English

 

الأحد. يناير. 26, 2003

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 
   
روابط من إسلام أون لاين

أزمات أمريكا في دافوس

أحمد مغربي

الاقتصاد الأمريكي يخيم على منتدى دافوس
الاقتصاد الأمريكي يخيم على منتدى دافوس

يلقي الاقتصاد الأمريكي بظلال ثقيلة على منتدى دافوس-2003 الذي بدأ يوم الخميس 23-1-2003 ويستمر لمدة 5 أيام؛ فالعنوان الاقتصادي للمؤتمر هو "إعادة بناء الثقة للاقتصاد العالمي" الذي أصابته هزة بعد سلسلة الفضائح التي منيت بها الشركات الأمريكية: "إنرون" و"وورلد كوم".

ويشهد الاقتصاد الأمريكي -وهو قلب اقتصاد العالم- أزمة ضارية وتحولات كبرى يحدث الكثير منها بأثر من السياسة وأحوالها، وخصوصا الآثار البعيدة المدى لأحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001, وما يسمى بـ"الحرب على الإرهاب", وما إلى ذلك من تطورات.

وفي السنة الماضية, عقد هذا المنتدى الاقتصادي في نيويورك؛ تضامنًا مع ما أصابها في تلك الأحداث. ويعود هذه السنة إلى مقره الأصلي في منتجع دافوس السويسري الشديد البرودة. ولعل الاقتصاد العالمي فيه الكثير من برودة ذلك المنتجع!!.

ومرة أخرى يعود "كلاوس شواب" ليرأس جلسات المؤتمر الذي يعقد سنويا منذ العام 1975. وانبثاق المنتدى نتاج جهود هنري كيسنجر وزير خارجية أمريكا الأسبق. ومنذ ذلك الوقت، صار دافوس ملتقى صناع القرار الرسميين في دول العالم, مع مديري الشركات الكبرى التي تدير فعليا عجلة الاقتصاد العالمي.

ولم يكن مستغربا أن دافوس لعب دورا أساسيا في صنع توجهات العولمة وصياغة سياساتها وقراراتها.

ومن المفارقة أن البعض رأى في تأسيس دافوس مسعى من قبل كيسنجر لصنع أداة فاعلة دوليا في مواجهة ظهور منظمة "أوبك". وطالما عُرف عن كيسنجر تشككه في تلك المنظمة التي رأى فيها تجمعا لدول تمسك بمصادر الطاقة -أي البترول- وتحوز على كتلة مالية ضخمة. والحال أن دول "أوبك" ما كان لها أن تصل إلى تلك النقطة لولا حرب أكتوبر في العام 1973, وما تلاها من تفاعلات. ويحوم شبح البترول مجددا حول دافوس, مع تصاعد قرع طبول الحرب على العراق, وعودة شبح الدخول مجددا في أزمة نفط ومال.

طهو المؤشرات

ويأتي الذعر الفعلي في دافوس من شبح استفحال أزمة الاقتصاد الأمريكي؛ فقد انقضى معظم العام الماضي دون أن تتوقف مؤشرات الأسواق المالية -خصوصًا مؤشري "نازداك" و"داو جونز"- عن الانخفاض. وأحيانًا تنخفض بقوة فتهزّ معها أسواق العالم، وأحيانًا تراوح مكانها فتتنفس أسواق المال الصعداء في كل الأرض. وفي بعض الأحيان ترتفع مؤشرات أسواق المال، ويسود تفاؤل بقرب انفراج الأزمة التي أمسكت بخناق الاقتصاد العالمي منذ العام 2000. ولا يدوم التفاؤل إلا قليلاً قبل أن يعود جو الأزمة ليهيمن على الأسواق. ودائمًا فإن ما يحصل في أمريكا يهز العالم.

ولا يخلُ الأمر من أثر السياسة، خصوصًا أحداث 11 سبتمبر وحرب أفغانستان التي رأت فيها إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش جزءًا من "الحرب ضد الإرهاب"، والأرجح أن الأخيرة صبّت ذهبًا في شركات المجمع الصناعي- العسكري الأمريكي، خصوصًا مع الخفض المستمر للضرائب على الدخل، ووجهت ضربة إلى "الاقتصاد الجديد"، أي ذلك المعتمد على المعلوماتية والاتصالات, بل إلى مسار العولمة نفسها.

ومن يراجع صور العام يذهله التبدل المذهل الذي حدث في صورة "الاقتصاد الجديد"؛ فبعد مرحلة التسعينيات الزاهية التي صنعت المعلوماتية وشركات الكومبيوتر والإنترنت صورة خارقة عن نفسها، وشهد الاقتصاد الأمريكي نموًا متواصلاً سنة بعد سنة، من دون أن يترافق النمو مع زيادة في التضخم أو في معدلات البطالة.. بعد هذه المرحلة لم يكن عام 2002 زاهيا أبدًا، فقد غرق الاقتصاد الجديد في الفضائح التي توالت منذ تبين أن شركة "وورلد كوم" التي تدير وحدها نصف الهيكل الرئيسي للاتصالات على الإنترنت، كذبت بشأن أرقام مداخيلها، وخدعت المستثمرين والأسواق، بما قيمته حوالي 4 بلايين دولار خلال سنة واحدة!

وسرعان ما اتضح أنها لم تكن وحيدة في التلاعب "الذكي" في الأرقام. وأدخلت سنة 2002 إلى الاقتصاد الأمريكي مصطلح "طهو الأرقام" للإشارة إلى هذا النمط من  التلاعب. وفي مسار طهو الأرقام سارت شركات مثل "آي أو إل" و"غلوبال كروسينغ" و"أدلفي" و"كويست" و"تايكو" وغيرها. ولم تضرب هذه العاصفة في شجرة قوية. فالحال أن سوق المعلوماتية والاتصالات كان قيد معاناة ابتدأت في العام 2000

عندما انهار سوق النازداك فجأة، وخسر تريليوني دولار في أقل من 48 ساعة. وسميت تلك الأزمة بـ"انفجار فقاعة الإنترنت". ثم عانت السوق مرة أخرى في أحداث سبتمبر 2001. وفي تلك السنة، عانت سوق الاتصالات المتطورة من أزمة عدم إقبال الناس والحكومات والقطاع الخاص على شراء شبكات وأدوات الجيل الثالث من الخلويات (الهواتف المحمولة)، على الرغم من الرهانات الكبرى عليها.

ولم تكن القطاعات الاقتصادية التقليدية في الاقتصاد الأمريكي أقل تأزمًا. والحال أن مسلسل فضائح الشركات الكبرى ابتدأ من قطاع النفط (دائماً النفط!)، مع انفجار فضيحة شركة إنرون في ربيع عام 2002.

اقتصاد حرب

غارات 11 سبتمبر صبّت الكثير من إجراءات الرئيس بوش (الابن) فيما يشبه إقامة اقتصاد حرب, وبدت أمريكا وكأنها تسير نحو عودة الدولة القوية، وخصوصًا مؤسساتها الرقابية والأمنية. ويتناقض ذلك مع مجمل مسار الاقتصاد الأمريكي منذ عهد الرئيس الجمهوري نيكسون، وكأن بوش يعيد أمريكا إلى عهد الرئيس الجمهوري دوايت أيزنهاور.

والحال أن أصوات كثيرة رأت أن إجراءات الإدارة الحالية كانت "منجم ذهب" للشركات الكبرى، خصوصًا تلك المرتبطة مع المجمع الصناعي العسكري، ذاك الذي حذر منه أيزنهاور في خطابه الوداعي إلى الأمة الأمريكية.

وإذا أغمضنا أعيننا لنتخيل اجتماعاً للإدارة الأمريكية الحالية في البيت الأبيض، فكم من مديري الشركات في هذا الاجتماع؟ لنعد على الأصابع كلها: الرئيس بوش المدير السابق لشركة "هاركين" للنفط، نائب الرئيس ديك تشيني المدير السابق لشركة "هاليبيرتون" للنفط (أيضًا وأيضًا)، وزير الدفاع دونالد رامسفيلد المدير السابق لشركة "جنرال أنسترومانتس"، وزير المال بول أونيل المدير السابق لشركة "الكاوا" الشهيرة في صناعة الألمنيوم (استقال أخيرًا بعد فشله في تحسين الاقتصاد)، وزير التجارة دون أيفانز المدير السابق لشركة "توم براون" للنفط، رئيس موظفي البيت الأبيض أندرو كارد ممثل سابق لصناعة السيارات، مسؤول الجيش توماس وايت مدير سابق في شركة "إنرون" للنفط، مسؤول القوات الجوية جايمس روش مدير سابق في شركة "نورث غرومان" للصناعة، غوردن أنغلند مسؤول الأسطول مدير سابق في شركة "جنرال داينامكس"… وغيرهم.

ويلاحظ أن الوظائف الخمس الأعلى في رأس هرم الإدارة "محجوزة" لمديري الشركات! ولنتأمل كم مرة تردد كلمة النفط في المقطع السابق؟!

تأثيرات على العالم

من غير الصعب القول إن التوجه الاقتصادي لإدارة بوش الحالية -خصوصًا الإجراءات المتصلة مع "الحرب ضد الإرهاب"- ضربت في عمق اقتصاد العولمة التي تعاني ركود وفقدان ثقة يسعى منتدى دافوس لمواجهتها.

وللدلالة على ما سبق فقد عنونت "منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية" تقريرها للعام 2002 باسم "النتائج الاقتصادية للإرهاب"، ويرصد أحداث سبتمبر وأثرها في الاقتصاد الأمريكي والعالمي. ويركز التقرير على أن الطريقة التي تتعامل بها الإدارة الأمريكية مع الأحداث والحرب التي تلتها في أفغانستان هي العنصر الأساسي في توجه الاقتصاد ونموه. وعلى نحو خاص، يشدد التقرير على أن إجراءات مثل زيادة الإنفاق العسكري، والحد من انتقال الأموال والسلع والبشر والخدمات، وزيادة الجمارك تحت بند "تكاليف أمنية"، وزيادة الوقت المطلوب للمرور في المطارات والموانئ... إلخ -تترك آثارًا سلبية مؤثرة ومديدة، على النمو الاقتصادي في العالم.

ويحتسب التقرير أن الكلفة المباشرة لأحداث سبتمبر لم تزد على 28 بليون دولار. ويقدر الكلفة الكلية (تتضمن الآثار الأخرى) بمبلغ يتراوح ما بين 30 و58 بليون دولار. وينبه إلى أنه إذا زادت كلفة تبادل التجارة الدولية بنسبة 1%، فإن الاقتصاد العالمي يخسر 3% من قيمته. فعلى سبيل المثال: التبادل التجاري بين أمريكا وكندا يبلغ 379.7 مليارات دولار في عام 2001، فإذا زادت كلفة التجارة بمعدل 1%، فإن كلا من البلدين يعاني من خسارة سنوية تقدر بالمليارات.

ولعل تلك الآثار التي تخلفها الحرب على الاقتصاد العالمي تفسر التفاوت الكبير في تقدير كلفة الحرب المحتملة على العراق. فالمسألة لا تتعلق بالكلفة المباشرة للحملة العسكرية، بل فيما يلي ذلك من آثار على الاقتصاد العالمي.

الدولار.. سلاحا قاتلا

مهما قيل في الأزمة الحالية للاقتصاد الأمريكي، يجدر التذكر دوما أن "الدولار الضعيف" الذي يولد تدريجيًا من رحم هذه الأزمة, يمثل أحد الخيارات التي كانت تحضر دائمًا في بال ساسة البيت الأبيض لحل الأزمة.

وأساس اختيار الدولار أن أمريكا تملك اقتصادًا فريدًا من نوعه، فهي الدولة المصدرة الأولى في العالم، وكذلك في الاستيراد. وتملك مخزونات هائلة من المواد الخام للصناعة. وتسيطر على معظم مصادر المواد الخام في العالم، وتتحكم في أسعارها. كما أنها الأولى في القمح والدواء والأسلحة، أي السلع الأساسية في تجارة العالم.

ويضر الدولار ببعض وجوه الاقتصاد الأمريكي، لكنه يجعل أمريكا قادرة على إغراق دول الأرض بسلع رخيصة، ولا يمكن منافستها. وفي المقابل، تسيطر على موارد الطاقة، وإذا انخفض الدولار بشدة، تنخفض مداخيل "أوبك" بشدة. ويؤدي الدولار الضعيف إلى انخفاض قوي في القيمة الفعلية لديون أمريكا؛ إذ تصبح مجرد أرقام كبيرة، وهي من الأعمدة الأساسية للتبادل المالي الدولي. ومع انخفاض الديون، يضرب المدينون أخماسًا بأسداس، فيما يتحرر الاقتصاد الأمريكي من ثقل الدين!.. إنه الخيار الصعب لأمريكا، لكنه الأكثر إيلامًا للعالم كله.. هل يكون هو الملاذ الأخير للإدارة الأمريكية؟? لننتظر لنرى.


  صحفي بجريدة الحياة اللندنية

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم