English

 

السبت. يناير. 27, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

تركيا.. الغرق في دوامة الصندوق!

عبد الكريم حمودي

Image

تحت ذريعة مكافحة التضخم المزمن الذي يلازم الاقتصاد التركي منذ أمد بعيد ـ والذي يقترب من 100% كل عام ـ تسلل صندوق النقد الدولي ببرامجه ووصفاته إلى داخل بنيان الاقتصاد التركي الذي يعاني في الأساس من مجموعة من الأزمات والمشكلات، وذلك في خريف عام 1997، بعد إسقاط حكومة نجم الدين أربكان التي حققت نجاحات اقتصادية متميزة، فقد وافقت حكومة مسعود يلماظ "زعيم حزب الوطن الأم" في تشرين الثاني/نوفمبر من نفس العام على شروط صندوق النقد الدولي لإصلاح الاقتصاد ومكافحة التضخم.

اتفاق مكافحة التضخم مع الصندوق

وقَّع الاتفاق مع الصندوق في ذلك الوقت وزير الاقتصاد في حكومة يلماظ "جونيش تانر" حيث أكد بعد الاتفاق "أن الحكومة التركية اتفقت مع صندوق النقد الدولي على برنامج صدمة لمكافحة التضخم". ونص الاتفاق كما نشرته صحيفة "العرب اليوم" الأردنية في 1997/12/11 مترجماً عن صحيفة الفاينانشيال تايمز البريطانية على أن تقوم الحكومة التركية بتجميد الأسعار بين شهري كانون الثاني/يناير وأيار/مايو من عام 1998، وأن تفرض على القطاع الخاص تخفيض الزيادات في الأسعار التي يخططون لها بنسبة النصف، كما يجب عليها تنظيم قيم الدعم الزراعي في بداية عام 1998 بحيث لا يتم رفعها خلال العام، وأن تقوم الحكومة بخصخصة العديد من المؤسسات والشركات، وأن توظف عائدات الخصخصة البالغة 5 مليارات دولار على زيادة كمية الأموال الخاصة لدعم البرنامج، كما يجب على الحكومة أن تعمل على إصلاح نظام الضمان الاجتماعي الذي يعاني من العجز، واتخاذ الإجراءات الصارمة ضد المتهربين من دفع الضرائب، على أن يبدأ تطبيق البرنامج من بداية العام 1998 .

ولم تمضِ فترة طويلة على بدء تطبيق البرنامج بشروطه القاسية حتى بدأت الانعكاسات السلبية تظهر على الاقتصاد وعلى مستوى معيشة السكان الذين خرجوا أكثر من مرة إلى الشوارع في تظاهرات غاضبة معلنين سخطهم على برامج الصندوق ووصفاته، وعلى الرغم من تعثر الحكومة في الوفاء بجميع شروط صندوق النقد الدولي؛ فإن ذلك لم يمنع البنك من المضي قدماً في تنفيذ الاتفاق مع الحكومة مغلفاً ذلك بدواعٍ إنسانية مرة بسبب كارثة الزلزال التي ضربت تركيا في آب/أغسطس عام 1999، والتي بلغت الخسائر المباشرة لها نحو 7 مليارات دولار، ومرة أخرى برغبته في إنقاذ الاقتصاد التركي من شبح التضخم الرهيب ووضع الاقتصاد على طريق النمو المستدام؛ لذلك فقد وافق الصندوق في 23 كانون الأول/ديسمبر من عام 1999 على منح تركيا قرضاً تحت الطلب "ستاندباي" بقيمة 3.7 مليارات دولار على مدار ثلاث سنوات لحل مشكلة التضخم وتخفيض نسبتها إلى أرقام فردية بحلول العام 2002.

انكماش الاقتصاد التركي

ومع مرور الوقت ومقابل هدف مكافحة التضخم بدأت مشاكل الاقتصاد التركي الأخرى بالتضخم فقد تراجع معدل نمو الناتج الإجمالي المحلي عام 1998 بمقدار 2.8%، وفي عام 1999 تراجعت نسبة النمو بمعدل 6.1% مقارنة مع عام 1998. وارتفعت قيمة الديون الخارجية إلى أكثر من 100 مليار دولار، كما ارتفع العجز في ميزان المعاملات الجارية عام 1999 إلى 1.37 مليار دولار، فيما ارتفع العجز في الميزان التجاري بمعدلات قياسية، فعلى سبيل المثال أظهرت الإحصاءات الرسمية الأخيرة التي نشرتها صحيفة الرأي الأردنية في 9 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي أن العجز في الميزان التجاري التركي ارتفع في الأشهر الثمانية الأولى من عام 2000 بنسبة 106.9%، وذلك من 8.226 مليارات دولار إلى 17.023 مليار دولار. ولا بد من الإشارة هنا إلى أن العجز في الميزان التجاري بلغ عام 1999 نحو 21 مليار دولار مقابل 18.9 مليار دولار عام 1998.

وهنا لا بد من الإشارة إلى أن مشكلة التضخم ليست جديدة على الاقتصاد التركي؛ حيث يعود السبب الرئيس للتضخم في تركيا إلى تراكم العجز في الميزانيات في عهود الحكومات السابقة وفساد متراكم في الجهاز المصرفي ومضاربات مستمرة على الليرة، فقبل 40 عاماً كانت قيمة الدولار الأمريكي تعادل 9 ليرات تركية، ثم وصلت في نهاية عام 1997 إلى 200 ألف ليرة تركية للدولار، وبلغت في حزيران/يونيو الماضي 613 ألف ليرة للدولار الواحد وهكذا.. لكنها لم تسبب انهياراً اقتصادياً أو أزمات ضخمة كما زعم صندوق النقد الدولي، فقد عانت دول أخرى من التضخم وتخفيض العملات لمثل الفترة التي مرت بها تركيا.

الصندوق يفتعل أزمة السيولة

لقد بدأ صندوق النقد الدولي تطبيق برنامجه لخفض التضخم فنجح في عام 1999 في خفض التضخم إلى نحو 60% أما التضخم الذي كان مستهدفاً تحقيقه في عام 2000 فكان يجب أن يتراوح ما بين 20 إلى 25% ليصل التضخم في عام 2001 إلى نحو 10% فقط، لكن هذا لم يتحقق وبقي التضخم قريباً من 44% كما جاء في تقرير لوكالة رويترز وزعته في 16 كانون الأول/ديسمبر الماضي نقلاً صحيفة إنترناشينال هيرالد تربيون، بل على العكس فقد نقلت الوكالة عن المعهد الحكومي للإحصاءات بأن الأسعار الاستهلاكية ارتفعت نسبة التضخم فيها بمقدار 3.7% في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي كما ارتفعت أسعار الجملة بنسبة 2.4% في تشرين الثاني عنها في تشرين الأول، وأمام هذا الفشل في خفض معدل التضخم شدد الصندوق من ضغوطه على الحكومة لإصلاح الجهاز المصرفي وتصفية البنوك الخاسرة كشرط للإفراج عن شريحة جديدة من القرض المتفق عليه، وعندئذ طلب البنك المركزي التركي من المصارف خفض مستوى استدانتها بالعملات الأجنبية مقارنة بأصولها؛ مما أدى إلى طلب كبير على الليرة التركية، وأضيفت إلى طلب البنك المركزي مشكلة مصرف دميربنك الكبير الذي يعاني من نقص السيولة لإقفال حساباته، بالإضافة إلى قضايا الفساد الكبير التي كشفتها التحقيقات التي كانت تجريها الحكومة في الجهاز المصرفي، وظهر فيها أن أبطال الفساد ومؤيديه يعملون في مؤسسات إعلامية عملاقة ويضمون خليطاً من رجال العصابات وبعض الزعماء السياسيين والمتنفذين… الخ؛ لتبلغ الأزمة ذروتها في 21 تشرين الثاني/نوفمبر الماضي حيث عمت موجة من الذعر الأسواق، وبلغت أسعار الفائدة في السوق النقدية على ودائع ليلة واحدة 250% وعائد السندات المستحقة في 20 من حزيران عام 2001 نسبة 51%، وباع صغار المستثمرين أسهمهم، فيما عمدت المصارف الأجنبية الكبرى القلقة إلى سحب أرصدتها قبل الأوان لإقفال حساباتها إلى نهاية السنة، هذه التطورات أحدثت إضراباً كبيراً في الأسواق دفعت الناس إلى الإقبال على شراء الدولارات بكثافة، وهو ما أدى إلى أزمة السيولة الأخيرة التي عصفت بالاقتصاد التركي.

خسائر الاقتصاد من أزمة السيولة

أسفرت أزمة السيولة التي لم تكن متوقعة عن مجموعة من الخسائر والأضرار كان الاقتصاد والشعب التركي بغنى عنها ومن هذه الخسائر:

أ – هروب المليارات إلى الخارج: لم تنجح الحكومات التركية المتعاقبة في جذب استثمارات خارجية ذات قيمة اقتصادية لتركيا نتيجة حالة عدم الاستقرار السياسي التي تعيشها البلاد بسبب سيطرة العسكر على مقاليد السلطة، بل على العكس تماماً كانت طاردة لرؤوس الأموال المحلية، فعلى سبيل المثال واستناداً إلى تقرير الأمم المتحدة للتجارة والتنمية الأونكتاد فإن قيمة رؤوس الأموال الأجنبية التي دخلت الاقتصاد التركي عام 1998 لم تتجاوز مبلغ الـ 600 مليون دولار فيما بلغت قيمة رؤوس الأموال التي خرجت من تركيا في نفس العام نحو 7 مليارات دولار. أما خلال الأزمة الأخيرة فنقلت صحيفة الشرق الأوسط في 8 كانون الأول/ديسمبر عن جونيت سيل رئيس مجلس إدارة اقتصاد بنك قوله: إن مليارات الدولارات من الاستثمارات قد خرجت ويمكن أن تعود مع بداية العام الجاري، فيما نقلت صحيفة الحياة اللندنية في تقرير لها بتاريخ 1/12/2000 عن مصدر مصرفي تركي قوله: "إن 4 مليارات دولار خرجت من تركيا خلال أيام قليلة".

ب - انخفاض احتياطات البلاد من العملات الأجنبية: تقول مصادر مصرفية تركية إن ودائع البنك المركزي التركي من العملات الأجنبية انخفضت بمقدار سبعة مليارات دولار بعد عشرة أيام من تفجر أزمة السيولة، منها ما يقارب من خمسة مليارات دولار ضخها البنك في السوق، فاستناداً إلى تقرير نشرته صحيفة القدس العربي في 8 كانون الأول/ديسمبر فقد كانت قيمة الاحتياطات في السابع عشر من تشرين الثاني/ نوفمبر 24.433 مليار دولار، انخفضت إلى 18.942 مليار دولار بحلول الأول من كانون الأول/ديسمبر الماضي أي أن مقدار الانخفاض بلغ 5.491 مليارات دولار. وقال مصدر مصرفي: إنه خلال 10 أيام فقط ضخ البنك المركزي مبلغ 4.5 مليارات دولار في الأسواق لمواجهة أزمة نقص السيولة.

ومن الجدير بالذكر هنا أن احتياطات البنك المركزي بلغت في نهاية عام 1999 نحو 23.177 مليار دولار، واحتياطاته من الذهب 1.011 مليار دولار، مقارنة مع 19.718 مليار دولار و1.125 مليار دولار على التوالي في نهاية عام 1998.

ج – اقتراض أكثر من 10 مليارات دولار: دفعت أزمة السيولة الحكومة التركية إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي وغيره من المؤسسات المالية الدولية للحصول على المزيد من القروض لمواجهة الآثار السلبية لأزمة السيولة، فقد وقعت في السادس من كانون الأول/ديسمبر مع صندوق النقد الدولي على برنامج إنقاذ بقيمة إجمالية تصل إلى 10 مليارات دولار لإنعاش احتياطات البنك المركزي التي استنزفتها خسائر أزمة السيولة التي تقدرها المصارف بنحو 7 مليارات دولار، والتي دفعت بالسلطات التركية إلى وضع أحد عشر مصرفاً تحت الحراسة، كما تسعى الحكومة التركية للحصول على قرض قصير الأجل بقيمة مليار دولار من بنوك دولية متعددة.

وقالت صحيفة الحياة في 7 كانون الأول/ديسمبر: إن برنامج المساعدة يشمل 7.5 مليارات دولار بموجب خطة القروض قصيرة الأمد والعاجلة التي يعتمدها الصندوق لمساعدة الدول في الحالات الطارئة ومبلغ 2.9 مليار دولار لإتمام برنامج خفض التضخم بموجب ترتيب تم الاتفاق عليه، فيما قال مسؤول في الصندوق: إن قروضه تستهدف دعم برنامج تركيا الاقتصادي المعلن لإنعاش الاقتصاد ومكافحة التضخم.

د - خسائر البنوك التركية: تؤكد المصادر التركية أن قيمة الخسائر التي منيت بها البنوك تحت التصفية العام الماضي 2000 تبلغ نحو 7 مليارات دولار، مع الإشارة هنا إلى أن قيمة خسائر البنوك السبعة من أصل ثمانية بنوك وضعت تحت تصرف الصندوق عام 1999 قد بلغت نحو 4.7 مليارات دولار.

قروض الصندوق الجديدة تمت مقابل حزمة جديدة من الشروط على الحكومة التركية البدء بتنفيذها مباشرة، وهو ما تم بالفعل، ولعل أهمها ما يتعلق بتسريع عمليات خصخصة الشركات التركية الكبرى، فقد طرحت الحكومة في 13 كانون الأول/ديسمبر الماضي للبيع 51% من أسهم الخطوط الجوية التركية، وفي اليوم التالي أعلنت عن بيع 33.5% من شركة الاتصالات"ترك تيليكوم" التي كانت تحتكر خطوت التلفونات الأرضية لمستثمر أجنبي إستراتيجي، وأوضح إعلان رسمي نشر في الجريدة الرسمية أن المستثمر الأجنبي الإستراتيجي الذي سيقع عليه الاختيار سيتولى السيطرة على إدارة الشركة بعد تخصيصها على الرغم من أن الحصة المعروضة للبيع ليست حصة غالبية.

ما يمكن قوله في ختام هذه الاستعراض الموجز: إن قضية التضخم التي تعهد صندوق النقد الدولي بحلها لم تتحقق بالشكل المستهدف، وفي المقابل كلفت الاقتصاد التركي خسائر فادحة تزيد عن عشرين مليار دولار حتى الآن، منها 14 مليارا مجموع القروض التي قدمها أو التزم بها لتركيا، بالإضافة إلى أكثر من 6 مليارات خسائر تركيا من فساد الجهاز المصرفي علاوة على هروب عدة مليارات من البلاد مع ربط الاقتصاد التركي ـ وبصورة صعبة الانفكاك ـ بصندوق النقد الدولي الذي كانت نتائجه كارثية على العديد من الاقتصاديات العالمية، وإذا ما أضفنا تداعيات هذه الأزمة إلى المشاكل والأزمات التي يعاني منها الاقتصاد التركي ومنه أزمة المديونية الخارجية التي بلغت حسب البيانات الرسمية نحو 107 مليارات دولار بنهاية أيلول/ سبتمبر الماضي فيما تقدر الديون الداخلية بنحو 56 مليار دولار، يضاف إلى ذلك أزمة البطالة والفقر؛ حيث إن هناك أكثر من 13 مليون تركي يعيشون تحت خط الفقر، كما جاء في تقرير لمنظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (الفاو)، ونشرت ملخصاً عنه صحيفة الزمان اللندنية في8 تموز/يوليو الماضي، أمام كل هذه الحقائق والأرقام ندرك أن صندوق النقد الدولي ساهم بشكل فعال في تسريع تدهور الاقتصادي التركي وربطه بسياساته وبرامجه إلى أمد بعيد.


  باحث اقتصادي

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم