|
| صدام
|
جاء اعتراف بنك "يو بي إس" ثاني أكبر بنوك سويسرا في مطلع هذا الأسبوع بقيامه بتحويل أرصدة عراقية لديه إلى الحكومة الأمريكية دون إذن من السلطات الرسمية، ليثير جدلاً حول الأرصدة العراقية الموجودة في سويسرا.
وفي الوقت الذي لم يكشف فيه البنك عن حجم هذه الأموال، فإن "إكسل لانغر" المتحدث باسمه قال لوكالة الأنباء السويسرية بأن مصادرة الأموال تأتي بعد أن جمدت الخزانة الأمريكية أرصدة العراق في 17 بنكًا أمريكيًا، من بينها فرع "يو بي إس" في الولايات المتحدة.
ورغم أن لانغر قال بأن الولايات المتحدة أبلغتنا بأن هذه الأموال ستذهب لإعادة إعمار العراق، فإن المراقبين الاقتصاديين يعتبرون أن ذلك التصرف مخالف للقوانين السويسرية التي تمنع ذلك إلا بقرار من مجلس الأمن الدولي. ومن المرجح أن إدارة البنك ستدافع عن قرارها أمام الحكومة بأن تسليم الأرصدة العراقية إلى الخزانة الأمريكية تم من فرع البنك في الولايات المتحدة.
وقد جاءت استجابة بنك "يو بي إس" بعد يومين من تلقي الخارجية السويسرية يوم الجمعة 21-3-2003 طلبًا رسميًا من الحكومة الأمريكية بتجميد جميع أرصدة الرئيس العراقي صدام حسين والمقربين منه. كما شمل الطلب الأمريكي تجميد حسابات الدبلوماسيين العراقيين وجميع الودائع المتعلقة بالحكومة العراقية.
يأتي ذلك رغم أن الحكومة السويسرية قد أعلنت في مطلع شهر مارس 2003 أنه لم يثبت لديها أن صدام حسين أو أحدًا من المقربين منه يمتلك حسابات خاصة في سويسرا. وقال البنك المركزي السويسري بأن الأرصدة الموجودة تعود فقط للحكومة العراقية المسجلة في بنوك سويسرا وتقدر بـ460 مليون فرنك. في الوقت نفسه تشير تقارير بنكية أخرى أن الودائع العراقية في سويسرا ملك للحكومة العراقية وتخضع لمراقبة السلطات المسئولة، لا سيما المعاملات المالية المتعلقة باتفاق النفط مقابل الغذاء.
ومع الطوق الأمني الصارم المفروض على ملف أرصدة العراق في سويسرا، فإن الربط بين بعض المعلومات من مصادر مختلفة يمكن أن يعطي صورة أقرب ما تكون إلى الواقع حول هذه الأرصدة.
فطبقًا للمعلومات التي أدلى بها عام 1991 أحد المستشارين الماليين السابقين للرئيس العراقي صدام حسين -ويدعى جواد هاشم- فإن 5% من حصيلة مبيعات النفط العراقي كانت تذهب إلى حسابات سرية في جنيف.
وأضاف جواد هاشم في شهادته التي أدلى بها في أمريكا أن هذه الحسابات تحوي ما لا يقل عن 30 مليار دولار، وهو ما لم تنفه السلطات السويسرية أو تؤكده.
ومع الحصار المفروض على العراق منذ 1991 لم تستطع الولايات المتحدة إلا التعرف على ملياري دولار فقط موزعة على حسابات في بريطانيا والولايات المتحدة. وتمكنت حتى الآن من مصادرة مليار و700 مليون دولار.
وكانت سويسرا قد تمهلت كعادتها في الكشف عن قيمة الودائع العراقية الكامنة في بنوكها؛ وفاء منها لسرية الحسابات المصرفية؛ حيث إن قرار تجميد الحسابات الصادر من الأمم المتحدة لم يشمل ضرورة الإعلان عن قيمتها، حسب ما أوضحته مؤخرًا الدوائر الاقتصادية في العاصمة السويسرية برن.
حصر ثروة العراق
في المقابل، نرى أن الأطراف المهتمة بحصر ثروة العراق كثيرة، فقد قامت مؤخرًا مجموعة من الدول -من بينها دول عربية- بتكليف مكتب تحقيقات أمريكي خاص يدعى "جوليس كرول" بالبحث عن أرصدة العراق في سويسرا.
واتهم هذا المكتب الرئيس العراقي صدام حسين بأنه اختلس ما لا يقل عن 10% من حصيلة صادرات النفط على مدى السنوات الماضية، وحولها إلى جنيف ولكن ليس في صورة ودائع كما جرى العرف، بل في شكل أصول شركات.
وقد توصل كرول إلى أن شركتي "ميدكو فاينانشال المساهمة" ومقرها سويسرا وفرع "مؤسسة مونتاتا لإدارة الأعمال" في جنيف يتبعان الحكومة العراقية، وأن رصيد الشركتين يتراوح بين 10 و30 مليار فرنك.
ومن القواسم المشتركة بين الشركتين، أن أعضاء مجلسي إدارتيهما واحد، ومن أبرز أسماء أعضاء مجلس الإدارة نجد "أوهانيس أواريس أرتين" الذي يعتبر أحد أكبر المتخصصين في تجارة الماس في العراق، ويلقب بـ "جواهرجي القصر الجمهوري"، وعلى ما يبدو أن أرتين قد أتقن عمله بمهارة كبيرة، حيث لم تتمكن السلطات السويسرية من الإمساك بأي مخالفة مالية تتعلق بالتعاملات المالية للشركتين.
ويسود الاعتقاد بأن خبرة مارتين في تجارة الماس والذهب قد ساعدت على تحويل الأموال إلى عملات ثمينة أو مجوهرات، لتسهيل تنقلها وتداولها عن طريق البيع والشراء.
وتشير المصادر المطلعة في سويسرا إلى دور محتمل في إدارة ثروات العراق في سويسرا لبرزان إبراهيم التكريتي الأخ غير الشقيق للرئيس العراقي صدام حسين، وذلك في الفترة ما بين 1989 و1998، حيث كان يشغل منصب السفير العراقي لدى المقر الأوروبي للأمم المتحدة في جنيف، ويعيش حتى الآن اثنان من أبنائه هناك.
وتؤكد هذه المصادر أن العراقيين شكلّوا تحالفًا قويًا في جنيف لرعاية مصالح بلادهم المالية، سواء تلك التي كانت تتم بشكل مشروع، أو الأخرى غير القانونية، من خلال الاتجار في النفط العراقي خارج برنامج "النفط مقابل الغذاء"، لا سيما أن المعارضة العراقية تتهم نجل الرئيس عُدي بالضلوع في هذه التجارة، واتخاذ جنيف ملاذا لأمواله.
صحفي عربي يعيش في سويسرا.
|