|
| كاريكاتير يظهر حالة الهلع من مرض إنفلونزا الطيور في مصر -نقلا عن جريدة الشرق الأوسط بتاريخ 22-2-2006
|
كشف العديد من الكوارث التي شهدتها مصر خلال السنوات الأخيرة عن غياب شديد لبديهيات إدارة الأزمات، سواء على المستوى الاجتماعي أو الاقتصادي أو الصحي، رغم وجود أكثر من جهة حكومية معنية بالأمر، فإنها ما زالت مكتوفة الأيدي.
وهناك قرار بإنشاء مجلس قومي للدفاع المدني يتبع رئاسة مجلس الوزراء، إلا أنه لم يجتمع منذ قرار إنشائه في عام 1958. كما أن أداء اللجنة القومية لمكافحة الكوارث التابعة للمركز القومي للبحوث هو موسمي فقط. أما إدارة الأزمات التابعة لمركز معلومات مجلس الوزراء فلم يظهر لها دور إلا في تعضيد مطالب ضحايا مصريين عند سقوط طائرة خليجية منذ سنوات، وبعدها لم تشارك في أي حدث كارثي. أيضا لا يتعدى دور مركز إدارة الأزمات بجامعة عين شمس سوى إعداد بعض البحوث لعرضها في مؤتمر سنوي إلى جانب تنظيم بعض الدورات التدريبية.
والنتيجة غياب أي تنسيق مجتمعي لمواجهة أي كارثة، سواء ما ينجم عن حوادث الطرق أو القطارات أو الطائرات أو غرق العبارات. ولعل الفاصل الزمني الكبير بين غرق العبارة السلام 98 وتحرك وسائل الإنقاذ خير شاهد على غياب فكر التنبؤ بالأزمة والاستعداد لمواجهتها.
ولا يقتصر الأمر على الحوادث؛ ففي المجال الاقتصادي لم يتم استيعاب آثار ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه المصري في بدايات عام 2003، إلا بعدها بعدة أشهر لعدم وجود سيناريوهات تتنبأ بآثارها لمواجهة المشكلة، ولم تختلف إدارة الأزمات مع أصحاب القروض المتعثرة ومشكلة أسراب الجراد التي عبرت مصر مؤخرا.
التعايش مع الأزمة
ويبدو أن ارتباط حياة المصريين بوجود أزمات مستمرة قد أدى إلى التعايش معها. ففي مرحلة الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي كان الحصول على دجاجة أو لتر زيت أو صابونة من المجمعات الاستهلاكية يعد إنجازا. وبعد سنوات من مرحلة الانفتاح الاقتصادي، والتبشير بالوفرة مع اقتصاد السوق عادت الطوابير مرة أخرى، ولنفس السلع الأساسية سواء أكانت خبزا أم لحوما سودانية ومؤخرا السكر.
ويشعر المواطن بعجز الإدارة الحكومية خلال حياته اليومية؛ فمرور موكب مسئول كبير يعني تعطيل المرور ومصالح الناس، وتنظيم مباراة للكرة في كأس الأمم الأفريقية يتطلب إخلاء المعرض الدولي للكتاب من الرواد في نفس يوم المباراة، بما يشير إلى ضعف إمكانية إدارة حدثين متجاورين جغرافيا في وقت واحد.
وهكذا يدعو واقع الحال إلى الاقتناع لدى العامة بأن الحكومة التي تعجز عن توفير المواد الغذائية الأساسية للشعب لن تقدر على إدارة أزمة المرور أو الطرق أو توفير فرص العمل لآلاف العاطلين أو تخفيف حدة الفقر المنتشر في ربوع البلاد خاصة بالصعيد جنوب البلاد. ومحصلة ذلك أن المجتمع يخرج من أزمة ليدخل في أخرى؛ وهو ما يوجد بيئة غير مشجعة على الاستثمار سواء الداخلي أو الخارجي تتزايد معها معدلات البطالة والفقر والاستيراد والمضاربة وقيم الربح السريع.
ويبدو أن الناس قد تعودوا على الأزمات محدودة التأثير والنطاق الجغرافي، مثل حوادث الطرق شبه اليومية بطريق القاهرة الصعيد أو قنا الغردقة أو غيرهما. اللافت أن حدوث مثل هذه الأمور في دولة أخرى كفيل بإقالة مسئولين كبار بها، إلا أننا مع غرق أكثر من ألف شخص في حادث العبارة الأخير لم يستقل أحد.
كارثة الإنفلونزا وتأثيرات ممتدة
ومع ظهور عشرات الحالات المصابة بإنفلونزا الطيور في العديد من المحافظات، فإن الكارثة هذه المرة أكثر تأثيرا جغرافيا وسكانيا واقتصاديا وبيئيا وسياحيا، حيث لم يتعلق ضررها بأصحاب مزارع الدواجن البالغ عددها أكثر من 22 ألف مزرعة، بل تخطاها إلى آلاف السيدات اللاتي يربين الدواجن في أنحاء الريف المصري، وإلى أصحاب أبراج الحمام في ربوع البلاد.
وامتد الأمر إلى باعة الطيور والدواجن وأصحاب المطاعم والفنادق، وحتى محلات الحلويات التي تستخدم البيض في تصنيع منتجاتها، إلى جانب أنشطة أخرى مثل قطاع النقل الذي تضرر من منع انتقال الطيور بين المحافظات وتصنيع الأعلاف.
ورغم ذلك كله فإن المواجهة للأزمة على اتساعها ما زالت حكومية رغم كون المشكلة مجتمعية وتتطلب تضافر كل الجهود لمواجهتها، خاصة دور المجتمع الأهلي الأسرع حركة في مواجهة تلك الأزمات، إلا أن الاتجاه الحكومي يعتبر بشكل غير معلن وجود دور للجمعيات الأهلية بمثابة إعلان عن قصور الدور الحكومي ويستثني من ذلك جمعيات لها ارتباط شبه رسمي بالدولة مثل جمعيات الهلال الأحمر.
وحتى الآن لم تنس الحكومة الدور الذي قام به التيار الديني في أزمة الزلزال في أوائل التسعينيات من القرن الماضي وإمداده للمتضررين بالطعام والبطاطين قبل وصول العون الحكومي بفترة كبيرة. فالحكومة يمكن أن تقبل العون الخارجي من أي دوله خارجية ولا تقبله من التيار الديني حتى لا يقترب أكثر من الناس، بعد أن اقترب إليهم من خلال تقديمه خدمات اجتماعية وصحية، وبسبب هذا التخوف فلا مانع لديها من تهميش دور القطاع الأهلي برمته.
وها هي أزمة إنفلونزا الطيور تكشف عن غياب إستراتجية قومية لمواجهة الكوارث؛ فعلى الرغم من بدء الأزمة منذ شهر أكتوبر الماضي في دول أخرى، وكان المجال متسعا لتحضير المجتمع للتعامل مع الأزمة قبل ظهورها في مصر، فإن ذلك الوقت استخدم في تصريحات حكومية تؤكد على أن كل شيء تمام!. وحتى عندما خصصت لجنة قومية لمواجهة إنفلونزا الطيور اقتصرت فقط على وزارات الدفاع والداخلية والإعلام والبيئة والزراعة والصحة، ولم تمتد لأي جمعية أهلية.
متطلبات إدارة الأزمة
ولو أن هناك إدارة جيدة لعرف كل طرف أمام هذه الكارثة دوره بدلا من العشوائية التي حدثت حتى في التناول الإعلامي المصري، فلقد كان مهما أن يعطى الدور الإعلامي لهيئة الاستعلامات التي ظلت غائبة عن الساحة لفترة.
كما يفترض أن تعلم جمعيات حماية المستهلك والغرف التجارية وظيفتها في مواجهة الكارثة في ظل مفهوم إدارة الأزمة، فضلا عن تدريب الأطباء والمتطوعين للتعرف على الدواجن المصابة، وتوعية الجمهور بشأن مخاطر تربية الدواجن بالبيوت؛ وهو ما كان يعني الإقلال التدريجي من تلك العادة، بحيث يتم إخلاء تلك العشش لتربية الدواجن وأبراج الحمام خلال أسابيع، وبالتوافق مع طاقات المجازر وطاقات التبريد العامة والخاصة.
كان يمكن للقطاع الأهلي، خاصة الجمعيات ذات النشاط التمويلي الأكثر اتصالا بالبسطاء، أن تشرح لآلاف النساء اللاتي يرتزقن من بيع الدواجن والطيور الاستعداد بالبدائل مع ظهور الوباء، وهو ما كان سيتيح لهن التخلص مما لديهن من طيور ودواجن تدريجيا، والبحث عن مصدر آخر للرزق، بدلا من الخسارة الفادحة اللاتي تعرضن لها بمجرد الإعلان عن ظهور الحالات المصابة.
ولو هناك إدارة للأزمة كان ممثلو تجار الدواجن سيعرضون مطالبهم في حالة وقوع الأزمة من خلال غرف التجارة؛ وهو ما يعطي الفرصة لجهات التمويل أن تدرس مطالبهم وتستعد لها. وكانت الجهات المعنية بالمرأة المعيلة ستكون جاهزة بالبدائل الاقتصادية المحددة التمويل وطريقة السداد لهؤلاء النسوة.
ولأن الوقاية هي الأهم، فلقد كان مهما وجود المعلومات الأولية عن المرض وطرق الوقاية لدى علماء الدين في المساجد والمدرسين في فصول المدارس حتى يقوموا بالتوعية، وليس تلقيها من الصحف بعد وقوع الكارثة كما حدث. بل إن تدريب الممرضات خاصة بالريف أهم من الأطباء، لا سيما أنهن الأكثر احتكاكا بربات البيوت. كما أن تدريب الإعلاميين أيضا على ماهية المرض وطرق الوقاية منه، كانت ستساعد على لعب دور مهدئ، واقتراح أفكار عملية لإعادة الثقة في الدواجن.
وفي جعبة الإعلاميين عشرات الأفكار، فقد يقترحون إقامة مأدبة للفريق القومي في إحدى مزارع الدواجن تنقلها القنوات التلفزيونية بداية من مرحلة الذبح إلى الطبخ إلى الأكل. وقد يقترحون تناول عدد من الوزراء وجبة من الطيور بمزرعة بمحافظة أخرى. واجتماع آخر لحرم الرئيس مع قيادات المجلس القومي للمرأة يتناولن الدجاج في إحدى محافظات الصعيد مع وجود تمثيل لسيدات معيلات في المأدبة.
يضاف إلى ذلك ضرورة تغيير أنماط التقديم الإعلامي للبرامج التلفزيونية خلال وقت الأزمة، فبدلا من أحاديث الإستوديوهات المكيفة ينتقل الحوار إلى غداء أو عشاء عمل لمجلس إدارة نقابة الصيادلة أو الأطباء أو البيطريين، مع إجراء الحوار معهم، وهم يتناولون فيه الدجاج أو الطيور. وهنا تلعب فنون التصوير وغيرها من المؤثرات دورها؛ فالحديث عن إمكانية تناول البيض تكون تالية لقيام الطبيب بتناول بيضة على الطبيعة، وبشكل تلقائي.
ونفس الأمر بالانتقال إلى بيوت عدد من مشاهير الأطباء، وعلى موائدهم الدجاج وتتحدث زوجاتهم وأولادهم بشكل طبيعي ويدور الحوار بشكل علمي ومهني محترف وليس مجرد افتعال؛ حيث إن الجمهور المصري خاصة لديه حاسة سادسة يعرف بها الكلام المزيف من الطبيعي.
كما أن الانتقال إلى الأماكن التي تم اكتشاف حالات مصابة بها سواء في الريف أو بأطراف المدن سيكون أكثر إقناعا، كما أن فريق الإعلاميين لا بد أن يكون بسيطا في مظهره وكلامه وسلوكه لا يتعالى على من يحاورهم مهما كان مستواهم الاجتماعي والاقتصادي. وهي مهمة صعبة في ظل أزمة الثقة بين غالب الناس والإعلام الرسمي سواء كان مقروءا أو مسموعا أو مرئيا.
لقد كانت الكارثة من العموم بحيث تستحق توسيع دائرة المشاركين في مواجهتها، خاصة أنها مرشحة للاستمرار على الأقل، حتى تنتهي ذروة موسم عودة الطيور المهاجرة من أفريقيا إلى أوربا في منتصف مارس القادم، وهي الهجرة التي تستمر حتى مايو القادم.
ولن تستطيع أجهزة الحكومة بمفردها المواجهة، فلا بد من إشراك المجتمع الأهلي وإرجاء حساسيات الاقتراب من الناس، خاصة بعد تأجيل انتخابات المحليات لمدة عامين، فحجم الكارثة أكبر من الحساسيات الحزبية أو مع التيارات الدينية، وينبغي أن يكون مستوى الوعي من النضج بحيث يجعل الناس تميز بين الأمور بشكل أكثر عقلانية. ويبقى السؤال: إلى متى يمكن أن يتعايش المصريون مع الكوارث، وإلى متى تظل بديهيات إدارة الأزمة غائبة عن الساحة المصرية؟.
|