|
| شيراك
|
باريس- لم يكن تهديد الرئيس الفرنسي "جاك شيراك" مساء الإثنين 10-3-2003 باستخدام الفيتو لمنع الحرب المحتملة ضد العراق مجرد رغبة فقط من حكومة باريس للعب دور سياسي جديد ومتنامٍ على الصعيدين الأوروبي والدولي، فالمسكوت عنه دائما هو الرغبة الفرنسية الجامحة في المحافظة على مرتبة الأفضلية الاقتصادية التي تتمتع بها في العراق، فالشركات النفطية وكذلك صفقات سيارات البيجو وتليفونات الكاتيل تهيمن على الأسواق العراقية.
ففي ندوة نظمها معهد العالم العربي في باريس أوائل شهر مارس 2003 وحضرها نخبة من المثقفين الفرنسيين قال "تيري ميسون" رئيس شبكة فولتير للتنمية وحقوق الإنسان الفرنسية: "إن الذي يعلمه الجميع ويسكتون عن قوله بما فيهم الأمريكيون والفرنسيون أن الآبار النفطية تشكل أهم محرك للأساطيل الحربية الأمريكية، وأن هذه الآبار ذاتها تمثل أبرز الحوافز التي تحرك الدبلوماسية الفرنسية لإيقافها".
والناظر للخريطة النفطية الخليجية يلاحظ أن التنافس بين الشركات النفطية الأمريكية ونظيرتها الفرنسية بلغ اليوم ذروته مع التهديدات الأمريكية بشن حرب على العراق.
فمقابل هيمنة الشركتين الأمريكتين النفطيتين "شفرون تكسيكو"، و "أكسون موبيل" واللتين تستحوذان على الأسواق النفطية الكويتية والسعودية والإماراتية نجد أن الشركة الفرنسية "توتال فينا ألف" وهي تجميع لثلاثة شركات عملاقة تستحوذ بلا منازع على السوق النفطية العراقية التي تحتل المرتبة الثانية عالميا باحتياطي نفطي يقدر بـ 112 مليار برميل نفط خام.
ويقول الخبير الاقتصادي الفرنسي "كريستان دي بوسي" لشبكة "إسلام أون لاين.نت": "إن هذا الاحتياطي الضخم من النفط يمثل عاملا مهما في تحديد الخيارات الإستراتيجية بالنسبة لنا".
ويضيف قائلا: "فللفرنسيين مصالح اقتصادية، ومصالح نفطية مهمة في العراق يهمنا المحافظة عليها وتنميتها".
آبار مجنون
ويعود تاريخ الوجود النفطي الفرنسي ممثلا في شركات التنقيب على النفط إلى سنة 1927 حينما تم تركيب أول مضخات استخراج النفط قرب العاصمة العراقية بغداد. أما اليوم فإن شركة مثل "توتال" مثلا تدير أضخم آبار الجنوب العراقي ممثلة في آبار "مجنون"، وآبار "بئر عمار"، حيث يتم إنتاج مليون برميل نفط خام يوميا من احتياطي إجمالي يقدر بـ 13 مليون برميل نفط خام. وتقول صحيفة "ليبراسيون" في تقرير لها الشهر الماضي: إن شركة "توتال فينا ألف" فاوضت بغداد على عقد لاستغلال حقول النفط الكبرى جنوبي العراق يبلغ مقداره 40 إلى 50 بليون دولار".
وقد استفادت الشركات النفطية الفرنسية بنهاية حرب الخليج الثانية عام 1991 من الواقع السياسي الجديد بمزيد تركيز وجودها في العراق، ودعمت استثماراتها النفطية إثر بداية تطبيق برنامج "النفط مقابل الغذاء" الذي أقرته منظمة الأمم المتحدة سنة 1996 لإتاحة الفرصة للعراقيين لمعاودة تصدير مخزوناتهم النفطية. ومعروف أن العراق ينتج حاليا 2.5 مليون برميل يوميا.
استنادا إلى هذه المصالح فإن فرنسا تخشى أن تخرج من العراق إذا نفذت أمريكا خططها بشأن الحرب وما بعدها، أمر كهذا دفع "ريشارد ليقار" رئيس لجنة الشئون الخارجية في مجلس النواب الفرنسي أوائل شهر مارس 2003 إلى القول: "لن يكون للفرنسيين نصيب من النفط إذا لم نشارك في الحرب المقبلة ضد صدام حسين".
غير أن مثل هذا القول يقلل من أهميته الخبراء الاقتصاديون الفرنسيون فقد أشارت مجلة "لكسبونسيون" الاقتصادية الفرنسية في عددها الأخير (مارس 2003) "أن الشركات النفطية الفرنسية لم تكن محل قبول بالنسبة للأمريكيين، وخاصة بعد عقد صفقات لاستغلال الغاز الإيراني سنة 1997 متجاهلة الحضور الأمريكي"؛ وبالتالي تقول المجلة فإنه: "لا يجب المبالغة في التعاطي مع الولايات المتحدة كمحدد لاستثماراتنا النفطية في العراق مستقبلا".
وقالت المجلة: "للفرنسيين خبرات ودراسات متكاملة عن احتياطي النفط العراقي والبنية التحتية لتوزيعه وحقوق قانونية لاستثماره لعشرات السنين؛ وهو ما يمنع الأمريكيين من أن يتجاهلوا وجودنا هناك في أي تصور قادم لمستقبل العراق".
البيجو" و "الكاتيل"
وتتجاوز المصالح الاقتصادية الفرنسية في العراق النفط إلى مجالات أخرى، إذ تعد فرنسا المزود رقم واحد للعراق بالنسبة للصناعات الميكانيكية والتحويلي ة والصيدلية، وخاصة في ظروف الحصار الحالي المفروض على بغداد.
ففي مجال صناعة السيارات مثلا تقوم شركة "بيجو" بتصدير 15% من إنتاجها إلى العراق، وفي سنة 2000 مثلا وقَّعت الشركة عقودا لبيع السيارات للعراقيين تضمنت ألف سيارة فرنسية من صنف "بيجو 406 و 5000 سيارة من صنف بيجو 406 هذا إضافة 2000 سيارة إسعاف تُباع للمستشفيات العراقية سنويا.
وفي مجالات الاتصالات تتولى الشركة الفرنسية "الكاتيل" منذ نهاية التسعينيات صيانة وتجديد شبكة الهواتف الأرضية في العراق، وتعلق الأمر بإنشاء 280 ألف خط بقيمة 76 مليون دولار.
أما قطاعات الطب والصيدلة والصناعات التحويلية الفرنسية الأخرى فتمثل هي الأخرى وجها آخر للحضور الفرنسي الاقتصادي القوي في العراق الذي تخشى باريس تقلصه إذا وقعت الحرب ونجحت أمريكا في إقامة حكومة موالية لها في بغداد. ويقول "كريستان دي بوسي": إذا ما ركزت الولايات المتحدة حكومة موالية في بغداد سيتقلص إلى حد كبير حجم حضورنا الاستثماري، ونخشى أن يكون نصيبنا بعده ممثلا في بعض الفتات، كما حدث لنا في أفغانستان والكويت والبوسنة".
لكل هذه الأسباب تبدو الرغبة الفرنسية جامحة في المحافظة على حجم الوجود الاستثماري في العراق.. إنها رغبة المصالح التي تجعل الفرنسيين يمارسون لعبة لي الذراع مع حلفائهم الأمريكيين في مجلس الأمن، وهي المصالح ذاتها التي يغضون فيها الطرف عن مقولة "إن هناك شخصا يسمى صدام حسين يحكم العراقيين".
كاتب جزائري مقيم بفرنسا، ويمكنك التواصل معه عبر البريد الإلكتروني الخاص بالصفحة namaa@islamonline.net
|