|
تواجه سوريا تحديات عديدة داخلية وخارجية في وقت ما زال اقتصادها يدور في حلقة مفرغة، رغم كل الجهود التي تبذل لتحسين أداء هذا الاقتصاد الذي ما زال يرزح تحت وطأة قوانين قديمة لا تتناسب وتطورات العصر، ويعاني من البيروقراطية والفساد المالي والإداري المزمن مع غياب كامل للشفافية وللسياسات الفاعلة مع ضبابية الرؤية حول عملية الانتقال من القرار المركزي إلى قرار اقتصاد السوق.
وبالرغم من الجهود التي يبذلها الرئيس السوري بشار الأسد الذي استهل حكمه قبل أكثر من 3 سنوات بوعود بالإصلاح السياسي والاقتصادي، فإن السوريين يشعرون بأياد خفية ما زالت تشد الاقتصاد السوري وعملية إصلاحه إلى الوراء في ظل تحديات خارجية كان في مقدمتها قانون محاسبة سوريا وتنفيذ العقوبات الاقتصادية والمالية عليها، في وقت ما زالت مسألة الشراكة السورية الأوربية تراوح مكانها في محاولة دولية لجعل سوريا تدفع ثمنا كبيرا مقابل هذه الاتفاقية.
ولعل من أهم التحديات الخطيرة التي تواجه البلاد مشكلة البطالة التي تزداد تفاقما في غياب إستراتيجية واضحة تعتمد على الإحصاء الدقيق والمعالجة. وقد أظهرت الدراسات الأخيرة أن معدل البطالة في سوريا بلغ 11.7% عام 2003 بزيادة تقارب 2.2 نقطة عن معدلها عام 1999، وقد زادت بمعدل وسطي خلال السنوات الثلاث الماضية بلغ 7.19%، وهذا يعني أن البطالة تنمو منذ العقد الماضي بمعدل شبه ثابت؛ ما يشير إلى التقاعس عن عملية مواجهتها وغياب الحلول المخففة.
وكانت الحكومة السورية قد شعرت بخطر مسألة البطالة وانعكاساتها الاجتماعية وأقرت قانونا وطنيا لمكافحة البطالة من المفترض أن يؤمن فرص عمل لنحو 440 ألف شخص خلال 5 سنوات، إلا أن هذا البرنامج لم يحقق إلا القليل في أجواء فشل فرص إنقاذ الاقتصاد السوري حتى الآن والتي تبدو صعبة في أجواء تتعرض فيها سوريا والمنطقة إلى ضغوط قد تدفع بهزات سياسية وأمنية ناتجة عن خطط الولايات المتحدة بما تسميه محاربة الإرهاب.
ويعتبر الريف السوري هو أكثر القطاعات معاناة من أزمة البطالة التي وصلت نسبة المعطلين فيه عن العمل إلى 61% من إجمالي العدد العام، كما تتركز البطالة في أوساط الشباب بين سن 15 و24 سنة وتبلغ حوالي 91% من إجمالي المعطلين، حيث يشكلون النسبة الكبرى في حين تشكل النساء المعطلات عن العمل نسبة 41% من عدد الشباب.
تحتاج لـ5 مليارات سنويا
ويقول الدكتور الأكاديمي السوري الوزير السابق مطانيوس حبيب الذي شغل لسنوات طويلة منصب وزير النفط لـ"إسلام أون لاين.نت": إن سوريا بحاجة إلى استثمار 5 مليارات دولار أمريكي سنويا لتوفير فرص عمل للوافدين الجدد إلى سوق العمل، في حين يحتاج الاقتصاد السوري إلى 40 مليار دولار لتحديثه، ولا بد من إيجاد مصادر تمويل استثمارية لا تقل عن 12 مليار دولار سنويا للسنوات العشر القادمة لتحويل البطالة المقنعة إلى عمالة منتجة.
ودعا الدكتور حبيب إلى الإسراع في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية من خلال تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي وسياسي شامل لمواجهة ظاهرة البطالة التي بدأت تأخذ منحى متصاعدا، خاصة أنها تتركز على فئة الشباب الذي يشكل أكثر من النصف لعدد سكان سوريا التي تعتبر بلدا فتيا.
ويلاحظ المراقبون الاقتصاديون هنا أن معدل النمو السكاني العالي أكبر من معدل النمو الاقتصادي، وهو ظاهرة في الاقتصاد السوري تجعله غير قادر على استيعاب المزيد من قوة العمل، كما أن الركود الاقتصادي المسيطر منذ سنوات على البلاد يعتبر المسئول الأول عن البطالة، حيث هناك قوة بشرية وقوة عمل لم يقابلها توسع في حجم الاقتصاد.
وفيما يعترف المسئولون الاقتصاديون بأن عدد المعطلين عن العمل بلغ بين 800 ألف ومليون و300 ألف شخص لبلد عدد سكانه حوالي 18 مليون نسمة، يقول الدكتور حبيب: إن هذا العدد يشكل فقط البطالة الظاهرة إنما عدد المعطلين عن العمل يصل إلى أكثر من 3 ملايين سوري؛ وهو ما يشكل 54% من قوة العمل في البلاد. هذا إضافة إلى ما تسمى بالبطالة المقنعة خاصة في الزراعة والقطاع غير المنظم، وهي النتيجة الخطيرة التي تقول إن أكثر من نصف الموارد البشرية المتاحة في الاقتصاد السوري معطلة عن العمل. وهو ما يعتبره الدكتور حبيب أنه يشكل السبب الأساسي في تدني متوسط إنتاجية العمل في سوريا قياسا بدول عربية متوسطة الدخل كتونس ومصر ولبنان والأردن وتأتي سوريا في عام 2000 في الدرجة الخامسة.
ويقدر الدكتور مطانيوس حبيب الذي ما زال يعمل أستاذا في جامعة دمشق خسارة الاقتصاد السوري سنويا بسبب البطالة بحوالي 11 مليار دولار أمريكي سنويا، حيث يقدر متوسط تكلفة فرصة العمل الواحدة في سوريا بأكثر من 20 ألف دولار أمريكي، وهذا ما يحتاج إلى 5 مليارات دولار سنويا.
وتركز سوريا حاليا على عمليات الاستثمار واستدراجها بهدف رفع معدلات النمو الاقتصادي وتوفير مصادر التمويل لخطة التنمية الخمسية حتى عام 2005 والمقدرة بتكاليف إجمالية بنحو 25 مليار دولار أمريكي، حيث فتحت أبوابها باتجاه تركيا وأسبانيا والصين وأوربا لجلب مزيد من فرص الاستثمار، بالإضافة إلى السعي لعودة الأموال السورية في الخارج والتي تقدر فيما بين 70 و80 مليار دولار. كما بدأت سوريا تركز على عملية السياحة كبديل للنفط للسنوات القادمة.
صحفية سورية.
|