English

 

السبت. مارس. 16, 2002

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

تعريفة الصلب الأمريكية.. بداية انهيار العولمة

حسين النديم

الرئيس الأمريكي.. تعريفة الصلب محاولة لإنقاذ الاقتصاد
الرئيس الأمريكي.. تعريفة الصلب محاولة لإنقاذ الاقتصاد

من غرائب الأقدار أن تكون الدولة التي أجبرت العالم على فتح أسواقها والركوع أمام آلهة "التجارة الحرة"، والعولمة على مدى ثلاثين عامًا منذ انهيار نظام بريتون وودز عام 1971م، والتي منعت الدول والشعوب من حماية إنتاجها الوطني أمام الغزو الاقتصادي الأجنبي هي التي تخالف هذه الديانة الاقتصادية، وتطيح بأول عمود من أعمدة نظام العولمة.

هنا لا بد أن نقول: "إن الواقع هو المنتصر الأول هنا على عالم الفنتازيا المالية و"الاقتصاد الجديد"، و"عصر المعلومات ما بعد الصناعي"، و"العولمة الإلكترونية"، الذي ابتعد كثيرًا عن سطح الأرض، وبدأ يسبح في الفضاء الخارجي، مثل: شركة إنرون، حيث لا يوجد إلا الورق، والورق، والورق".

فشعوب العالم حتى تستمر في البقاء لا بد لها أن تنتج الطاقة، والحديد والصلب، والغذاء، وتبني الطرق، وسكك الحديد، وتوفر فرص العمل لشعوبها، ولا يختلف الشعب الأمريكي في ذلك عن غيره من الشعوب.

من ناحية المبدأ يمكن القول بأن قيام إدارة بوش بفرض تعريفة جمركية على واردات الصلب الأجنبية حق من حقوقها، وهو ما قامت مصر بأكثر منه عندما فرضت تعريفة جمركية قاتلة على جميع المنتجات النسيجية الأجنبية لحماية مليوني فرصة عمل مصرية وطنية.

الخطوة الأمريكية لها مميزاتها كذلك، لكنها تأتي في سياق مختلف؛ فالحكومة الأمريكية أصبحت تظهر كـ"المارد الإمبريالي الأوحد الذي ينشر الرعب والدمار في أرجاء المعمورة"، فلا يتوقع أحد أن يكون أي شيء تفعله خيرًا مهما كان، وهو ما يجعل الكثيرين "متحفظين" على أي قرار تصدره تلك الحكومة.

ماذا حصل؟

تذكر الباحثة الاقتصادية الأمريكية "أنيتا جالاجير": على عكس ما كان يشاع عن صحة الاقتصاد الأمريكي في السنين الخمسة الأخيرة وعن النمو الأبدي لاقتصاد ثورة الاتصالات الأمريكية، وثورة المعلومات، وغيرها من الأكاذيب التي دفعت مستثمري العالم وحكوماتهم إلى ضخّ آلاف المليارات من الدولارات إلى السوق الأمريكية - كان "الاقتصاد الفعلي" الأمريكي يحتضر. وخير مثال على ذلك هو صناعة الحديد والصلب.

وفقًا لإحصائيات "اتحاد عمال الصلب في أمريكا" USWA فإن 32 شركة صلب أمريكية قد أعلنت إفلاسها منذ عام 1997م، ومن ضمنهم عملاقا صناعة الصلب "بيثليهيم (بيت لحم) ستيل"، و"إل تي في"، وأن 17 من هذه الشركات تمت تصفيتها، كما أن حوالي 46700 فرصة عمل فُقدت في هذا القطاع منذ يناير 1998م. وقد وصلت أسعار الصلب إلى أدنى مستوى لها منذ 20 عامًا. أحد رؤساء اتحاد عمال الصلب الأمريكي "جون تشيري" صرَّح أمام مظاهرة لعمال الصلب في 20 فبراير أن 100 ألف من مجموع 600 ألف من عمال قطاع الصلب المتقاعدين قد فقدوا مساعداتهم الصحية. أما الباقون فقد يفقدون جميع معوناتهم التقاعدية إذا لم يتم إنقاذ الشركات التي كانوا يخدمون فيها. بحلول 31 مارس ستتوقف المساعدات الصحية لخمسة وثمانين ألف متقاعد من الذين كانوا يعملون في شركة "إل تي في" المفلسة.

في مواجهة هذا الوضع لم تَعُد حكومة الولايات المتحدة والكونجرس الأمريكي اللذان يشنان "حربًا عالمية ضد الإرهاب" قادرَيْن على التظاهر بالصحة الاقتصادية، وأهم صناعاتهما مهددة بالانقراض؛ لذلك فالقرار جاء سياسيًّا بالدرجة الأولى، وحصل على إجماع شبه تام، خاصة أن انتخابات مهمة مقبلة في الخريف. ففي شهر نوفمبر سيتم انتخاب جميع الأعضاء الـ 435 لمجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ. والفارق بين الحزبين ضئيل.

ويعتبر المراقبون أن الولايات الأساسية المنتجة للصلب مثل "ويست فيرجينيا" و"أوهايو" و"ميشيجان" سيكون لها دور حاسم في الانتخابات، وتحديد أي الحزبين سيسيطر على مجلسي الكونجرس.

طالب اتحاد عمال الصلب في مظاهرات واعتصامات كبيرة بفرض تعريفة جمركية مقدارها 40% على مدى أربع سنوات، وهي أعلى نسبة من بين التوصيات التي رفعتها اللجنة الأمريكية للتجارة الخارجية، التي كانت قد اكتشفت أن ارتفاع الواردات الأجنبية قد ألحق الأذى بشركات صناعة الصلب الأمريكية.

في 3 مارس تبنَّى كل من زعيمي الحزبين الديمقراطي والجمهوري في مجلس الشيوخ السيناتور "توم داشل" و"ترينت لوت" تعريفة بنسبة 40%. وذكرت التقارير أن مستشاري الرئيس بوش السياسيين مثل "كارل روف" قد انتصروا على مستشاريه الاقتصاديين مثل "لاري ليندسي".

وستدخل تعريفة الرئيس بوش الحمائية حيِّز التطبيق في العشرين من شهر مارس، وستتراوح نسبتها بين 30 و8% حسب نوع المنتجات التي يتم استيرادها وتأثيرها على ما ينتج محليًّا. فتفرض أعلى نسبة حددها الرئيس بوش وهي 30% على صفائح الفولاذ التي تدخل في صناعات السيارات الأمريكية والأجهزة المنزلية، وتشكل 60% من صناعة الصلب الأمريكية.

الدول التي ستتأثر مباشرة بهذه التعريفة هي: الصين، واليابان، وكوريا الجنوبية، وروسيا، وأوكرانيا. وتدعي اللجنة الأوروبية أن الاتحاد الأوروبي هو "أول ضحايا" هذه الإجراءات الأمريكية؛ لأن أعضاءها الـ"15" يغذون 25% من واردات الولايات المتحدة من الصلب. ولكن أكثر ما يخشاه الأوروبيون هو إغراق السوق الأوروبية بالصادرات اليابانية والكورية الجنوبية، التي سيتم تحويلها من سوق الولايات المتحدة.

أما الدول التي ستعفى من التعريفة، فهي: كندا، والمكسيك؛ بسبب اتفاقية التجارة الحرة لشمال أمريكا "نافتا"، بالإضافة إلى دول نامية، مثل: الأرجنتين، وتركيا، وتايلاند، ومصر.

كيف ستقضي هذه المسألة على العولمة؟

يقول عالم الاقتصاد الأمريكي "ليندون لاروش" الذي يُعتبر من أشد السياسيين الأمريكيين عداء للتجارة الحرة والعولمة، وأشد أنصار الإجراءات الحمائية للاقتصاديات الوطنية: إن هذه الإجراءات بحد ذاتها لن تكون كافية لإنقاذ الاقتصاد الأمريكي المتهالك؛ فبدون تركيز على إعادة بناء مجمل النشاط الاقتصادي الفعلي الأمريكي مثل تطوير البنية التحتية، وإعادة إحياء الصناعات التقليدية الأمريكية لن يخرج الاقتصاد الأمريكي من أزمته الحالية.

كما أن الإنتاج العالمي من الصلب الذي يعاني من قلة الإنتاج؛ بسبب عدم وجود مشاريع اقتصادية تنموية كبرى، مثل: بناء سكك الحديد على نطاق واسع، وبناء السدود والطرق، والمراكز المدنية الحديثة، وربط قارات العالم عبر شبكة حديثة من طرق النقل وغيره من مكونات البنية التحتية الأساسية، فلن يخرج إنتاج الصلب الأمريكي والعالمي من الركود الذي يعيشه؛ فالمشكلة ليست كثرة الإنتاج، بل قلته في ظلِّ السياسة الاقتصادية المعادية للتنمية الصناعية في العالم، وهي السياسة التي سادت العالم منذ السبعينيات.

لكن لاروش يؤكد أن تعريفة الصلب هذه ستفتح الباب أمام إجراءات مماثلة في قطاعات حيوية أمريكية عديدة، دمرتها سياسة العولمة في السنين الأخيرة مثل قطاع الزراعة، خاصة أن القانون الخاص بالزراعة في الولايات المتحدة الذي صدر في عام 1996م سينتهي مفعوله في سبتمبر 2002م.

ويؤكد لاروش في تعليق له على القرار الأمريكي الأخير أن "ما ستقود إليه هذه الإجراءات هو أن دول العالم المختلفة ستلجأ إلى السياسة القديمة بفرض تعريفات جمركية مماثلة لحماية منتجاتها الوطنية. وهذا ما سيؤدي في أكثر الاحتمالات إلى تعرض منظمة التجارة العالمية لأزمة حقيقية، وقد تؤدي أيضًا إلى القضاء على اتفاقية ماستريخت الأوروبية للعملة الأوروبية الموحدة".

ويؤكد لاروش دعمه في حال تحول الولايات المتحدة عن سياسة "التجارة الحرة" إلى "التجارة العادلة"، لكنه حذَّر من "أنه سيكون من الأوهام القاتلة التصور أن هذا التغيير في سياسة التعريفة الجمركية بتأثيراتها القصيرة الأجل، أمر لم يكن حتميًّا في هذا الوقت بالذات، لكنه من جهة أخرى قد يتحول -وبشكل مفاجئ- إلى أكبر عملية تحول شاملة في السياسات الاقتصادية العالمية خلال الثلاثين عاما المنصرمة". ويضيف أنه "لم يكن بمقدور الولايات المتحدة البقاء اقتصاديًّا مع استمرار النهج المتسارع السابق الذي أدى إلى فقدان قطاعات إستراتيجية من الصناعة والزراعة الأمريكيتين؛ بسبب التأثيرات المشتركة لسياسة العولمة وسياسات فقاعات المضاربات المالية. قضية الصلب هي مجرد بداية؛ فلن يكون بمقدور أحد في الولايات المتحدة أو أوروبا أن يعيد هذه القضية إلى داخل قمقم السياسات المساندة للعولمة الاقتصادية".

ويضيف أن "التهديد الفعلي لأوروبا لا يأتي من هذه التعريفة، بل من حقيقة أن العالم كله يعاني من عملية انهيار النظام المالي والنقدي العالمي الحالي؛ فالاقتصاد الفعلي حيث يتم إنتاج واستهلاك السلع المادية قد تم نهبه تدريجيًّا لصالح نظام ما بعد عام 1971م بأسعار فائدته العائمة" والتجارة الحرة.

كما يوضح لاروش أن الصدمة تأتي من إدراك ضرورة التحول الجذري والمفاجئ من نظام "التجارة الحرة" الذي ساد ثلاثة عقود إلى نظام "التجارة العادلة" الذي ميَّز عملية إعادة بناء اقتصاديات الولايات المتحدة وأوروبا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، وبالذات في الأعوام 1945 - 1964م؛ فالخوف الذي نتج من إعلان هذه التعريفة ليس خوفًا من "حرب تجارية"، بل خوف على حصة كل طرف فيما تبقى من جثة الاقتصاد العالمي المتهالك.

لذا فالحل لا يكمن في توزيع هذه الجثة، بل على دور كل أمة من الأمم في إعادة بناء الاقتصاد العالمي على أساس عادل، تتمكن فيه كل دول العالم من تحقيق مستوى اقتصادي وحياتي أفضل عن طريق التركيز على بناء البنية التحتية الأساسية، وتوسيع القدرات الإنتاجية الزراعية الصناعية لكل أمة. حينذاك سيحتاج العالم إلى زيادة إنتاج الصلب وغيره من المنتجات الأساسية الضرورية لعملية التنمية أضعافًا مضاعفة، وفي ذلك يمكن أن يتنافس المتنافسون، وليس التكالب على حصة متضائلة تدريجيًّا من السوق العالمية.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم