English

 

الخميس. أغسطس. 7, 2003

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

"الجدار" يسرق فلسطين

عماد الدين سعيد

Image

لم يمثّل الجدار الإسرائيلي الذي بدأ تنفيذه قبل عام انتهاكا للأعراف والمواثيق الدولية فقط، وإنما جاء اعتداءً على الحقوق الاقتصادية الفلسطينية، هذا بالإضافة إلى أن هذا الجدار الذي يبلغ طوله 350 كيلومترا يحمل مكاسب ستجنيها إسرائيل ربما تفوق المبالغ المالية التي رُصدت له والمقدرة بـ745 مليون دولار، وفي المقابل فإن الفلسطينيين سيخسرون الكثير من جرائه.

وقبل رصد المكاسب الإسرائيلية والخسائر الفلسطينية فإنه من المهم التعرض لجغرافية هذا الجدار الذي طفت قضيته على السطح مؤخرا مع بدء تطبيق خريطة الطريق والهدنة التي أعلنتها الفصائل الفلسطينية في 29 يونيو 2003، وتقضي بوقف العمليات ضد إسرائيل لمدة 3 شهور.

جغرافية الجدار

وفقا للخطط الإسرائيلية فسوف يمر الجدار على الخط الأخضر من الشمال إلى الجنوب، ويضم القطاع الشرقي من القدس الذي احتلته إسرائيل وضمته عام 1967 ليفصل بذلك هذا القطاع من المدينة المقدسة الذي يريد الفلسطينيون أن يجعلوا منه عاصمة لدولتهم المقبلة عن بقية الضفة الغربية.

ويفترض أن يلتف الجدار على مسافة حوالي 45 كيلومترا حول القطاع الشمالي من الضفة الغربية، ويسير في المستقبل على امتداد السفوح الشرقية لتلك المنطقة بطريقة تسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بالسيطرة على غور الأردن. وبذلك يطوق هذا الجدار الضفة الغربية بأكملها.

ويطالب اليسار الإسرائيلي بأن يتبع الجدار الذي بدأ العمل به في يونيو 2002، قدر الإمكان مسار الخط الأخضر الفاصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة من جهة، والأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1948 من جهة أخرى. في حين يسعى اليمين الإسرائيلي وبتحريض من إريل شارون رئيس الوزراء الإسرائيلي لأن يسير الجدار باتجاه الشرق ملتهما أكبر مساحة من الأراضي في الضفة الغربية بدعوى أن يلتف بأكبر عدد ممكن من المستوطنات.

مكاسب إسرائيلية

وتعلق إسرائيل أهمية كبرى على الجدار قائلة إنه ضروري لأمن سكان المستوطنات اليهودية في الضفة الغربية، وكذلك لمنع الهجمات الاستشهادية وهو الأمر الذي دفعها لتحصين الجدار أمنيا وتزويده بأجهزة رصد متطورة. لكن هذا الهدف الأمني تجاروه أطماع اقتصادية إسرائيلية وهي:

الاستيلاء على المزيد من الأراضي الفلسطينية ومصادرتها لصالح بناء مستوطنات جديدة، وتوسيع القائم منها، حيث تُقدر مساحة الأراضي الفلسطينية التي تمت مصادرتها أو تعتزم إسرائيل مصادرتها بـ(45%) من مساحة الضفة الغربية، والتي تقدر بـ(6500) كيلومتر مربع في حال تطبيق روية اليمين الإسرائيلي.

استخدام جدار الفصل كأدوات ضغط اقتصادي على الفلسطينيين، وذلك عبر مصادرة إسرائيل لأخصب الأراضي الفلسطينية، والاستيلاء على مصادر المياه الخاصة بهم، ومنعهم من استخدام ما تبقى لهم من أراضٍ تحت العديد من المبررات والذراع الإسرائيلية الواهية.. وهذا يعني فقدان الكثير من الفلسطينيين مصادر الدخل لديهم، وخاصة في مدينتي طولكرم وقلقيلية، وهذا بدوره يعني زيادة نسب البطالة والفقر.

جعل هذا الجدار الفاصل أداة ضاغطة لاستنزاف الفلسطينيين في المفاوضات، ومنعهم من تحقيق أي إنجازات جغرافية وسياسية، وإجبارهم على التسليم بسياسة الأمر الواقع، وخاصة في حالة الشروع في مفاوضات قضايا المرحلة النهائية، واستنادا على أن الدولة الفلسطينية التي سيتم الحديث عنها ستكون مجردة من أي مقومات اقتصادية تستطيع الاعتماد عليها في دعم الاستقلال السياسي.

عزل الفلسطينيين في كانتونات عنصرية، واستمرار السيطرة الإسرائيلية المطلقة بالتحكم في عبور الأشخاص والبضائع بين مناطق السلطة الوطنية وإسرائيل، وكذلك بين مناطق السلطة الفلسطينية والخارج. وهذا ما يعني استمرار هيمنة إسرائيل على التجارة الفلسطينية بصورة عامة.

تعزيز الدور الاقتصادي للمستوطنين في الاقتصاد الإسرائيلي، حيث سيصل عدد المستوطنين الكلي عند الانتهاء من هذا الجدار والذين سيصبحون داخل إسرائيل إلى 343 ألف مستوطن، ومن ناحية أخرى سيقلل هذا من تكلفة حماية المستوطنات التي ستضمها الجدار.

خسائر فلسطينية

أما خسائر الجانب الفلسطيني من إقامة الجدار فهي كالتالي:

1- الإضرار بالزارعة ومصادرة الأراضي: فقد أظهر تقرير صادر عن وزارة الزراعة الفلسطينية في مايو 2003 أرقاماً تتحدث عن خسائر الجدار، حيث تبين أن إنتاج الزيتون سينخفض بسبب تقطيع آلاف الأشجار المثمرة والمعمرة بمعدل (2200) طن سنويًّا من الزيت في الأعوام المقبلة، إضافة إلى انخفاض إنتاج ثمار الفواكه بمعدل (50) طناً سنويًّا، والخضراوات بمعدل (100000) طن سنويًّا، وستفقد حوالي 10000 رأس من الماشية مناطق رعيها، وسيتم تدمير المئات من البيوت البلاستيكية ومزارع الطيور وحظائر الحيوانات؛ وهو ما سيؤدي إلى أضرار بالغة وتراكمية للاقتصاد الفلسطيني.

وأوضح التقرير أن نسبة الأراضي المروية فقط التي أقيم الجدار على أراضيها في مرحلته الأولى تعادل (5%) من مساحة الضفة الغربية، لكن مساهمة هذه النسبة المتواضعة في الإنتاج الزراعي للضفة تساوي (52%)، في وقت تعد مناطق شمال الضفة الغربية من أهم المناطق المروية والحيوية في فلسطين.

كما أن الحكومة الإسرائيلية تواصل عملية مصادرة الأراضي لصالح الجدار وملحقاته من خنادق وسياج؛ ففي جنين صارت أكثر من 48 ألف دونم مربع (الدونم يساوي ألف متر).. ومن المتوقع أن يصل طول الجدار المار بجنين إلى 48 كيلومتراً، بدءاً من منطقة ظهر العبد، غرب المدينة، وانتهاءً بقرية جلبون شرقاً.

وقد طالت أضرار الجدار الآلاف من أبناء جنين، الذين فقدوا أراضيهم، والتي تشكل مصدر رزق وحيدا لإعالة أسرهم وأطفالهم، فأكثر من 12 ألف نسمة موزعين على 3000 أسرة، دخلوا في المنطقة التي تقع أمام الجدار العازل، ومع أكثر من 2200 وحدة سكنية موزعة على عدد من التجمعات السكانية. وفي منطقة قلقيلية وحدها تم خسارة 8600 دونم مربع، أي بنسبة (72%) من أراضيها المروية.

ويعد هذا بالنسبة للسكان الفلسطينيين استمرارا لجرائم الاحتلال الإسرائيلي ضد المدنيين البسطاء وممتلكاتهم، بحيث يمنعون من دخول بلداتهم وقراهم، في منطقة العزل، إلا بتصريح خاص من قوات الاحتلال؛ الأمر الذي يفاقم معاناتهم، ويلحق بهم أضراراً جسيمة، تضاف إلى الاعتداءات المتواصلة من الحصار والإغلاق المفروضين عليهم بشكل مشدد.

2- سرقة المياه: أشار تقرير وزارة الزراعة الفلسطينية إلى أن الجدار سيصادر 30 بئر ماء في محافظتي قلقيلية وطولكرم والمعروف عن هذه الآبار طاقتها التصريفية العالية، علماً أنه تم حفرها قبل عام 1967، وتقع على الحوض الجوفي الغربي، وهذا الأمر سيفقد الفلسطينيين 18% من حصتهم في هذا الحوض، والتي هي 22 مليون متر مكعب سنويًّا من أصل 362 مليون متر مكعب حسب اتفاقات أوسلو، إضافة إلى أنه سيدمر البنية التحتية لقطاع المياه من مضخات وشبكات الأنابيب الخاصة لمياه الشرب والري الزراعي، ومما سيعمل على فقدان بعض القرى الفلسطينية من مصادرها المائية بالكامل.

3- زيادة البطالة: سيوقف الجدار تدفق آلاف العمال الفلسطينيين إلى مقار أعمالهم في إسرائيل، وبالتالي قطع مصادر معيشتهم. ويقول شون فرجيسون رئيس الوحدة الاقتصادية في منظمة الأمم المتحدة للتنسيق في رام الله لهيئة الإذاعة البريطانية: "من شأن الجدار رفع معدلات البطالة في الضفة الغربية بحدة، وهي المرتفعة أصلا". يشار إلى أن بعض المصادر تقدر هذه النسبة بما يقرب من 60 في المائة.

ويضيف فرجيسون أن مضاعفات إنشاء الجدار ستكون كبيرة على أحوال الفلسطينيين المتدهورة، فبحساب أن الفلسطينيين العاملين في إسرائيل بحدود 39 ألف فلسطيني، وكل منهم يعيل عائلة مكونة من 6 أفراد في المعدل، يمكن معرفة الآثار الوخيمة الناتجة.

4- سيعزل "الجدار الفاصل" في مختلف مراحله حوالي 60 ألف مواطن فلسطيني عن العالم الخارجي والقرى والبلدات المجاورة؛ لأنهم سيصبحون بين الجدار من جهة و"الخط الأخضر" من الجهة الأخرى، وسيعزل هذا الجدار أيضا مدينة القدس الشرقية المحتلة من خلال ما يعرف بـ"غلاف القدس"، ويبلغ طوله 22 كم.

5- تخريب البيئة الفلسطينية: تكمن مخاطر الجدار على البيئة الفلسطينية لكونه سيعمل على اقتلاع الآلاف من الأشجار المثمرة وخصوصاً الزيتون، حيث وصل عدد الأشجار التي اقتلعت منذ بداية انتفاضة الأقصى إلى مليون شجرة. وتكمن أهمية هذه الأشجار في كونها تعمل على تحسين نوعية الهواء من خلال التقاط حبيبات الغبار، واستهلاك ثاني أكسيد الكربون، وإطلاق الأكسجين في الجو، والتقليل من جريان المياه وانجراف التربة، وزيادة الفرصة أمام تغذية الخزان الجوفي، إضافة إلى مساهمتها في استدامة الحياة البرية من خلال توفير الملاذ الآمن للطيور والحيوانات الأخرى وبالتالي الحفاظ على التنوع البيئي.

واستناد إلى حجم الخسائر الفلسطينية الضخمة المتوقعة من الجدار؛ فإن الجهود الفلسطينية عليها أن تركز على ضرورة وقف هذا الجدار عن طريق ربطه بعدم العودة لمواصلة العملية السلمية مع إسرائيل، ورفع شعار "جدار الفصل، أو السلام" لا سيما أن ضغوطات الجانب الأمريكي كانت ضعيفة، ولم تثمر شيئا حتى الآن.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم