English

 

الأربعاء. مارس. 14, 2001

نماء » قضايا اقتصادية » اقتصاديات عربية عامة

 
   
روابط من إسلام أون لاين

تركيا في فخ الفساد!!

Image

يقول"أوزديم سانبرك" رئيس المؤسسة التركية للدراسات الاقتصادية تعليقاً على الأزمة الاقتصادية فى تركيا: "هناك سلسلة من الأزمات المنتشرة، والتي سيتسع انتشارها؛ لأن الأسباب التى تقف خلفها أكثر عمقاً، وتتطلب إصلاح هيكل الاقتصاد ذاته"، تلك الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمعالم الاقتصاد، وتركت الليرة في حالة انهيار، وأدت إلى نزوح جماعي لرؤوس الأموال إلى الخارج، ووضعت مرة أخرى علامات استفهام على برامج الإصلاح التى يتبناها صندوق النقد الدولي، والأسباب الحقيقية لها، وآثارها على الاقتصاد العالمي، وهل ستكون بداية لأزمة مالية واسعة كما حدث فى جنوب شرق آسيا؟

النار تحت الرماد

لم تكن الأزمة التركية مفاجئة؛ فكل المؤشرات تؤكد أن نارها كانت مشتعلة تحت الرماد، في انتظار الكشف عنها؛ لتلتهم مفردات الاقتصاد كالتهام النار للهشيم.

وترجع جذور الأزمة إلى شهر نوفمبر 2000 عندما كشفت هيئة الرقابة على البنوك النقاب عن تعثر 10 بنوك خاصة وعجزها عن الوفاء بالتزاماتها، وارتفاع مديونية البنوك العامة، وبذلك فإن مديونية الجهاز المصرفي وتراجع الثقة فيه تعتبر هي لب الأزمة، وقد فاقم من هذه الأزمة ما صاحبها من همس فى الأروقة الرسمية عن انتشار الفساد فى الجهاز المصرفي، وتستر الجهات الحكومية على بعض الممارسين للفساد في هذا الجهاز.

إلى جانب ذلك، فإن الزلزال الذي وقع فى تركيا أدى إلى إرهاق الاقتصاد، وبدأ برنامج الإصلاح الاقتصادي يتخلف عن المواعيد المقررة له، كما تعطل التقدم على صعيد الإصلاح السياسي أيضاً، وفى نفس الوقت بدأت خطط الحكومة التركية للإصلاح تتراجع مع تعثر خطة خصخصة شركة الاتصالات "ترك تيليكوم" المملوكة للدولة، وتعثر تحرير قطاع الطاقة، وما صاحب ذلك من زيادة المعارضة للإصلاحات الاقتصادية فى صفوف الحكومة والمعارضة ورجال الأعمال أيضاً، وهذه المعارضة والانتقادات لسياسات الإصلاح أدت إلى فقدان الثقة فى السياسة الاقتصادية عمومًا، وكرست من أزمة الثقة فى الجهاز المصرفي، وأصبحت الأزمة جاهزة للانفجار فى وجه الساسة الأتراك، والتي عجلت بانفجارها الخلافات السياسية التي أخذت طابع العلنية بين الرئيس التركي ورئيس الوزراء.

الخلافات السياسية وتعويم العملة فجرت الأزمة

أدى الصراع السياسي العلني بين الرئيس "نجدت سيزر" ورئيس الوزراء "بولنت أجاويد" إلى تفجير الأزمة؛ حيث كشفت المشادة الكلامية بينهما أثناء اجتماع مجلس الأمن القومي أن هناك خلافاً واضحاً بين الساسة الأتراك بشأن سياسات إصلاح الاقتصاد والتغلب على الفساد في الجهاز المصرفي؛ حيث تحول الاجتماع إلى ساحة اشتباك بين الرجلين، واتهم الرئيس رئيس الوزراء بأنه وراء عرقلة التحقيقات فى قضايا الفساد في القطاع المصرفي وقطاع الطاقة، وأدى ذلك إلى انسحاب رئيس الوزراء من الاجتماع بحجة أنه يشعر أنه قد أُهين بسبب هذه الاتهامات، وقد أدى هذا الخلاف السياسي المعلن إلى زعزعة الاستقرار في أسواق المال التركية.

وأشار إلى احتمالات أن تشهد تركيا فترة جديدة من الاضطراب السياسي، وهذا كله ألقى بظلال من الشك على قدرة إدارة أجاويد على مواصلة برنامج الإصلاح رغم النجاحات التي حققها منذ عام 1999 مثل خفض معدل التضخم من 100% إلى 30% في عام واحد، وتقليل تدخل الدولة فى الحياة الاقتصادية، والأخذ ببعض آليات السوق، ومن هنا بدأت الأزمة تأخذ اتجاهاً متصاعداً خاصة بعد أن رفض رئيس الوزراء إقالة نائبه "حسام الدين أوزكان" والذي يرى الرئيس التركي أنه هو المسئول عن مديونية البنوك العامة، وقام رئيس الوزراء بالاستعانة بالاقتصادي المخضرم "كمال درويش" نائب رئيس البنك الدولي ليقوم بمهمة الإنقاذ العاجلة للاقتصاد، وأعطاه صلاحيات واسعة، رغم هذه الصلاحيات كانت مهمة درويش صعبة خاصة أنها تتصادم فى النهاية مع عدم قدرة أجاويد على إقالة عدد من الوزراء الذين تحيط بهم شبهة الفساد خوفاً من زعزعة الاستقرار، ومع تعقد الموقف اضطر أجاويد إلى التخلي عن ربط قيمة العملة التركية بالدولار الأمريكي واليورو الأوروبي وأخذ قرار تعويمها، وهذا أدى إلى فقدان نقطة الارتكاز الأصلية لبرنامج الإصلاح، وهي استقرار سعر الصرف، وبعد ذلك أصبح العقد التركي مهيئاً للانفراط؛ حيث فقدت الليرة أكثر من 30% من قيمتها فى يوم وليلة، وخرجت أكثر من 7 مليارات من الدولارات إلى الخارج في حركة أشبه بحركة القطيع، وارتفع سعر الفائدة إلى أكثر من 4000%، وفقد الأتراك أكثر من ثلث القوة الشرائية للنقود التي بحوزتهم، وارتفعت مديونية البنوك إلى أكثر من الثلث حتى وصلت إلى أرقام فلكية تقدر بـ 13.2 ألف تريليون ليرة، وأصبح الدولار يعادل أكثر من مليون ليرة تركية، وهنا وصلت الأزمة إلى ذروتها.

الولايات المتحدة والثمن السياسي للأزمة التركية

بعد وصول الأزمة إلى ما وصلت إليه من تعقيد فإن بداية الخروج منها هو مراجعة برنامج الإصلاح التي تتبعه تركيا تحت إشراف صندوق النقد الدولي، ولكن الملاحظ أن هذه المراجعة ستعني بالضرورة اتخاذ تركيا لمزيد من الإجراءات التقشفية بعد أن تعرضت الأسعار لعدم الاستقرار الوطنية وهروب رؤوس الأموال إلى الخارج، ولا بد من اتخاذ إجراءات صارمة لإصلاح أوضاع الجهاز المصرفي وإعادة الثقة فيه لضمان سداد ديونه المتراكمة، وكذلك اتخاذ خطوات سريعة وجريئة فى مجال الخصخصة، وكل هذه الإجراءات لن تكون مجانية، وإنما سيكون ثمنها غالياً، وخاصة على حساب رفع معدلات البطالة، وتقديم بعض التنازلات السياسية، وهذه تمثل صدمات كبيرة قد لا تتحملها الحكومة الائتلافية الحالية فى تركيا، ولا يمكن أن تنجح هذه الحكومة غير المستقرة فى اجتياز هذه الأزمة دون دعم خارجي وخاصة من واشنطن.

ويقدر رئيس الوزراء أن تركيا تحتاج إلى دعم يصل إلى 25 مليار دولار، في حين يرى البعض أن هذا الدعم يجب ألا يقل عن 40 مليارًا، وقد يأتي هذا الدعم من صندوق النقد، ولكن المؤكد أن الصندوق، لن يقدم هذا الدعم فى صورة قروض إلى تركيا إلا بعد الحصول على الضوء الأخضر من واشنطن، ومن المؤكد أن وزير الخزانة الأمريكية والمستشار الاقتصادي لإدارة الرئيس بوش لن يتخلى عن تركيا؛ حتى لا تكون سبة في جبين الصندوق؛ ولذلك قد لا تسمح واشنطن بأن تنضم تركيا إلى الطابور من الأمثلة الدالة على فشل برامج الصندوق، وكذلك لمنع دخول الاقتصاد في حالة من الفوضى قد تهدد أمن المنطقة.

هذا الموقف الأمريكي المحتمل له ما يبرره؛ حيث إن تركيا حليف إستراتيجي للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط، وتعتبرها الولايات المتحدة أنها معبر للعلاقات البترولية الأمريكية مع دول القوقاز، كما أن تعاون تركيا العسكري والاقتصادي مع إسرائيل يشكل جزءًا من نسيج التوازنات العسكرية والاقتصادية الأمريكية في المنطقة؛ ومن ثم فإن إصلاح الأوضاع هو مطلب أمريكي له ما يبرره بقوة؛ ولذلك فإن إدارة بوش لن تدع تركيا وحدها فى هذه الأزمة، ولكنها ستجعل تدخلها لإنقاذ تركيا من خلال الصندوق، كما فعلت إدارة الرئيس ريجان مع إسرائيل في الثمانينيات، ولا شك أن الأزمة الاقتصادية فى تركيا كما أنها ذات بعد سياسي فإن ثمن إصلاحها سيكون فى جزء منه سياسياً أيضاً.

الأصداء الدولية للأزمة

لم تظل الأزمة في تركيا حبيسة الحدود الجغرافية لتركيا، ولكن بدأت رياحها تهب على بعض الدول الأخرى، وفى مقدمتها أمريكا وأوروبا، ففي الولايات المتحدة بدأت الأزمة تلقي بظلالها على أداء شركات المنتجات الاستهلاكية؛ حيث عدلت بعض هذه الشركات توقعاتها للأرباح بعد تدهور الليرة، وأكدت شركة "بروكتر أند جامبل" أن تعويم الليرة التركية أجبرها على تعديل توقعاتها للأرباح خلال النصف الثاني من عام 2001، وأوضحت أن ذلك سوف يخفض أرباح الأسهم في الشركة بما يتراوح بين 3.3 إلى 2.2 سنت أوروبي للسهم خلال الربع الثالث من العام الحالي(2001)، وأن ذلك سيؤدي إلى تراجع ربح السهم بمعدل 5 سنتات أوروبية في العام بأكمله.

وتعتبر الأسواق التركية فى المرتبة 12 ضمن أكبر الأسواق العالمية لمنتجات الشركة من مساحيق الغسيل والحفاضات وأدوات تنظيف الأسنان، وتبلغ مبيعاتها في تركيا 400 مليون دولار سنوياً، وقد أدى ذلك إلى تراجع أسعار أسهم هذه الشركة بمعدل 6% وهو ما أدى إلى تأثر أسهم شركات المنتجات الاستهلاكية الأمريكية الأخرى مثل "كوكاكولا" و"كولجيت ـ بالموليف"، "ويونيليفر جروب" ولكن بدرجة أقل.

أما في الاتحاد الأوروبي فقد ألقت الأزمة بظلالها على البنوك والعملة الموحدة (اليورو)؛ حيث أثارت القلق بشأن أرباح وأداء البنوك الأوروبية في تركيا، وخاصة البنوك الألمانية والفرنسية التى لها نشاط واسع هناك، وبدأت البنوك في تقليص نشاطها وتوسعاتها في تركيا، ويرى الخبراء في الاتحاد الأوروبي أن هناك علاقة قوية بين الأزمة الاقتصادية التركية وأداء الأسواق الأوروبية خاصة على مستوى البنوك؛ حيث زاد تخوف الأوروبيين من احتمالات حدوث انهيار كامل في الاقتصاد التركي؛ مما جعلهم يحجمون عن توسيع أعمالهم فى الأسواق التركية.

أما بالنسبة لدول المنطقة وتأثرها بالأزمة، وخاصة الدول العربية فلا شك أنها ليست بعيدة عن التأثر بهذه الأزمة، فمن المتوقع أن تتأثر حركة التجارة المتبادلة بين الدول العربية وتركيا، وكذلك سوف تتأثر الاستثمارات العربية فى تركيا، وتتعرض لتراجع أرباحها وتدهور قيمتها الحقيقية، وكذلك هناك احتمالات لتأثر حركة السياحة المتبادلة بين الطرفين، ورغم أنه لم تظهر حتى الآن مؤشرات تؤكد تأثر الدول العربية بالأزمة؛ فإن هذا التأثر عند حدوثه- وهو لا مفر منه- سوف يكون محدوداً وسيظهر بعد فترة، وذلك بسبب ما تتسم به الاقتصادات العربية من عدم الانفتاح الكامل على الخارج.

موقف الصندوق والدروس المستفادة

لا شك أن برنامج الإصلاح التركي هو من صناعة صندوق النقد، وقد بدأ تطبيق هذا البرنامج فى عام 1999، وقدم الصندوق حوالي 11.5 مليار دولار كقروض لتركيا لدعم هذا البرنامج، ورغم الإنجازات التي حققها البرنامج فى العام الأول وخاصة فى خفض معدل التضخم فإن الأزمة الحالية، تؤكد أن الصندوق لم يشخص الحالة التشخيص السليم، ووضعت الأزمة الصندوق في مأزق مشابه للمأزق الذي وضع فيه أثناء أزمة جنوب شرق آسيا؛ مما يطرح تساؤلات فى غاية الأهمية وهي:

لماذا لم يتنبأ الصندوق بالأزمة، وكيف أيد الصندوق تعويم العملة دون أن يدرك أنها ستكون بداية انفراط العقد التركي؟ ورغم أن الأزمة التركية قد لا تمثل خطراً مماثلاً للأزمة المالية فى دول جنوب شرق آسيا على الاقتصاد العالمي، وذلك لأن ديونها لا تشكل سوى 1.9 % من إجمالي ديون الاقتصادات الصاعدة؛ فإن هذه الأزمة وضعت الصندوق فى مأزق جديد بسبب حجم الدعم الذي يجب أن يقدمه للاقتصاد التركي حتى ينتشله من أزمته، وهو ما يضع الصندوق فى حرج من تقديم قروض كبيرة إلى تركيا دون الحصول على الضوء الأخضر من واشنطن، وسواء نجحت تركيا في الخروج من أزمتها بدعم من الصندوق وبمباركة لهذا الدعم من واشنطن أم لا فإنه يبقى هناك درس غالٍ، على الدول النامية أن تستوعبه، وهو أن برامج الصندوق ليست وصفة سحرية لإنقاذها من أزماتها، ووضعها على طريق التقدم، ولكنها قد تكون بداية لأزمات أكبر تجعلها تدخل راغمة مصيدة الرأسمالية الدولية المتوحشة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق

«

ابحث

«

بحث متقدم