاجة ماسة إلى حرب ودعم ميزانية وزارة الدفاع بـ 48 مليار دولار و"الدفاع الداخلي" التي تم اختراعها مؤخرا بـ 38 مليارا إضافية لتصبح ميزانية الدفاع أكثر من 380 مليار دولار لهذا العام وهي الأكبر في العشرين عاما الماضية.
أسود وأبيض
كانت ردة الفعل الطبيعية من أوروبا وآسيا هي رفض منطق إشعال الحروب غير المبررة الذي أصبح جزءا منطقيا من السياسة الخارجية للولايات المتحدة. وقد جاءت بعض إشارات الرفض حتى من أبرز حلفاء أمريكا من بريطانيا وألمانيا واليابان. وقد أصبح التصور العام لدى أصدقاء وحلفاء أمريكا من هذه التصريحات هو أن للولايات المتحدة أجندة خفية لا تريد اطلاع أحد عليها.
وبالطبع في ظل مثل هذه الظروف الدولية الحساسة في أوروبا وآسيا أصبح التوتر لا يطاق في الأوساط السياسية التي لا ترى مخرجا من المأزق السياسي والاقتصادي العالمي الذي تفاقم منذ هجمات 11 سبتمبر؛ فقد قبلت جميع دول العالم تقريبا الحرب ضد الطالبان ومنظمة القاعدة، ليس بسبب اقتناع هذه الدول بالضرورة بمسئوليتهما عن هجمات 11 سبتمبر؛ بل لأن استهداف طالبان والقاعدة المكروهتين من كل الأطراف تقريبا يوفر كبش فداء مناسبا ومخرجا مستساغا من أزمة عالمية قد تتحول إلى "حرب حضارات" عالمية مثلما كان يطالب بذلك العديدون من أقطاب السياسة والحكم في الولايات المتحدة بعد التفجيرات.
إن الخوف من تولي "صقور الحرب" و"عصابة صراع الحضارات" الممثلة بأفكار أشخاص، مثل: "زبيجنيو بريجينسكي"، و"صامويل هنتجتون"، و"هنري كيسنجر"، و"بول وولفويتز"، و"ريتشارد بيرل"، و"جو ليبرمان"، وغيرهم، وأصدقاء شارون واللوبي الصهيوني- زمام الأمور حول وداخل الإدارة الأمريكية، مطالبين بضرب العراق وإيران وسوريا ولبنان واليمن والسودان والصومال وغيرها من بلاد المسلمين.. هذا الخوف دفع حلفاء وأصدقاء أمريكا إلى تأييد اختيار البديل المتمثل بضرب طالبان والقاعدة. وكانت ولا تزال المراهنة جارية على "عقلانية" الحمائم المحلقة حول بوش لوضع حد لهذا الهيجان العسكري الأمريكي.
الخطر يبقى ماثلا ما لم يوضع حد لنفوذ عصابة "صراع الحضارات" وحكومة شارون وأصدقاء شارون في واشنطن الذين يجاهرون علنا بأن الوقت قد حان لأن تتحول الولايات المتحدة الأمريكية من جمهورية إلى "إمبراطورية رومانية جديدة" بالتعاون مع بريطانيا وإسرائيل. ولا يبالي هؤلاء مثلهم مثل شارون بثمن تحقيق ذلك، المهم أن يحكموا العالم ولو كان أنقاضا.
لذلك فهنالك سبب لعدم تصديق كل كلام بوش وأيضا سبب للقلق؛ فالعالم معقد جدا اليوم ومن السذاجة إصدار ردود فعل وأحكام مبسطة على تطورات الأمور خاصة ما يأتي منها من واشنطن؛ إذ ليس هنالك أسود وأبيض بعد الآن حتى داخل الإدارة الأمريكية.
ولكن ما نستطيع القيام به هو وضع هذه التطورات ومن ضمنها خطاب بوش في سياق تركيبة الواقع الذي يوجد فيه بوش والعالم، حتى نتمكن من فهمه والتعامل معه. وأهم شيء إدراك الفرق بين الواقع وعالم الخيال. أما المقولة الأمريكية "إنه الاقتصاد أيها الأحمق!" فتنطبق على هذا الوضع أكثر من أي وقت مضى.
|