|
| عبء الديون سيتحملها العراقيون وحدهم
|
تُعد الديون العراقية بمثابة الحلقة الأضعف في قضية إعادة إعمار العراق التي يجري التدشين لها حاليا، وذلك ليس لضخامة حجم هذه الديون فحسب، وإنما أيضا لعدم توافر الأموال اللازمة لسداد هذه الديون في المستقبل المنظور.
ورغم اختلاف التقديرات حول تحديد الحجم الحقيقي للديون العراقية فإن المعلن منها حتى الآن يظل ضخما، فحسب أرقام البنك الدولي 2002 فإن الديون الرسمية والتجارية للحكومة العراقية تصل إلى 127.7 مليار دولار، وتشمل 47 مليار دولار كفوائد متراكمة. لكن تقديرات أخرى نشرتها "ميس" في عام 2003 عن الديون العراقية تصل إلى 118.5 مليار دولار. وتتوزع هذه الديون بين العديد من الدول، هي (1):
-السعودية: 25 مليار دولار.
-الكويت: 12.5 مليار دولار.
-بقية دول الخليج: 17.5 مليار دولار.
-روسيا: 9 مليارات دولار.
-ألمانيا: 4.3 مليارات دولار.
-اليابان: 4 مليارات دولار.
-الدائنون التجاريون (نادي لندن): 2.6 مليار دولار.
-نادي باريس: 21.18 مليار دولار.
-الولايات المتحدة: 2.1 مليار دولار كديون أساسية فقط.
-أطراف أخرى: 20 مليار دولار.
ويلاحظ أن الديون الخليجية تشكل جزءا من التدفقات المالية من دول الخليج -وبالأساس الكويت والسعودية- إلى العراق أثناء حربه مع إيران في الثمانينيات، وكانت تلك التدفقات تشمل أيضا منحا لا ترد. وقدمت دول الخليج آنذاك المنح والقروض للعراق كمساهمة لها في تمويل المجهود العسكري العراقي في الحرب مع إيران. وبسبب هذه الحرب تحول العراق من دولة تملك احتياطيات مالية قدرها 40 مليار دولار قبل تلك الحرب إلى دولة مدينة.
ولا تقتصر التركة العراقية على الديون، ولكن يضاف إليها حجم التعويضات التي يدين بها العراق منذ حربي الخليج الأولى والثانية للعديد من بلدان العالم، ومنها للدول الخليجية 200 مليار دولار، ووفقا لتقارير الأمم المتحدة فقد تم حتى أوائل إبريل عام 2003 رفع 2.6 مليون قضية تعويض على العراق، تم حلها كلها ما عدا 51235 قضية لم يُبتّ بشأنها. وقد قررت لجنة التعويضات الخاصة بالأمم المتحدة 44 مليار دولار من التعويضات، تم دفع 17.6 مليار منها(2).
صدام السبب
لا شك أن أغلب الديون العراقية قد نجمت عن سياسات النظام العراقي السابق الذي ترك لبلده ميراثا ثقيلا من الديون الهائلة. وعليه يصبح من الظلم أن يتحمل الشعب العراقي وزر نظامه البائد. لكن من الناحية القانونية تصبح الحكومة العراقية الجديدة ملتزمة بسداد هذه الديون والمبالغ الطائلة، ولا يعفيها سقوط النظام البائد من التنصل من السداد، خاصة إذا كان هناك جزء من هذه الديون في شكل تعاقدات مستقبلية، خاصة العقود النفطية.
وفي هذا الصدد جرت محاولات عدة، خاصة من جانب الولايات المتحدة؛ باعتبارها تتولى زمام الأمور في العراق حاليا، ووجهت نداءً لمختلف المؤسسات المالية والدول الصناعية السبع الكبرى من أجل إعادة النظر في ديونها لدى العراق، ومدى إمكانية إلغاء بعضها كمساهمة منهم في إعادة بناء وإعمار العراق.
بيد أن العديد من هذه البلدان رأى أن يتم ذلك في إطار "نادي باريس"؛ باعتباره المرجع الوحيد لمعرفة كلفة هذه الديون، وكيفية التصرف معها. وقد وجه البنك الدولي وصندوق النقد الدولي نداء لنادي باريس لإعادة جدولة الديون العراقية لديه لمساعدة العراق في إعادة البناء.
وجدير بالذكر أن إجمالي ديون العراق لأعضاء النادي تقدر بـ21.18 مليار دولار من إجمالي الديون العراقية، وتعدّ ديون أعضاء نادي باريس جميعها تقريبًا من الديون المتأخرة، كما أنها شاملة لعمليات إعادة الجدولة المطبقة على الديون المتراكمة من حقبة الحرب الباردة، وذلك طبقًا لمنهاجية عمل النادي.
حلول غير تقليدية
وفي واقع الأمر فإن ملف الديون العراقية يتميز بخصوصية فريدة، وتدخل عوامل كثيرة في تقدير هذا الدين، بما فيها توقيت اتفاقية هيكلته، وتقدير كمية العملة المطلوبة لخدمة الدين الخارجي في المستقبل. وفي مستوى تفصيلي أكثر فإن تغطية هذه الديون ستصبح من شأن فائض الموازنة الأساسية في المستقبل، ومن شأن أولويات الإنفاق في تلك الموازنة، والنجاح في تحديد موارد الرأسمال اللازم للتجاوب مع خدمة الديون بعد أن تتم إعادة الهيكلة، بالإضافة إلى أسعار السلع خاصة النفط.
وعليه فإن خصوصية الديون العراقية تدفع نحو البحث عن حلول غير تقليدية للتعاطي معه، ولو أراد العراق الإقرار بهذا المبلغ فإنه ستتم جدولته لكي يسدد على دفعات، وهذا ما وعدت به الجهات الدائنة. والجدولة تعني أن هناك فوائد سنوية على المبلغ الإجمالي المعلن للديون العراقية بواقع لا يقل عن 10% بأحسن الأحوال؛ أي حوالي 13 مليارا تقريبا. وإذا أضفنا إلى ذلك التعويضات المطلوب أن يدفعها العراق سنويا؛ وهو ما يمثل عبئا على إعادة الإعمار، ولو عرفنا أن إيرادات النفط العراقي في حال بلوغه الإنتاج الأقصى، أو مستوى الإنتاج قبل الحرب وهو 3.5 مليون برميل يوميا.. فستكون إيراداته بحدود 30 مليار دولار سنويا؛ أي أن هذا المبلغ لن يغطي ما هو مطلوب دفعه.
The embedded asset does not exist: Asset Type: Image_C Asset Id: 1177156081218 PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic |
|
بريمر
|
فضلا عن هذا فإن المحاولات التي بذلتها إدارة الاحتلال الأمريكي في العراق بقيادة "بول بريمر" التي طالب فيها كلا من السعودية والكويت بإلغاء التعويضات المستحقة لهم لدى العراق قد باءت بالفشل. وفي حين التزمت السعودية الصمت وعدم التعليق رفضت الكويت وبشدة التنازل عن هذه التعويضات، وجاء ذلك على لسان أغلب أعضاء مجلس الأمة الذين رفضوا دعوة بريمر، واعتبروها ضغطا على الحكومة الكويتية للتنازل عن حقوقها لدى النظام العراقي السابق.
ومن الناحية القانونية فإن المليارات التي استدانها نظام صدام هي ديون من النوع الذي يسمى بالديون "الكريهة"، ومرد ذلك هو أن صدام قد استدان هذه الأموال لشراء أسلحة لمحاربة شعبه وشعوب الجوار، وبناء ترسانة من أسلحة للدمار الشامل، أو على الأقل محاولة بنائها. وإذا رجعنا إلى القانون الدولي الذي ينطبق على حالة العراق تماماً مبدأ الدَّين "الكريه". وبحسب هذا المبدأ إذا عمدت سلطة مستبدة إلى الاستدانة، لا وفقاً لحاجات الدولة ومصالحها، بل لتقوية نظامها الاستبدادي، وقمع السكان الذين يقاتلونها.. يكون الدَّين كريها بالنسبة إلى سكان الدولة بأسرها. وهذا الدين ليس إلزاميا بالنسبة إلى الأمة: إنه دَين نظام، دين شخصي للسلطة المستدينة؛ لذا فهو يسقط مع سقوط تلك السلطة. ولكن على الرغم من ظهور هذا المبدأ منذ أكثر من مائة عام.. فإنه لم يتم إقراره قط في القانون الدولي(3).
وبالنظر إلى الحالة العراقية فإنه إذا تمت محاولة تطبيق هذا القانون؛ فإنه من المرجح أن تلقى الفكرة مقاومة شرسة من قبل الدائنين الذين كانوا من الخاسرين الكبار في عملية تحرير العراق قبل ذلك.
ولكن لو تمكنت الحكومة العراقية الجديدة بمساعدة الولايات المتحدة وبريطانيا من إنشاء هيئة دولية تعمل من خلال الأمم المتحدة لوضع هذا القانون موضع التطبيق؛ فإن العراق سيكون الرابح الأكبر.
شروط المواجهة
في ظل هذا الوضع المعقد للديون العراقية يصبح من الصعب التوصل إلى حلول جذرية لهذا الملف، خاصة في ظل الخلفيات السياسية التي تحكم العلاقة بين بعض الأطراف الدائنة والولايات المتحدة التي تتولى الإشراف على الوضع العراقي. وبشكل عام يتوقف التعاطي مع ملف الديون العراقي على 3 نقاط، هي:
- وجود حكومة عراقية منتخبة تمثل الشعب العراقي وتتحدث نيابة عنه، وهو ما ينعكس على شرعية جهودها في إقناع الدول الدائنة بالتساهل في الحصول على مستحقاتهم.
- أن يتم التأكد من حجم الديون العراقية بشكل جدي وصريح وفقاً لقواعد القانون الدولي. ويتم تشكيل لجنة من الأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي وعمل حصر دقيق لحجم الديون العراقية، على أن تتولى هذه اللجنة بالتعاون مع الحكومة العراقية الإشراف على سداد هذه الديون.
- أن تتوافر النوايا الحسنة لدى الأطراف الدائنة؛ بحيث يتم الاتفاق على إعادة جدولة ديونها لدى العراق لمساعدته في سداد هذه الديون.
سيناريوهان للمستقبل
وفي ظل الأوضاع الحالية يمكن أن نضع سيناريوهين للحكومة الجديدة في العراق للتعاطي مع مسألة الديون العراقية:
- السيناريو الأول: هو أن يتم إقناع الأطراف الدائنة بضرورة إعادة جدولة ديونها لدى العراق كما في حالة نادي باريس؛ وهو ما يعني أن يتم إعفاء نحو ثلثي قيمة الديون على الأقل، وعلى الأرجح سيكون بين 70% و75% منها. لكن إذا أخذنا بنظر الاعتبار الإمكانيات الهائلة من الطاقة المتوفرة لدى العراق، فلن يكون العراق عرضةً لنمط الإعفاءات من الدين الذي سبق لنادي باريس أن اعتمده.
- السيناريو الثاني: أن تتمسك الحكومة العراقية بعدم الإقرار إلا بالمطالبات التي لها سند قانوني قوي وبمطالبات الدائنين الذين ربما يحتاج العراق إلى العلاقات التجارية الجارية معهم والتي يتطلبها نمو اقتصاده. وإذا فعل ذلك فسيكون لديه وسيلة مبتكرة لاستئصال قسم كبير من ديونه.
وفي كلا السيناريوهين فإن قدرة الحكومة العراقية على التعاطي مع إشكالية الديون سيحدد بشكل كبير مدى نجاحها في إعادة بناء العراق، ووضعه على طريق التنمية من جديد.
خبير اقتصادي مصري
(2) المصدر: لجنة التعويضات التابعة للأمم المتحدة.
(3) إريك توسان، معالجة الديون الكريهة: العراق نموذجاً، جريدة الزمان اللندنية، 12/7/2003.
|