|
خلال الحقبة الاستعمارية كانت ماليزيا أو (مالايا) كما كانت تُسمى أكبر منتج للقصدير والمطاط في العالم، ولم يكن بماليزيا وقتها أي نشاط تصنيع، وكان لا بد من استيراد جميع البضائع المصنعة.
وبعد الاستقلال عام 1957م أصبحت مشكلة البطالة أكثر خطورة لكون صناعتي المطاط والقصدير غير قادرتين على توفير فرص عمل، إلا بأعداد محدودة للغاية؛ ولذلك كان السبيل الوحيد لخلق وظائف هو طرق باب التصنيع.
ولكن ماليزيا كانت تفتقر إلى خبرة التصنيع، ولا توجد بها تكنولوجيا ولا رأس مال، ولا إدارة ذات معرفة، ولا مهارات تسويق. وفي هذه الأيام كان على الدول الراغبة في اقتحام مجال التصنيع أن تعتمد على المقاولين المحليين الراغبين في أن يخاطروا برأس المال البسيط الذي يمتلكونه، وشراء أو سرقة التكنولوجيا، أو دفع حقوق الملكية المحظورة. ولم يكن هناك طريق أمام تلك الدول للإنتاج ولا المنافسة في السوق الدولي.
وكانت اليابان هي الدولة الوحيدة تقريبًا التي نجحت في التصنيع بمفردها، ولكن اليابان لديها مهارات محلية وطنية في الحرف المختلفة، وكانت على دراية بتصنيع المعادن ومعظم الدول - ومنها ماليزيا بالقطع - كانت تفتقر إلى تلك الخلفية، وإضافة إلى ذلك فقد ظل المستعمرون يعملون بإصرار لضمان اقتصار ماليزيا على إنتاج المواد الأولية. وبمرور الوقت تصورت الحكومة الماليزية أن إنتاج البضائع المصنعة يحتاج إلى نوع من المهارات غير العادية، بل وحتى بعض السحر، وهو ما كان يتخطى قدراتها.
ولكن - وبعد مرور فترة قصيرة من الاستقلال - أدركت الحكومة أنه إذا لم تستطع خلق فرص وظيفية لشعبها فسوف تواجه مشكلات اجتماعية وسياسية شديدة الخطورة، بل ستصبح ماليزيا أكثر فقرًا مما كانت عليه تحت حكم الاستعمار.
وكانت القدرات الصناعية المحدودة التي استطاعت الحكومة التوصل إليها بمفردها متمثلة في إنتاج البدائل للسلع المستوردة، ولكن ما تَمَّ إنتاجه وقتها بواسطة المصانع البدائية كان في مرتبة متدنية مقارنة بالمنتجات المستوردة، وبالتالي يتكلف أكثر من نظيره المستورد؛ لذلك كان على الحكومة فرض رسوم باهظة على الواردات لحماية المنتجات المحلية. وقد أدى ذلك إلى حرمان الشعب من البضائع المصنعة التي كان يحتاجها بشدة؛ لتحسين أوضاعه المعيشية واستحال رفع الأجور والدخول، كما استحال على السوق المحلي استيعاب المنتجات المحلية بكميات كافية، ولم يكن هناك سبيل آخر للخروج من هذا المأزِق.
- المؤشرات الرئيسية للاقتصاد الماليزي(1999م) -
| - عدد السكان: |
21 مليون نسمة |
| - العملة المحلية: |
ريجنت |
| - الدولار = |
3.8 ريجنت |
| - معدل النمو المتوقع (2000م): |
يتراوح بين 6.1 - 8.5% |
| - معدل التضخم: |
أقل من 3% |
| - معدل البطالة: |
9.2% |
| - قيمة الصادرات: |
84.5 مليار دولار "2%من الصادرات العالمية" |
| - قيمة الواردات: |
65.5 مليار دولار "1,1% من الواردات العالمية" |
| - نسبة الزيادة في نمو الصادرات: |
15% |
| - الفائض في الميزان التجاري: |
19 مليار دولار |
المصدر "وكالة التصنيف والبنك المركزي الماليزي"
إرادة التغير ودوافعه
كان الواقع يشير إلى أن ماليزيا كان قدرها أن تظل منتجة للسلع الطبيعية، وأن تظل متخلفة وفقيرة، ولكنها قررت أن تغير معتقداتها، وأن تدعو الأجانب إلى استخدام ماليزيا كقاعدة صناعية لمنتجاتهم ولصالح السوق العالمي، ومع ذلك لم تكن واثقة من استطاعة عمالها استيعاب المهارات الخاصة بالتصنيع وإتقانها.
وفي ذلك الوقت كان اليابانيون ينتجون ويُسَوِّقون بضائع أكثر تفوقًا، وأرخص سعرًا لأسواق العالم، ولم يستطع الأوروبيون بسبب عمالتهم الباهظة التكلفة ولغيرها من الأسباب منافسة اليابانيين في هذا الشأن. ولكي يتسنى للأوروبيين تقليل تكلفة منتجاتهم كان لزامًا عليهم الانتقال إلى الدول ذات العمالة الرخيصة؛ ولذلك سعت ماليزيا إلى تقديم قاعدة التصنيع ذات العمالة الرخيصة وهو ما جرى قبوله على مضض.
آليات التغيير وأدواته
ولجعل التصنيع في ماليزيا أكثر جاذبية منحت الحكومة فترة إعفاء ضريبي مقدارها عشر سنوات للمشروعات الصناعية، وخلال هذه الفترة لا تتحمل المؤسسات الصناعية أي ضرائب ولا تفرض أي رسوم على المنتجات التي يتم تصديرها إلى الأسواق الأجنبية، وقد سعت الحكومة إلى تقليل المعوقات البيروقراطية والمجاملات غير القانونية من أي نوع، وكلها جرى التعامل معها بصورة حاسمة.
وقد مكنت العمالة الماليزية المنضبطة رؤوس الأموال الأوروبية الهاربة من بلدانها بسبب ارتفاع تكاليف العمالة، من أن تقلل تكلفة منتجاتها وتجعلها أكثر قدرة تنافسية. وسرعان ما ازداد حجم الاستثمارات في ماليزيا وزادت الصادرات الماليزية من البضائع المصنعة من المطاط والقصدير، بل وحتى البترول، كما أن التحول الهائل الذي حدث اليوم هو أن 80% من صادرات ماليزيا تشتمل على بضائع إلكترونية فائقة الجودة وأخرى كهربية.
وفي البداية شجعت ماليزيا الصناعات كثيفة العمالة سعيًا وراء تقليل البطالة، وكانت هذه السياسة ناجحة للحد الذي يوجد فيه اليوم بمصانعها حوالي مليوني عامل أجنبي، وعدد كبير من هؤلاء يعمل في شركات التصنيع الأجنبية الجنسية العاملة في ماليزيا.
ولكن الفوائد التي عادت على ماليزيا تتخطى ذلك بكثير؛ إذ استطاع الماليزيون اكتساب المهارات في التصنيع وفي إدارة منشآت التصنيع المعقدة وفي النظم وفي التسويق، وسرعان ما بدأت الشركات المحلية في إنتاج مكونات هامة، بل أخيرًا استكمال المنتجات ذات التصميمات الماليزية والماركات. وهذه النقلة الجبارة لا تقتصر على الصناعات التي جرى إدخالها بواسطة المستثمرين الأجانب؛ إذ بدأ الماليزيون في اقتحام العديد من الصناعات الجديدة؛ حيث شعر المقاولون الماليزيون من أصحاب رؤوس الأموال بالحاجة إلى دخول عالم منتجات الجودة التي يجري تسويقها في العالم بأسره، وقلة معدودة فقط هي التي ما زالت متشكلة في المهارات الماليزية أو جودة المنتجات الماليزية.
وتلعب الحكومة دورًا شديد الأهمية في عملية التصنيع الماليزية؛ إذ جرى اجتذاب أصحاب التصميمات الصناعية المتفوقة كي يعطوا توجيهاتهم للمسار الذي ستسلكه عملية التصنيع، وكان هناك استهداف وتركيز على صناعات معينة، وهي التي يجري منحها حوافز ومساعدات خاصة. وقد تم إنشاء صناديق لدعم الصناعات، وجرى حث البنوك على تقديم الدعم لصناعات معينة أثناء تنفيذ كل خطة تصنيع معينة.
وجرى إرسال فرق التسويق بواسطة الحكومة، وتزعم هذه الفرق وزير التجارة الدولية والصناعة لإقناع أصحاب الصناعات الأجانب بالاستثمار في ماليزيا. وقام أصحاب رؤوس الأموال الماليزية بالاتصال المباشر مع الشركاء الأجانب أثناء هذه الرحلات الترويحية ؛ ونتيجة لذلك فقد أصبح لدينا مشروعات عديدة للاستثمار المشترك.
وللوصول إلى صناعات تصدر بنسبة 100%، تسمح الحكومة لمثل هذه الصناعات بملكية أجنبية مقدارها 100%، ولو تقرر لمنتجات هذه الشركات أن تُباع في السوق المحلية فإنها تخضع لسداد رسم الاستيراد العادي. وفي المقابل يجب أن يحصل الماليزيون على حصتهم في مثل هذه الشركات الموجهة للسوق المحلي من ناحية الملكية.
والحكومة الماليزية تتبع شعارًا شديد الصداقة للأعمال، وهي تمارس مفهوم "ماليزيا شركة واحدة"، الذي في ظله يتعين على الموظفين الحكوميين بماليزيا والقادة السياسيين أن يقدموا أقصى درجة من المعاونة للقطاع الخاص، ونحن نعترف بأن القطاع الخاص سواء المحلي أم الأجنبي يسهم في التنمية الاقتصادية بماليزيا. وإضافة إلى قيام العديد من أنشطة القطاع الخاص بسداد ضرائب ممارسة نشاطهم وغيره من الضرائب، فإن القطاع كلما حقق المزيد من الأرباح زاد الريع الحكومي من الضرائب، وبطبيعة الحال فإن موظفي الحكومة يحصلون على رواتبهم من هذه الضرائب. وفي الحقيقة فإن التنمية التي تقوم بها الحكومة لصالح الأفراد إنما مصدرها هذه الضرائب؛ لذلك فإن الضرائب التي تحصل عليها الحكومة تساعدها على معاونة باقي الشركات في تحقيق أرباح.
ونتيجة لشعار "الصداقة مع الأعمال" تغير موقف الحكومة حيال الأعمال للحَدِّ الذي جعل الدولة الآن قادرة على اجتذاب العديد من الاستثمارات سواء المحلية أو الأجنبية، ويسهم ذلك بالطبع في عملية التصنيع وزيادة الناتج القومي.
التنمية التكنولوجية والبنية التحتية
التصنيع عملية ديناميكية ولا يمكن أن تتسم بالجمود، فالتقنيات والمنتجات تتغير بسرعة كبيرة، بل إن بعض المنتجات لها دورة حياة على أرفف المتاجر لا تزيد عن بضعة أشهر. وبين الحين والحين تظهر تكنولوجيات جديدة تؤدي إلى إحداث تغيير جذري في الصناعات كلها، فظهور الترانزيستور وأقراص الميكرو أدى إلى تغير طرق الصناعة كلية بحيث أصبح ممكنًا الاستعانة بالروبوت والتصنيع الآلي، ومثل هذه التغييرات تجعل من الحتمي اكتساب المهارات الجديدة بواسطة العمال والمهندسين على السواء.
وقد أدت تكنولوجيا المعلومات إلى إحداث تغير كامل في المنتجات وطرق الإنتاج، وبدلاً من استخدام العمالة اليدوية الماهرة أصبحت ماليزيا بحاجة إلى عمالة مسلحة بالمعرفة؛
لذا قررت ماليزيا احتضان تكنولوجيا المعلومات؛ لاستحالة حصول عمالها على أجور عالية من الصناعات القديمة، إضافة إلى أنه لم يَعُد لديها أعداد كافية من العمالة المحلية، الأمر الذي استوجب اعتمادها على أعداد كبيرة من العمال الأجانب ( نحو مليوني عامل).
وقد قامت الحكومة بإنشاء مَمَرِّ الوسائط المتعددة، وهو عبارة عن منطقة بمساحة 15كم × 50كم، تتضمن مدن كوالالمبور وهي العاصمة الإدارية الجديدة وبورتاجايا "مدينة السيبرانية الجديدة" ومطار كوالالمبور الدولي، وداخل نطاق ممر الوسائط هذا قامت قوانين سيبرانية جديدة وسياسات وممارسات مختلفة. وتم توفير بنية تحتية شديدة الحداثة إضافة إلى وسائل اتصالات على أعلى مستوى ممكن بجانب توفير حوافز للشركات العالمية العاملة في مجال تكنولوجيا المعلومات والوسائط المتعددة؛ لكي يتسنى لهم إقامة أنشطة الأبحاث والتنمية داخل ماليزيا، الأمر الذي أدى إلى تدفق استثمارات هائلة لممر الوسائط. كذلك وطنت الشركات الوطنية المتخصصة في التكنولوجيا نفسها في هذه المنطقة، وقد أدى هذا التداخل بين الشركات المحلية والأجنبية بتلك المنطقة إلى استيعاب الكثير من المعرفة والتكنولوجيا، الأمر الذي أدى إلى النهوض بالقدرة الصناعية الماليزية في مجال تكنولوجيا المعلومات.
وقامت الدولة أيضًا بإنشاء جامعة الوسائط المتعددة؛ لتدريب العمال أصحاب المعرفة والمطلوبين لمؤسسات تكنولوجيا المعلومات العاملة في هذه المنطقة. وقد جرى قبول أعداد كبيرة من الطلاب الأجانب في هذه الجامعة، ويحصل الخرِّيجون على وظائف ذات أجور عالية في أي مكان؛ لأن الطلب على هذه النوعية من عمالة المعرفة سوف يتزايد باستمرار.
ماليزيا أمامها الكثير على طريق التصنيع الكامل
بفضل ممر الوسائط المتعددة أصبحت ماليزيا جاهزة لمواجهة تحديات عصر تكنولوجيا المعلومات، وما زالت ماليزيا أمامها الكثير لتصل إلى مرحلة التصنيع الكامل، رغم أنها لم تَعُدْ تعتمد على المنتجات الزراعية ولا التعدين، فما زالت دولة نامية، ومع تيار العولمة، فإن الخطر ماثل من أن تفقد السيطرة على توجيه مسار برنامج التصنيع الذي بدأته.
وقد استطاعت ماليزيا أن تتعافى من الهزة المالية التي كان وراءها أيدٍ أجنبية عابثة، وهي الآن في منتهى اليقظة لهذه الألاعيب الاقتصادية، واتسعت خبرتها الصناعية إلى حد كبير. ويمكنني أن أقول: إننا نجحنا في تنفيذ خطة التصنيع، ولكن لا أستطيع الجزم إن كانت الهجمة القادمة مستقبلاً ستتمكن من تحطيمنا أم لا ؟
باحث اقتصادي
|