English

 

الأحد. أبريل. 16, 2000

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 

صناعة الطائرات حُلْم إندونيسي في مُفْتَرق الطُّرق!!

صهيب جاسم

Image

أبدى مجموعة من المستثمرين الأجانب - في مارس 2000م- رغبتهم في أن يكونوا شركاء استراتيجيين للمصنع الحكومي الإندونيسي لصناعة الطائرات "إبتن" أو إندستري بيساوات تيربانغ نوسانتارا؛ وذلك ردًا على إعلان الشركة عن رغبتها في البحث عن أساليب جديدة للنهوض من جديد، وتحقيق حلم إندونيسيا بأن تكون دولة مصنعة للطائرات. لكن المستثمرين ليسوا من الدول المسلمة، ولكنهم من أوروبا والولايات المتحدة وحتى من أمريكا اللاتينية مع احتمال تقدم آسيويين من الدول المجاورة، وقد يكون السعر غاليًا، وقد يكون رخيصًا جداً حسب العرض وطبيعة المنافع التي يَعِدُ بها المستثمر الشركة عند الشراء.

وعندما يزور الواحد منَّا المصنع في مدينة باندونغ الإندونيسية الشهيرة يجد صورة لم ترفع للرئيس السابق بحر الدين حبيبي حتى بعد فشله في تجديد فترة رئاسته في أكتوبر الماضي، لكن وجود الصورة وإفلاس المصنع الذي مازالت معلقة فيه، يظهر لنا مدى ضياع كثير من أحلام الإندونيسيين ومنهم حبيبي بسبب الأزمة السياسية والمالية هناك.

كانت علاقة حبيبي بالمصنع علاقة مُؤسس تخرّج من ألمانيا مهندساً ذكيًّا، وبعد تدرُّبه هناك رجع إلى بلده ليجد الرئيس سوهارتو داعمًا له في إثبات أن الدول النامية المسلمة كإندونيسيا تستطيع أن تكون منتجة لأحد أرقى أشكال التصنيع وهو الطائرات.

وترقَّى حبيبي في عمله حتى أصبح وزيرًا للبحوث والتقنية ولمدة 20 عامًا، لكن فساد الرئيس سوهارتو السياسي والاقتصادي والأزمة المالية التي قصمت ظهر البلد الذي كان يحكمه أسقطته، فضلاً عن التدخل الغربي عندما وقعت إندونيسيا مع صندوق النقد الدولي اتفاقًا ليقدم الأخير لها قرضًا مع وصفة تعافي اقتصادية بشروط قاسية، كان أحدها إغلاق أو إيقاف الدعم لكثير من المشاريع الصناعية الغارقة في الديون ومنها مصنع إبتن.

نظرة عامة

تأسست شركة إبتن في أغسطس 1976م  بعد أن اعتبرت إحدى مجالات التصنيع التسعة المعقدة في إندونيسيا عام 1974م، وتقف تحديات التنمية الوطنية واتجاهات السوق العالمية أمام هدفها؛ لدعم التقنيات المتقدمة في أنظمة النقل الجوي، ولتكون مركزاً للتميز التصنيعي في عالم الطيران الآسيوي في إنتاجها طائرات للاستخدام الإقليمي تَسَع 20-130 راكبًا، كما سعت الشركة لتحقيق مهمتين في آنٍ واحد وهما: نقل تقنيات الطيران إلى بلادها، وأن تتحول إلى شركة خاصة مولِّدة للأرباح تستغنى عن دعم الحكومة، وهذا الهدف الثاني هو الذي لم يتحقق تمامًا حتى الآن، وتسير إبتن على خُطا شعار "الانطلاق من خط النهاية والانتهاء من نقطة البداية" بالتدرج في أربع مراحل أهمها: تخريج مجموعة كافية من المتدربين الأَكْفاء للعمل في مصانعها في باندونغ وتاسيك ملايا وباتو بورون، ويمكن تدريب ما يقارب الـ 1000 مهندس وفنِّي في آن واحد في مركز التدريب الداخلي أو إرسال مجموعات منهم إلى الخارج للتعرف على إجراءات الإنتاج والتسويق وتجارب الشركات الكبرى في سوق الطيران المدني وما يرتبط به من صناعات.

وقد صنعت إبتن منتجات مرخصة لشركة كاسا وإم بي بي-يوروكوبتر، وإيروسايتال، وبيل تيكسترون هيليكوبتر، وإيرباص إندستريس، وبوينغ، وبريتش إيروسبيس، وأخيراً جنرال داينماكس، وقد صدرت أكثر من 400 طائرة حتى الآن، وكان آخرها مما أنتجته وصممته كاملاً محليًّا طائرتي إن-250 وإن-2130.

أقسام المصنع ووحداته

The embedded asset does not exist:
Asset Type: Image_C
Asset Id: 1177156132099
PAGENAME: Zone-Arabic-Namah/Image_C/ImageBasic

في قسم التصنيع تُحوّل المواد الخام وتُقطع وتصب لأجزاء جاهزة لتصنيع الطائرات والهيليكوبترات والأسلحة تحت سقف واحد، وقد استخدم حتى الآن 180 ماكينة تفريز و60 ماكينة رقمية اللمس والاستخدام و63 ماكينة مربوطة الكترونيًّا بأجهزة الحاسوب، ولا يعرف ما إذا كانت  الشركة ستستمر في تصنيع صناعات ثانوية أم تستغني عنها للتركيز على أهم الصناعات فقط مستقبلاً، ولضمان الجودة في الصناعة خُصِّصَ لذلك قسم يراقب عملية الإنتاج من التصميم والصبِّ إلى التقطيع والتركيب، وإجراء اختبارات تجريبية للطائرات نظراً لحساسية طبيعة هذا النوع من الصناعات من أجل أعلى قدر من سلامة الركاب وللوصول بالإنتاج إلى مستوى الشركات الغربية.

وقد مرت الشركة بمراحل عدة كانت البحوث والتطوير ومستوى ونوعية الإنتاج مميزة لكل منها، ففي البداية كان الإنتاج متواضعًا عبر عقود جزئية لصناعة أجزاء من الطائرات مع الشركات الدولية، والترخيص لها بإنتاج طائرة إن-212 و3 طائرات مروحية وتسويقها محليًّا، ثم ركزت إبتن على امتلاك تقنيات متكاملة عبر عقود الشراكة مع كاسا، فصممت وأنتجت طائرة سي إن-235، وبعدها استقلت الشركة بعملها لتنتج أول طائرة إندونيسية محلية التصميم والصناعة وهي إن-250. وبعد النجاح الذي حققته في المرحلة الثالثة دخلت المرحلة الرابعة التي تهدف خلالها إلى اكتشاف واختراع تقنيات جديدة، وعدم الاكتفاء بتقليد ما سبقهم إليه الآخرون؛ ولذلك استهلت في تطوير كبرى طائراتها وهي إن-2130 النفاثة الثنائية المقاربة لسرعة الصوت، ومازال أمام مجلس إدارة الشركة الجديد العديد من إمكانات وفرص للتوسع في البحث العلمي.

ويُعَدُّ قسم تكنولوجيا المعلومات متقدماً أيضاً يعتمد فيه على أحدث أجهزة الحاسوب، ويخدم كذلك عملاء من البنوك وشركات الغاز والبترول والطيران المدني والمؤسسات الحكومية، وقد توسع هذا القسم ليضم اليوم 250 من خبراء التقنيات والفنيين يعملون في إدارة الإنتاج والتصميم والإشراف الحاسوبي على التصنيع.

وبعد بيع الطائرات يتعامل المشترون مع مركز الصيانة الدولي الذي يقوم بإصلاح المكائن وأجزاء الطائرة بترخيص من الإدارة العامة للنقل الجوي في الولايات المتحدة، وإدارة المواصلات الفليبينية وصناعي المكائن الأصلية (أو-إي-أم)، مثل: أليسون - غارات - جنرال إليكتريك- روز رايز - سولار توربيس - وغيرها، وقد خُفِّضَت خدمة الصيانة هذه من تكاليف الصيانة للطائرات الإندونيسية بدلاً من إرسالها إلى الخارج.

منتجات إبتن

يمكن أن تنتج مصانع إبتن الطائرات النفاثة والمروحية  (الهيلكوبتر) والأسلحة، أما الطائرات فأصغرها إن سي -221 و 220 التي تقلع وتهبط في مسافة قصيرة وربما مطار غير معبد، وتعمل بمحركين تربينيين في الظروف الصعبة مع جمال التصميم وأناقته وقلة استهلاكه للوقود ودرجة سلامة جيدة ونظام مُعقَّد يسهل الحفاظ عليها وصيانتها، ويمكن أن تنقل 24 راكباً أو أن تصمم لكبار الشخصيات وللتصوير، كما تنفع لنقل الجنود والإجلاء الصحي والعسكري ولعمليات التنقيب والإنقاذ أو للتعليم على الطيران.

وتليها طائرة سي إن 235 التي يمكن أن تصمم داخليًّا وخارجيًّا لثلاثة أغراض: للاستخدام العسكري، حيث تبلغ أقصى حمولة لها 16 ألف كيلو جرام، وتعمل حالياً ما بين سيول وجاكرتا وأبو ظبي، وقد استخدمت لحمل الجنود ولإنزال المظليين أو حمل ورمي البضائع بدون الهبوط وقد تُحوَّل لإسعاف عسكري.

وقد تستخدم في المراقبة البحرية لمراقبة الشواطئ والجزر بهدف ردع القراصنة البحريين والمهربين وحماية الصيادين والثروة البحرية ومراقبة الثروات الطبيعية والتلوث، كما يمكن أن تتحول إلى طائرة مراقبة برادارات متقدمة للتعرف على الصديق أو العدو. والاستخدام الثالث هو النقل المدني.

وثالث طائراتهم إن - 250 التي تُعَدُّ الحل الكامل للنقل الإقليمي بين دول متجاورة، حيث توفر للركاب سعة وراحة في السفر فيها، مع فاعلية استهلاكها للوقود، ويمكن أن تنقل 64 راكباً، وتقارب قوة محركها قوة محرك بوينغ 747، لكنها تطير أكثر هدوءاً وسرعة من أية طائرة من جيلها في العالم، حيث صنعت ببعض التقنيات في محركها وتصميمها المنفردة بها عن غيرها.

وأكبر الطائرات الإندونيسية الصنع هي إن-2130 التي صنعت لخدمة عدد يتراوح بين 114-132 سائحاً، وتم تصميمها بعد توزيع استبيانات على الركاب والشركات المشترية في إندونيسيا وأمريكا وآسيا وأستراليا وأوروبا لمعرفة أذواقهم في أسلوب التصميم الداخلي، وقد أسست الشركة مجموعة عمل شركات الطيران للعمل مع مهندسي وفنِّيِّي إن-2130 للخروج بمعايير هندسية يسير عليها المصنع في صناعته لهذا الطراز، وقد ضمت المجموعة أربع شركات طيران إندونيسية والطيران المدني الماليزي والسنغافوري ولوفتهانزا والاسترالي.

أما الهيليكوبترات فينتج المصنع 3 أنواع هي إن-بي-أو 105 وطراز إن-بي-إي-إل412 و إن-إي-إس 332، بالإضافة إلى إنتاج المصنع قاعدة إطلاق صواريخ وطوربيد يستخدم ضد أهداف سطحية وتحت الماء يمكن إرساله من أي سفينة أو مرفأ أو غواصة عن بعد.

المستقبل .. إلى أين؟!

مع المصاعب التي تواجه إندونيسيا في إبقاء المصنع، فإن الحكومة تحاول إعادة إحيائه بالرغم من عدم تركيز الرئيس الجديد عبدالرحمن وحيد على قضايا التصنيع حتى الآن وانشغاله بقضايا الإصلاح المالي والعواصف السياسية. ومن المقرر أن تغير الحكومة إدارة الشركة وأهدافها ويتوقع أن يعين مجلس إدارة جديد ويعلن عن خطة جديدة خلال شهر أبريل الجاري لتسويق منتجات المصنع كطائرة سي إن-235، وتحويل الشركة أعمالها إلى صناعة القطع وهندسة التصميم وتقنيات الكومبيوتر بعد انقطاع الدعم المالي المدفوع بتحقيق حلم صناعي آسيوي مسلم، فعلى الشركة اليوم ديناً قدره 4.2 تريليون روبية (580 مليون دولار) حسب الأرقام المعلنة حكوميًّا بعد أن كانت سراً. وتقول وكالة الصناعات الاستراتيجية -الشركة المساهمة التي تدير المصنع- إن الشركة خسرت 213 مليار روبية في عام 1999م؛ ولذلك لا أمل بدون مستثمرين للصناعة سواءً فيما صنعته سابقاً أو بتصاميم وأشكال جديدة، فطائرة إن-250 التي كان حبيبي يحاول تسويقها كلفت الحكومة 942 مليون دولار في التصميم والصناعة الأولى وما زالت تحتاج  66 مليونًا.

ويعتقد المراقبون أن شركة كهذه حطَّمتها البيروقراطية الفاسدة بعد ثلاثة عقود من البناء وتديرها الآن عقول ضيقة الأفق لن تنجح في أن تتحول بسهولة إلى لاعب في الأسواق العالمية، فالإدارة الحالية تضم من كان يقول نعم ويطبق ما يقوله المهندس حبيبي؛ ولذلك لا يتصفون بالإبداع الذي يحتاجونه لإنقاذ شركتهم.

واليوم وبعد أشهر من الأخذ والرد والمناقشات اقتنع الوزير الجديد لحقيبة الاستثمار وشركات الدولة أن السبب في عدم قدرة الشركة على الخروج من أزمتها هو عدم تركها لخططها الإدارية والإنتاجية القديمة، وقد أكد أحد مدراء الشركة الذي كان يعمل مهندساً في بوينغ في الولايات المتحدة أنه لا معنى لِأَنْ نسعى لحلم يخسرنا أموالاً طائلة؛ ولذلك لابد أن نغير هدفنا ونجعله كسب أرباح من منتجات أقل كلفة لتسديد الديون ثم تحقيق الأحلام الكبيرة.

ورغم الواقع الأليم فإنه لم يعلن حتى الآن عن خطة إصلاح وتغيير إدارة الشركة، مع أن موظفي الشركة طالبوا بحل الأمر في أقرب وقت بعد أن تضجروا من الحضور إلى الشركة والجلوس بدون عمل وحرق أوقاتهم بعد أن توقف الإنتاج. ولقد خفض عدد العاملين من 15.500 عامل إلى 10.000 ومن المخطط تسريح 4000 آخرين لتخفيض المصاريف، والأدهى من عدم وجود عمل هو فشل المدراء في تحويل الخطط كاملة إلى الواقع في ظل الوضع المتأزم ماليًّا..                ومثال طائرة إن-250 يوضح لنا ذلك فبعد صناعتها بمساعدة 400 مهندس أجنبي سحبت مصادقة سلطة الطيران الفيدرالي الأمريكي من المصنع التي بها يحق للطائرة التحليق في الأجواء الأمريكية، عندما جاء صندوق النقد الدولي ليمنع صرف 80 مليون دولار تكاليف طلب تلك المصادقة من جديد.

 لكن أقرب الآمال لإعادة التصنيع هي طائرة سي إن-235 التي صنعت بالتعاون مع شركة إس-سي-إي الإسبانية، حيث باعت منها الشركة 37 طائرة حتى الآن ومازال الطلب عليها مستمراً، وآخره من إحدى شركات الطيران الفليبينية بكلفة تتراوح بين 13-15 مليون دولار، وقد طلبت شركة من كوريا الجنوبية ثماني طائرات من نفس الطراز على أن تسلم لها في عام 2001م-2002م.

لن تنقذ هذه الصفقات الصغيرة الشركة، لكنها تعطينا مؤشراً على استراتيجية جديدة تهدف إلى جذب عملاء يبحثون عن طائرات أقل قيمة من الطائرات المصنوعة في الغرب، لكن تغيير الخطة بهذا الشكل خطر على إنتاجها للطائرات بعد أن كانت الدعاية الواسعة عنها مركزة على الأغراض العسكرية، ولكن الإنفاق العسكري الإندونيسي قد انخفض كثيراً؛ ولذلك أُسِّسَ قسم تسويقي جديد للبحث عن زبائن لمنتجات من غير الطائرات في البحوث الزراعية وقطع السيارات والمكائن وغير ذلك استجابة لرغبات العملاء، لكن ذلك قد يؤخر تحقيق حلم الإنتاج الصناعي الثقيل من جديد إلا بعد تدخل مستثمرين وشركاء استراتيجيين.

وقد أعلنت الحكومة في 21 فبراير 2000م عن عزمها تحويل ديون شركة إبتن إلى أسهم لمراعاة مصلحة البلد، ومن أجل إنقاذ الشركة جزئيًّا والتي تضم في مصانعها مكائن وأجهزة ومعدات معقدة استوردت بمبالغ طائلة يمكن الاستفادة منها في إنتاج طائرات أقل كلفة من إنتاج نفس الطائرات في دول أخرى، وهذا ما قد يميزها لو نجحت لرخص العمالة والمواد الخام.

كما أن احتضان الشركة للعديد من العقول والمهارات الإنسانية المتوقفة حالياً عامل قوة آخر يوفر للمستثمر الراغب في أن يمتلك مصنع طائرات استغرق 30 عاماً من البناء والتدريب لمهندسين وفنيين إندونيسيين وأجانب وأغلبهم من ذوي الخبرات الطويلة والمتوسطة في شركات طيران كبرى ومعروفة في أوروبا وأمريكا.. ولو تقدم المستثمرون الآن لشراء المصنع فإن الكلفة ستكون أرخص مما لو تأخرت المفاوضات حتى عام 2001م أو 2002م، حيث تحاول الحكومة تقوية الشركة قبل عرضها على المستثمرين، وعلى أساس ما تملك الشركة من قدرات صناعية وبشرية يمكن أن يكون لها مستقبل زاهر خاصة في إنتاج قطع الطائرات وبيعها للشركات الكبرى، لكن الإدارة الناجحة شرط لازم لحصول ذلك، فمن يا ترى من المستثمرين والمدراء سيعيد إحياء أعمال مصانع إبتن الإندونيسية..؟ وهل سيكون لأصحاب رؤوس الأموال العربية منها نصيب؟

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم