English

 

الأربعاء. فبراير. 5, 2003

نماء » قضايا اقتصادية » أوروبا وأمريكا الشمالية وأستراليا

 

حاصر.. حصارك

خالد محمود

كاسترو
كاسترو

"حاصر حصارك".. قالها شاعرنا العربي "محمود درويش" لترن في آذاننا ونحن نقلب كل حجر في الأرض نبحث فيه عن خبرة مقاومة حصار الطغاة، شريطة أن تكون بشيء آخر غير الأهازيج.

ورغم أنك قد تسمع ليل نهار أصوات الأناشيد الثورية السياسية تصدر من كوبا وزعيمها فيدل كاسترو فإن ثمة معزوفة اقتصادية أخرى تجري على الأرض في صمت لمقاومة العقوبات الأمريكية التي فرضت بعد قيام الثورة الكوبية عام 1959، واشتدت وطأتها على البلاد بعد انتهاء الحرب البادرة وانفراد أمريكا بالعالم.

فما هي قصة النضال الاقتصادي في كوبا؟ وما هي الخبرات الإنسانية التي تقدمها هذه التجربة إلى كل من يتعرض لهذا الحصار؟

المحطة الأخيرة

تصر الدوائر الأمريكية على أن الاقتصاد الكوبي قد وصل إلى المحطة الأخيرة لانهياره، وتحشد لهذا الاستنتاج قدرا هائلا من الأدلة. فالانكماش في تحويلات الأمريكيين الكوبيين تصاعد إلى النصف بعد أحداث سبتمبر، والنمو بشهادة وزير الاقتصاد الكوبي "جوسيه لوريد ريجز" في ديسمبر 2002 هبط إلى 3% في 2001 مقارنة بـ 5.5% في 2002.

كما خفضت كوبا عملتها في العام المنصرم 2002 بنسبة 18%، وهبطت البضائع التي كانت ترسل من الأمريكيين الكوبيين إلى هافانا للبيع من 800 إلى 550 مليون دولار، وطلبت وزارة التجارة الخارجية الكوبية من دائنيها إعادة التفاوض على ديونها البالغة 10 مليارات دولار.

والحقيقة أن جزءا كبيرا مما تقوله الولايات المتحدة عن ترنح الاقتصاد الكوبي صحيح؛ فواقع الأمر أن الرئيس فيدل كاسترو بعد أن رفض نصيحة روسية بتبني إصلاحات السوق كان يدرك أنه مقدم على فصل جديد من المعارك القاسية وعلى أكثر من مستوى:

1- تدهور صناعة السكر الكوبية التي يعمل بها نصف مليون عامل، ويرتبط بها أكثر من مليونين آخرين وهي تحتاج إلى نقلة جبارة، كما تروي صحيفة "جراما إنترناسونالي" في تقرير اقتصادي لها بنهاية العام الماضي؛ فالقطاع يحتاج إلى تحديث هيكلي، وتخفيض كلفة الإنتاج، وتنويع المنتجات بعد أن تراجعت كوبا إلى مرتبة متأخرة جدا بعد أن كانت مصدرة السكر الأولى في العالم.

2- صناعة السياحة عالميا وبعد أحدات سبتمبر تدهورت في كوبا، ووصلت إلى حد كارثي اضطرت فيه الدولة إلى إغلاق 112 ألف غرفة من مجموع 136 ألف غرفة، هي إجمالي طاقة كوبا الفندقية على نهاية 2002.

3- أدى تدهور الزراعة الكوبية التي كانت تعتمد على النمط الكثيف والآلات الحديثة والكيماويات إلى هبوط حاد في الناتج القومي وصل إلى 8 مليارات دولار والتهديد بكارثة غذائية.

4- تعرضت كوبا فوق الكوارث السياسية والاجتماعية إلى كارثة أخرى طبيعية وهي إعصار ميتشل 2001 الذي كبدها حوالي 1.8 مليار دولار. علاوة على هذا كله فقد تعرضت كوبا لحصار أمريكي على كل الأصعدة، ازدادت وطأته مع انفرد أمريكا بالعالم.

وإذا كان الحصار الاقتصادي على كوبا منذ عام 1959 حتى عام 1990 هو حصار نظام عالمي قديم يمكن التحايل عليه بجغرافيا وآليات الحرب الباردة وهوامشها التناورية خاصة في ظل وجود الاتحاد السوفيتي آنذاك، فإن حصار اليوم يتسم بأنه مطلق تملك الولايات المتحدة فيه مجمل الأوراق: الاستثمار - التكنولوجيا - إغلاق الأسواق - الضغط على عائدات الخارج - تجفيف صناعة السياحة - تبخير صناعة السكر وغير ذلك.

مواجهة ليست ثورية

حسنا.. ماذا فعلت كوبا إذن إزاء هذا الوضع الجديد؟ وما هي الآليات الجديدة التي نحتتها في مواجهة الحصار الأمريكي؟ وإلى أي حد يمكن توقع الديمومة لهذه المواجهة؟

في الحقيقة، وعلى عكس ما يتوقع الكثيرون، لم تواجه كوبا الأوضاع الجديدة بأي نوع من الرطانة الثورية (كما يمكن أن يستنتج البعض من خطابها السياسي الموجه للخارج) بل شكلت ما يمكن أن نسميه (سلة حلول) شملت عددا من الآليات للتفاعل مع الواقع المحيط:

الآلية الأولى آلية التنازلات المحسوبة:

قدمت كوبا الطبعة الثالثة من التراجع عن النهج القديم وبدلا من أن تختار الانتقال الكامل إلى الحظيرة الرأسمالية واقتصاد السوق على نحو ما فعلت روسيا أو تجنح إلى ما أسمته الصين اشتراكية السوق.. اختارت كوبا ما يمكن أن يسمى بالتنازلات المحسوبة. فقد أقدمت كوبا على عدد من الخطوات منها تقليص الجيش الكوبي من 300 ألف إلى 50 ألف فرد، ووقف خطط تطوير الأسطول والطيران بما يقترب من إنهاء وجودهما الفعلي واستطاعت بذلك تقليص الإنفاق الحكومي.

وعلى المستوى الاقتصادي أقدمت على عدد من الخطوات أهمها قبول التداول بالدولار عام 1993 والقبول عام 1994 بأسواق الفلاحين التي سمحت ببيع الفلاحين لمحاصيلهم مباشره، ثم فتح الباب أمام المشروعات المشتركة التي بدأت بأرقام محدودة في التسعينيات انتهت بالموافقة على 405 مشروعات مشتركة مع رأسمال محلي أجنبي عام 2002.

على أن المضي في هذه التنازلات تزامن مع إصرار وتعلية صوت مقصود على تنفيذ برامج واسعة، خصوصا على مستوى الصحة والتعليم.

وفي الحقيقة فإن وزير الاقتصاد الكوبي حوشيه لورد ريدجز حتى وإن كان يتجمل فإنه لم يكن يكذب حين وقف أمام المجلس التشريعي في 23-12-2002 ليقول: "استمررنا في تنفيذ برامجنا الاجتماعية، فقدمنا أعلى مستوى خدمه تعليمية وأفضل الخدمات على مستوى الطب والطاقة، واستوعبنا كل آثار إعصار ميتشل كما وعدنا... ".

ونقلا عن تقرير لـ "إنتر برس وورلد نيوساجنسي" فإن البنك الدولي بعد صدور تقرير التطور العالمي (w.d.I) أشاد بالجهد الكوبي على مستوى التعليم والصحة، حيث ساهمت كوبا في تخفيض وفيات الأطفال من 11 في الألف عام 1990 إلى 7 في الألف عام 99 إلى 2 في الألف عام 2001، وأصبحت على قدم المساواة مع الدول الغربية. ووصلت بالتعليم إلى مدرس لكل 12 تلميذ ابتدائي (مثل السويد) وبالخدمة الطبية إلى 5.3 طبيب لكل ألف مواطن وهي نسبة من أعلى النسب في العالم.

الآلية الثانية: الزراعة العضوية:

لم تتوقف خسارة كوبا في انتهاء علاقتها بالاتحاد السوفيتي السابق بمجرد خسارة لصادرتها ومستوى مختلف من التسعير بل تعدى ذلك إلى خسارة على مستوى استيراد الآلات والتكنولوجيا والمبيدات ونمط كامل من الزراعة الكثيف.

وحتى عام 1990 لم تكن كلمة الزراعة العضوية في كوبا سوى شعار في كتابات البيئيين والخضر وطيف من جماعات دينية وفوضوية مختلفة في الغرب.

لكن كوبا التي احتضنت نظام الزراعة الكثيفة لمدة 30 عاما واستيقظت على خسارته كان عليها احتضان هذه الكلمة ليس فقط لتنقذ زراعتها بل لتنقذ شعبها من أزمة غذاء مطبقة أعوام 92 و93 و94 و95.

وطبقا لكتاب أصدره 32 أستاذ زراعة كوبيا وثلاثة أساتذة أمريكيين في كاليفورنيا وبركلي وهارفارد وأصدره مركز "فوود فرست" وحمل اسم الزراعة العضوية فإن التجربة الكوبية في الزراعة العضوية ركزت على ثلاثة محاور:

أولها: تطوير نظام أيكولوجي (بيئي حيوي) بديل يقوم على السيطرة البيولوجية على الآفات الزراعية بدلا من المبيدات والكيماويات (مثل استخدام جذع الموز وتطعيمه بالعسل لجذب حشرات معينة للأرض).

ثانيها: زراعة المدن أو بالأدق حدائق المدن بمحاصيل مثمرة.

فهناك حوالي 8 آلاف مزرعة رسمية فقط في هافانا يزرعها 30 ألف فلاح كوبي مقسمة إلى عدة فئات: الحدائق الشعبية، ويزرعها السكان المدنيون. والحدائق الكثيفة، ويزرعها مؤسسات وأفراد. وحدائق الاستهلاك الذاتي، ويزرعها ويستهلك إنتاجها العمال ويرسل إنتاجها لمطاعم المصانع والجامعات. وحدائق خاصة (أفراد).

والمحور الثالث هو تطوير الآلات الزراعية القديمة (المحراث القديم مثلا) لوقف الاحتياج إلى التكنولوجيا.

ويضحك الكوبيون عادة عندما يقول زوارهم إنهم أبدعوا تجربة جديدة، ولا يملوا كما يروي صحفي أمريكي من القول بأنهم لم يفعلوا أكثر من استلهام تراث إنساني بالعودة إلى فترة قريبة ترجع إلى أوائل القرن الثامن عشر حين كانت زراعات المدن تكفل أكثر من 70 في المائة من غذاء أهل المدن.

وترصد الأمريكية باتريشيا جروب في كتابها "الزراعة في كوبا من الحديقة إلى المائدة" أن الزراعة المثمرة يمكن أن تقابلك في كل مكان: في الزهريات.. في البراميل.. وفي التراس.

وإنه في عام 1999 كان هناك 33 مشروعا كبيرا لإنتاج الفواكه والأرز وغير ذلك بها 250 ألف فلاح يزرعون ما مساحته 3.7 ملايين فدان.

يبقى أن التجربة الكوبية في الزراعة العضوية انتقلت من الطور الميداني إلى الطور الأكاديمي، حيث أصبح لها أكثر من 200 مركز إضافة إلى 173 مركزا تنتج مواد سيطرة بيولوجية (زراعية) بكميات تصل إلى 93 ألف طن في العام، كما توجتها بإنشاء معهد حماية المحاصيل (أنساسيف) يتدرب عليه زراعيون من المكسيك وكولومبيا وأسبانيا والبرازيل وكوستاريكا وجاميكا وإكوادور وغيرها.

الآلية الثالثة: الارتباط الاقتصادي:

تمثلت الآلية الثالثة الكوبية لمقاومة الحصار في الارتباط بقطاعات من الشعب الأمريكي، وتأتي في مقدمة هذه القطاعات التي تنسج كوبا علاقة معها: قطاع الفلاحين الأمريكيين خصوصا في ظل مشاكل هذه الفئة مع الاتحاد الأوربي وأزماتها الأخرى، وكذلك بعد شحنة القمح التي صدرها الزراع الأمريكيون لكوبا وبلغت قيمتها 73 مليون دولار عام 2002.

وطبقا لتنبؤات مجلة "كومون دريمز" الأمريكية فإن التعامل الاقتصادي مع كوبا يمكن أن يعود على الفلاحين الأمريكيين بما قيمته 1.6مليار دولار. ويرى البعض أن قطاعات أخرى كالسياحة وشركات الطيران بشكل أولي يمكن أن تحقق دخلا مقاربا.

وعلى ما يبدو وفي ظل الأزمة الاقتصادية الأمريكية فإن الإلحاح الكوبي بدأ يؤتي بعضا من ثماره. ففي تقرير لـ"كوبا بوليسي فونديشن" في أكتوبر 2002 عن معرض التجارة الزراعية في هافانا فإن شركات من 154 دائرة انتخابية أمريكية شاركت في المعرض بواقع 288 شركة مثلها 700 فرد وصل حجم مبيعاتها 200 مليون دولار.

هذه هي الآليات التي تقاوم بها كوبا الحصار. ترى إلى أي مدى يمكن أن تصمد هذه الآليات؟

وهل ما تمارسه كوبا نوع من حلاوة الروح؟

من الصعب طبعا إجابة سؤال من هذا النوع. لكن الرهان على اقتصاد منعزل مقامرة، فما بالك إذا كان محاصرا عن عمد، وما بالك إذا كان الاتجاه العالمي يتسارع نحو التطرف في الخصخصة؟!

كذلك هناك مناطق ضعف بادية وقابلة للتنشين السريع في الاقتصاد الكوبي أبرزها انهيار صناعة السكر والتي يتزامن ذلك مع انهيارها عالميا (حتى في الفلبين التي كانت أمريكا منذ عام 1900 تقوم بدور أشبه بالدور السوفيتي مع كوبا على مستوى تبني صادراتها بالكامل).

هناك منطقة ضعف أخرى أيضا وهي الاعتماد على السياحة والتي لم تقنع الشركات العالمية خطوة تنازل الدولة الكوبية عن 10 % منها.

وهناك القيود الأمريكية المطلقة على حجب تحويلات الخارج، خصوصا أن غالبهم على أرض معارضة كاسترو.

ويتبقى أن الحصار الكوبي قد منحنا خبرات قابلة للتعميم إنسانيًّا وتتخطى كل أطر الأيدلوجيات.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم