|
قدّم رئيس الوزراء الماليزي "محاضير محمد" الخطة الماليزية الثامنة للتنمية للأعوام الخمسة القادمة (2001- 2005) في البرلمان الإثنين 23/4/2001، ونوقشت في الأيام الأولى من شهر مايو التالي.
وتُركِّز الخطة الجديدة على الحفاظ على استمرارية النمو الاقتصادي، وتقوية التنافسية وسط أمواج العولمة، رافعة شعار "نحو تحقيق تنمية ثابتة وقابلة للتكيف"، وتسعى الدولة إلى تحقيق معدل نمو للناتج المحلي الإجمالي 7.5% سنويا، مقابل 4.7% في المتوسط سنويا، خلال فترة الخطة السابقة (1996-2000)، وبعد انخفاض متوسط دخل الفرد السنوي في عام 98، عاد ليستقر عند 13359 رنغكتا (3515 دولارا) في عام 2000؛ وهي بذلك تشير إلى المرونة في السياسة المالية، ودور أكبر للقطاع الخاص.
الأحداث السياسية في البلاد غطّت على الاهتمام الإعلامي بما في الخطة من قضايا هامة؛ حيث يدور السجال ساخنا بين د."محاضير محمد" رئيس الوزراء والمعارضة الماليزية في عدد من القضايا الحساسة، كما تدور أحاديث حول خلافات داخل السلطة، غير أن ذلك لا يعني عدم أهمية الخطة بالنسبة للمواطن الماليزي؛ فمن أهم أسباب عدم استطاعة المعارضة الماليزية تحريك الجماهير - مثلما حدث في إندونيسيا - الاستقرار الاقتصادي والأمني الذي حفظ لماليزيا الكثير.
كما أن الخطة تعيد تأكيد عمل وحدة التخطيط الاقتصادي في الإعداد للتقلبات في حقائق ووقائع الاقتصاد العالمي ومواجهة القضايا العرقية الحساسة من الناحية الاقتصادية. ويأتي تدشين الخطة الثامنة بعد أن رفضت ماليزيا الاستعانة بصندوق النقد الدولي للخروج من الأزمة الآسيوية.. كما تـتزامن مع بدء التباطؤ في الاقتصاد الأمريكي؛ مما يؤثر على التصدير الآسيوي إلى أمريكا، وأرباح الشركات الأجنبية ذات الفروع في جنوب شرق آسيا، التي استفادت دولها من الأزمة الآسيوية.
كل ذلك يدعونا إلى تقليب صفحات الخطة الماليزية الثامنة لمواجهة هذه التحديات، والتي جاءت في 660 صفحة، وتتكون من 9 إستراتيجيات و21 مجالا تنفيذيا لتحقيقها.
الإستراتيجيات التسع
تهدف الخطة إلى تعزيز التنمية بثلاثة معالم:
- التحول في إستراتيجية التنمية من المدفوعة ذاتيا بالإسهامات والمخصصات إلى تنمية معلوماتية وتقنية الاندفاع.
- تعجيل النقلة الهيكلية داخل قطاعي الصناعة والخدمات.
- تعزيز الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي من خلال توزيع عادل للدخل والثروات.
تقوم الخطة على تسع إستراتيجيات رئيسية هي:
أولا: استمرارية النجاح في إدارة الاقتصاد الكلي والسياسيات المالية، بهدف الوصول إلى اقتصاد معلوماتي البنية، مع نسبة تضخم منخفضة بدعم من قوة الطلب والاستثمار الخاص في الاقتصاد المحلي ونمو مستقر للاقتصاد العالمي؛ للعمل على إيصال متوسط دخل الفرد السنوي إلى 17779 رنغكتا ماليزيا ( الدولار= 3.80 رنغكتات) وخفض نسبة البطالة إلى 2.7% مع انتهاء فترة الخطة عام 2005.
ثانيا: تقوية البرامج التوزيعية للدخل من أجل مشاركة أكثر توازنا بين الجماعات العرقية، وبقاء أهداف الخطط السابقة لعلاج مشكلة الفقر، وخفض معدلات الفقر المدقع إلى أقل من 1% في 2005، وإعادة هيكلة التوزيع الوظيفي بين الأعراق والولايات بهدف بناء مجتمع عادل وموحد.
ثالثًا: تعزيز التنمية المدفوعة بالمزيد من التنافسية، من خلال تحسين مستويات، وأداء العمال والموظفين، ورفع مستوى البحوث والتنمية.
رابعًا: تقوية التنافسية في القطاعات الاقتصادية الرئيسية مع تزايد حدة المنافسة بين الدول على جذب الاستثمارات وتسويق الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي؛ فالقطاع الصناعي الذي نما بنسبة 9.1% سنويا خلال الخطة السابقة، يُتوقَّع أن ينمو بنسبة 8.9% خلال الخطة الثامنة؛ بسبب النقلة نحو تركيز التقنية وتقليل العمالة، بينما يتوقع أن ينمو قطاعا الخدمات والزراعة بنسبة 7.7% و3% فقط على التوالي.
خامسًا: توسيع استخدامات "تقنيات الاتصال المعلوماتي"، وجعل ماليزيا مركزًا إقليميا ودوليا لخدماتها وإنتاجها، مع العمل على توفير البيئة الدستورية والقانونية؛ بهدف تقليل الفارق الرقمي بين الفقراء والأغنياء، وبين القطاعات الاقتصادية، من خلال توسيع البنية التحتية الاتصالية.
سادسًا: دعم تنمية الموارد البشرية، من خلال نظام تعليمي وتدريبي فعال، وبناء المزيد من المدارس، مع تطبيق نظام التعليم المركزي ومفهوم المدارس المتكاملة.
سابعًا: تحقيق مفهوم "التنمية المتوازنة والثابتة"؛ للاستفادة من ثروات البلاد بأقصى درجات الفاعلية والحفاظ على البيئة.
ثامنًا: توفير فرص أفضل لجميع الماليزيين؛ لتحسين مستويات معيشتهم، وتوسيع حصول الطبقة الفقيرة وقسم من الطبقة المتوسطة – وهي الأغلب بين سكان المدن - على فوائد الخدمات العامة (التعليم والإسكان والصحة).
تاسعًا: استمرار التربية على السلوكيات الإيجابية والقيم الأخلاقية في حياة العمل والمعيشة، من خلال المنهاج التعليمي والبرامج للعاملين في المنظمات والمؤسسات الحكومية ومؤسسات الوعظ والإرشاد الديني ووسائل الإعلام، باعتبار أن وجود المجتمع المنضبط أخلاقيا والسكان المتحلين بقيم ومبادئ المعاملات المستقيمة هو الأساس لنجاح البلاد.
المجالات الاجتماعية والإدارية
أُعطيت الجوانب الاجتماعية والإدارية والتعليمية أولوية واهتمامًا من قِبَل راسمي الخطة على النحو التالي:
أولاً: معالجة الفقر وإعادة هيكلة المجتمع.
ثانيًا: التعليم والتوظيف والتنمية البشرية.
ثالثًا: التنمية الإقليمية والسكان.
رابعًا: الصحة.
خامسًا: الإسكان والخدمات الاجتماعية الأخرى.
سادسًا: البيئة.
سابعًا: المرأة والتنمية.
ثامنًا: الشباب والتنمية.
تاسعًا: التطوير الإداري من أجل التنمية.
12 قطاعًا مرشحة للنمو
تتوزع المحاور التنفيذية للخطة بين 12 مجالاً على النحو التالي:
1- تمويل القطاع العام:
تبلغ مخصصات القطاع العام في الخطة الجديدة 253.4 مليار رنغكت بنسبة زيادة 13.4%، ومع ذلك فإن نصيب القطاع العام في الناتج المحلي سينخفض من 16.3% سابقًا إلى 12.9%، وسيكون نصيب القطاع الاقتصادي بنسبة 45.9% من ذلك ليكون الأوفر حظًا، ثم القطاع الاجتماعي (34.1%)، والإداري ( 10.2% )، ثم الأمني (9.8%).
فاقتصاديا، ستكون المواصلات والاتصالات الأوفر حظًا، ثم التجارة، ثم الزراعة، ثم الثروات المائية، ثم الطاقة، ومنها بناء سد "باكون" المثير للجدل في ولاية "سراواك"، وأخيرًا البحوث والتطوير.
واجتماعيا، يُعتبر التعليم أكثر مجالات التنمية ميزانية من قبل القطاع العام بفارق كبير(22.7 مليار رنغكت)، ولا يقاربه إلا قطاع الاتصالات والمواصلات (22 مليارا أيضا).
أما أمنيا، فستُصرف غالبية المخصصات لتقوية الدفاع العسكري للبلاد؛ بتحديث معدات وطائرات وأسطول الجيش الملكي الماليزي.
2- الخصخصة:
وهو مجال مثير للنقد من قبل المعارضة والناقدين الاقتصاديين، ومع ذلك فستستمر خطط الخصخصة الماليزية، وتركز على المشاريع الأكثر إسهاما في النمو، وستفرض فترة تجريبية قبل البيع الفعلي لضمان قدرة من يشتريها على تحقيق أهداف المشروع، مع تعيين مستشارين ومدققين ماليين مستقلين.
3- التنمية الزراعية:
تهدف الخطة إلى زيادة إسهام الزراعة لتقليل الغذاء المستورد (فاتورته 13 مليار رنغكت عام 2000)، بزيادة الإنتاج المحلي، وتعزيز إنتاج زيت النخيل والنباتات الطبيعية، وإعادة اعتبار المطاط كمحصول إستراتيجي، وتشجيع القطاع الخاص على الإسهام بمشاريع زراعية مشتركة، ويتوقع أن يزيد إنتاج الثروة السمكية من 1.5 مليون طن في عام 2000 إلى 1.9 مليون طن عام 2005، ويعمل في الإنتاج الزراعي 190 ألف عامل أجنبي.
4- التنمية الصناعية:
تهدف الخطة إلى المحافظة على نمو القطاع الصناعي بنسبة 8.9% سنويا؛ ليكون إسهامه بـ 35.8% من الناتج المحلي، وسيظل التصدير محركا له؛ حيث ارتفع حجمه من 147.3 مليار رنغكت في 1995 إلى 317.9 مليارا في 2000؛ لتكون ماليزيا في المرتبة الـ 17 في قائمة أكبر 20 دولة مصدرة في العالم.
5- الخدمات والبنية التحتية:
تم تخصيص 15 مليار رنغكت لتعبيد الطرق الحديثة وإصلاح القديمة، منها إنهاء 17 مشروعا للطرق السريعة الجديدة، وتعزيز مكانة ميناءي ماليزيا الشرقي والغربي، ومطار كوالالمبور الدولي الجديد (أحد أفضل 3 مطارات في العالم) كمحطات للنقل والشحن والسفر.
6- الطاقة:
تم تخصيص 2.6 مليار رنغكت لتنمية مصادر الطاقة المستخدمة والبديلة، فضلا عن 50.2 مليارا لاستثمارات شركات خاصة، مع التركيز على الغاز لمواجهة الطلب المتزايد لضمان الاستقرار، مع منع فتح أية فروع جديدة لمحطات البترول الأجنبية لتقوية انتشار شركة بيتروناس الوطنية، كما سيتم إنهاء بناء 4 محطات لتبريد الغاز؛ لتنويع الاستفادة منه لصالح الصناعات البتروكيماوية، والتي سيُبنى لها مجمعان جديدان؛ لتفعيل التكامل التصنيعي بين النفط والغاز، وخلال فترة الخطة سيتم تشييد 31 محطة للغاز الطبيعي المعد للسيارات، وستُجهز 7500 سيارة أخرى ذات نظام ثنائي يعمل على البنزين أو الغاز.
7- العلوم والتكنولوجيا:
سيُعاد تشكيل مؤسسات البحوث والتطوير؛ لتكون توجهاتها تسويقية وتطبيقية في الصناعة بمخصصات قيمتها610 ملايين رنغكت، وتقوية دور القطاع الخاص، وامتلاك أسهم في شركات ومراكز بحث أجنبية، والشراكة مع أطراف أجنبية؛ كشركات "سيليكون فالي" الأمريكية، ودعم البحوث الجامعية، وسيتم زيادة مخصصات امتيازات بحوث التصنيع إلى 200 مليون، ومخصصات امتلاك التقنية من أطراف أجنبية إلى 250 مليونا، ومخصصات العلوم البيولوجية والجينية إلى 100 مليون، وكذا مخصصات تطوير الممر المتفوق للوسائط المتعددة، وستدرس إمكانية بناء واحة للعلوم البيولوجية؛ لتوفير البيئة المناسبة لتطوير الإمكانات البحثية فيها، كما سيكون هناك اهتمام بتشجيع العقول المهاجرة على العودة إلى ماليزيا؛ وذلك بإعفاءات ضريبية على دخلهم.
8- تقنيات الاتصال المعلوماتي:
يتم تخصيص 5.2 مليارات رنغكت لهذا المجال، مع الاستمرار في خطوات التحول الإلكتروني لأجهزة الدولة والخدمات، وتعزيز الإمكانات البشرية لجعل ماليزيا مركزا لإنتاج تقنيات الاتصال والمعلومات، والمساعدة في توزيع وتعزيز الإنتاج المحلي.
وستساعد الشركات الصغيرة المؤسسة على هذا النوع من الخدمات بعد أن استثمرت فيها الحكومة 523 مليون رنغكت في عام 2000، لكن نقطة الضعف هي أن تقنيات الاتصال ما تزال مركزة في القطاعات الإدارية والمالية بعكس القطاع الصناعي.
9- التمويل:
من المتوقع نمو هذا القطاع بنسبة 8.5% في السنوات القادمة؛ وذلك بتقوية مجموعة من المؤسسات البنكية والمالية، وتحسين الفاعلية والتنافسية لجميعها، وتعزيز خدمات التمويل الإسلامي، وتقوية سوق المال، والإسراع في تطوير سوق المستندات، وتقوية القطاع التأميني، وخصوصا الإسلامي منها، وتعزيز مكانة مركز "جزيرة لابوان" المالي، خاصة بعد زيادة أصول الاستثمارات الإسلامية فيها بنسبة 10% سنويا؛ حيث بلغت 661.1 مليار رنغكت مع نهاية عام 2000.
10- السياحة:
تظل السياحة قطاعا مهما للاقتصاد؛ فعدد السياح تعدّى حد العشرة ملايين لأول مرة في عام 2000، ويُتوقع أن يصل عددهم عام 2005 إلى 14.3 مليونا.
11- تجارة الجملة والتجزئة:
يُخصص لتنمية القطاع 763.2 مليون رنغكت؛ من خلال المزيد من الفاعلية والتنافسية، وتقوية الشبكات التجارية، والاستعانة بالتجارة الإلكترونية، وتحسين مستوى خدمة المشتري في المحلات والمجمعات، وتطوير مشاريع الامتيازات التجارية ذات الانتشار.
12- التنمية بالتعاون الدولي:
ليس هناك تغيير في السياسة الخارجية الماليزية في الخطة الجديدة؛ مما يعني استمرار تعزيز علاقاتها الواسعة والمستقرة والمستقلة بدول العالم، خاصة مع إتمام توقيع اتفاقيات تعاون اقتصادية وتقنية وعلمية مع 92 دولة حتى الآن، وتقوية التكامل بين دول آسيان المجاورة، والتأكيد على ضرورة تفعيل فكرة ماليزيا لتجمع شرق آسيوي، يجمع بين دول آسيان واليابان والصين وكوريا.
|